info@suwar-magazine.org

الواقعية السياسية: المعنى الآخر للهزيمة

الواقعية السياسية: المعنى الآخر للهزيمة
Whatsapp
Facebook Share

 

 

في ظل التحولات المتلاحقة والأحداث الميدانية والسياسية التي تشهدها "روج آفا" بعد إعلان حل قوات سوريا الديمقراطية، تتوالى مقالات وحملات إعلامية تحاول تسويق الرواية الرسمية للإدارة الذاتية المندمجة في سلطة "الجولاني"، وإعادة تدوير الهزيمة وتجميل السقوط تحت مسمى "الواقعية السياسية".

 

ولا تبدو هذه المحاولة، في جوهرها، مجرد قراءة سياسية مختلفة لما جرى، بقدر ما تبدو محاولة مألوفة تقوم على نشر أفكار تُبرّئ قيادة الإدارة الذاتية وقائد قوات سوريا الديمقراطية المنحلة مظلوم عبدي، وتصوير ما جرى من حل وسقوط مدوٍّ ومستقصد في جانب منه وكأنه خيار لا مفر منه، ونتيجة فرضتها موازين القوى الإقليمية والدولية.

 


غير أن هذه المحاولات لتخفيف وطأة الهزيمة أو لإعادة تعريفها، ونزع المسؤولية السياسية والأخلاقية عن قيادات قسد والإدارة الذاتية، وتحويل السقوط من نتيجة لمسار طويل من الخيارات والسياسات الفاشلة، ليست سوى محاولة للهروب من المسؤولية التاريخية.

 

إن أصحاب هذه الدعاية الدفاعية يطلبون منا أن نغمض أعيننا عن أربعة عشر عاماً من القمع والتسلط والتفرد بالسلطة، وأن نبدأ قراءة الرواية فقط من صفحتها الأخيرة.

 

 

لكن هذه القراءة، مهما حاولت أن تتكئ على مصطلحات السياسة الواقعية، تظل قراءة مبتورة للتاريخ وتشويهاً للحقائق، في جريمة وقعت بحق الشعب الكردي عامة في روج آفا، إذ إن ما حدث هو نتيجة حتمية لسياسات انغلاق وتسلط تم انتهاجها على مدى عقد ونصف.

 

 

إن وجهة نظر أصحاب الدعاية التبريرية كانت لتكون صحيحة لو أننا نملك "ذاكرة السمك"، أو لو أننا نجهل تاريخ هذه المنظومة التي حكمت روج آفا. فالخيار والمسار تم رسمهما من قبل المنظومة منذ البداية، وهي التي وضعت نفسها في هذا المأزق عندما انغلقت على نفسها، واستأثرت بالقرار، ووضعت كل الخيوط في يدها، ولم تسمح لأي مخالف بالبقاء أو القيام بأي نشاط ضمن مناطق سيطرتها.

 

 

أنهكت الإدارة الذاتية معارضيها بمضايقات وانتهاكات جسيمة وصلت في بعضها إلى التصفية الجسدية، ناهيك عن الاعتقال والإخفاء القسري لكل من تجرأ على الجهر برأي مخالف.

 

 

وهنا يبرز سؤال أكثر مباشرة، أين كانت أصوات الواقعية السياسية طوال أربعة عشر عاماً؟ أين كان أصحاب هذه الرؤية عندما كان النقد يُقابل بالتخوين والتسفيه؟ وأين كانت الواقعية عندما كان الرأي المخالف يُعامل باعتباره خطراً على "المشروع"؟ وأين كانت المبادئ عندما كانت الانتهاكات تُرتكب بحق المعارضين وأصحاب المواقف المستقلة؟

 

إن الصمت الطويل أمام هذه الممارسات، ثم الظهور اليوم للدفاع عن القيادة العسكرية والسياسية وتبرئة مسؤوليتها عن النتيجة، يثير أكثر من علامة استفهام حول طبيعة هذه الحملة، وما إذا كانت مجرد اجتهادات فردية، أم جزءاً من محاولة منظمة لإعادة صياغة الذاكرة السياسية، بحيث تتحول المسؤولية إلى قدر، والهزيمة إلى "واقعية".

 

 

والأخطر من ذلك أن أدوات الخطاب لم تتغير كثيراً. فكما كان يجري في السابق التعامل مع الرأي المخالف باعتباره تهديداً، نشهد اليوم إعادة إنتاج الأسلوب ذاته، ولكن بأدوات مختلفة. فالناقد الذي يعيش خارج روج آفا يُقال له إنه بعيد عن الميدان، ومن لم يحمل السلاح يُتهم بأنه لا يحق له تقييم الأداء العسكري، ومن يطرح الأسئلة الصعبة يُتهم بالجبن أو بالتنظير من الخارج. وهذه ليست حجة سياسية، وإنما مغالطة واضحة.

 


ومن ثم إن الأصوات الناقدة في الداخل كثيرة جداً، بل وحتى من ضمن كوادر وضباط ومسؤولي المنظومة نفسها من هم معارضون تماماً لما جرى ومحتجون على كيفية إدارة الأزمة، ولكن هذه الأصوات خُفِتت وحُوذِرَت من إثارة الضجة للأسباب الأمنية المذكورة أنفاً وبسبب قمع الرأي المخالف بالداخل.

 

 

ثم أن القضية الوطنية ليست امتيازاً جغرافياً، ولا يصبح الإنسان فاقداً لحقه في النقد لمجرد أنه يعيش خارج حدود المنطقة، ومحاولة إسكات أبناء الشتات والمغتربون، بحجة أنهم ليسوا في الميدان لا تصمد أمام الواقع. فالمجتمعات الكردية في الخارج لم تكن يوماً منفصلة عن روج آفا، بل لعبت أدواراً متعددة في دعمها اقتصادياً وإنسانياً وسياسياً وإعلامياً. وقد شكلت التحركات والفعاليات والمظاهرات وحملات المناصرة، خصوصاً خلال العدوان الأخيرة للجولاني وفصائله المسلحة، وسيلة لإيصال صوت المنطقة إلى الرأي العام الدولي، في أوقات عجز فيها الإعلام الرسمي للمنظومة عن القيام بهذا الدور.

 

اقرأ أيضاً:

         

             بعد حل قسد: نهاية نموذج أم بداية مراجعة للقضية الكردية؟

        بين دماء الشهداء وحسابات السياسة.. هل تلاشت طموحات روج آفا

 

 

وبالعودة إلى فكرة النقد، فإن سحب الحق في النقد من أي شخص بحجة أنه يعيش خارج المنطقة وليس في الميدان، هو امتداد لمنطق الإقصاء ذاته الذي ينبغي أن نتخلص منه، لا أن نعيد إنتاجه.

 

 

كما أنها تنطوي في جوانب منها على مغالطة تتجاهل أنه ليس مطلوباً من كل من يدافع عن قضية شعبه أن يكون جندياً في الميدان؛ فالمجتمعات لا تُبنى بالسلاح وحده، بخلاف سياسات المنظومة الهادفة إلى عسكرة المجتمع بكليته، ليكون أبناؤه حطباً في معاركها عند الحاجة.

 

 

ثم إن السؤال الذي ينبغي طرحه على دعاة "الميدان" إذا كانت الأولوية طوال أربعة عشر عاماً قد أعطيت للتجييش والبنية العسكرية، بينما بقيت البنية التحتية والخدمية والاقتصادية والسياسية في حالة من التهميش والإهمال، فلماذا لم تنتج كل تلك العسكرة قدرة حقيقية على حماية المجتمع عندما حانت لحظة المواجهة؟

 

 

مهمة العسكر هي الدفاع عن المجتمع في أوقات الخطر، وليست الاستفادة فقط من سيطرتهم وقوتهم في أوقات السلم، ثم التخلي عن واجبهم في المعركة الحقيقية التي طالما ادعوا أنهم يتحضرون لأجلها.

والحقيقة أن ما كان ينقص روج آفا في لحظتها الحرجة لم يكن بالضرورة المزيد من السلاح والعتاد، بقدر ما كان ينقصها قرار سياسي مستقل وإرادة حرة تضع مصالح شعبها فوق أي حساب آخر.

 



إن النقد والمكاشفة اليوم ليس ترفاً ولا دعوة إلى جلد الذات ، بل هما واجب وحق نتمسك به لكي نأخذ العبرة، ولكي تكون هذه الهزيمة درساً نتعلم منه لحماية المستقبل من أخطاء الماضي.

 

 

آن الأوان للتوقف عن التعامل مع المجتمع باعتباره جمهوراً مطلوباً منه التصفيق للقرارات، وعن التعامل مع النقد باعتباره تهديداً، وعن اختزال القضية في أشخاص أو قيادات أو تشكيلات عسكرية.

القضايا الوطنية أكبر من الأشخاص، وأبقى من التنظيمات، وأهم من أي قيادة عسكرية أو سياسية.

 

 


تحويل الهزائم إلى انتصارات مزعومة لن ينخدع به أحد بعد اليوم. مظلوم عبدي، وقيادة الإدارة الذاتية، والقيادة العسكرية، والمنظومة السياسية التي أدارت المرحلة، يتحملون مسؤولية سياسية وتاريخية عن الخيارات التي قادت إلى هذه النتيجة.

 

 

والتعافي الحقيقي لا يبدأ من إنكار الهزيمة، وإنما من الاعتراف بها، ومن حق أبناء روج آفا، أن يقرروا مستقبلهم، وأن يستعيدوا حقهم في النقاش والمساءلة وصناعة القرار، بعيداً عن الوصاية الخارجية، وبعيداً عن التخوين والتسفيه، وبعيداً عن كل منظومة تعتقد أن امتلاك السلاح يمنحها حق امتلاك الحقيقة.

 

 

فالدرس الحقيقي من الهزيمة ليس أن العالم كان أقوى منا، وإنما أن علينا أن نسأل أنفسنا أولاً: ماذا فعلنا نحن، وماذا كان يمكن أن نفعل ولم نفعله؟

ومن دون الإجابة الصريحة عن هذا السؤال، ستبقى "الواقعية السياسية" مجرد اسم آخر للهزيمة.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard