info@suwar-magazine.org

التسوّل غير المباشر… بين الأرصفة السورية وفضاءات الدعم الخارجي

التسوّل غير المباشر… بين الأرصفة السورية وفضاءات الدعم الخارجي
Whatsapp
Facebook Share

تنويه: هذه الصورة أُنشئت باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

 

لم يعد التسوّل في سوريا مجرّد صورة لرجلٍ بائس يمدّ يده عند باب مسجد، أو لامرأةٍ تحمل رضيعاً وتستوقف العابرين، تغيّر المشهد كثيراً مع تغيّر البلاد نفسها، فالحرب التي مزّقت المدن والبيوت، ودفعت الملايين إلى النزوح واللجوء، لم تترك وراءها فقط الخراب والدمار، بل خلّفت أيضاً أساليب جديدة للتعبير عن الحاجة، صار الفقر أكثر تعقيداً، وصار التسوّل أكثر التفافاً وذكاءً.

 

 

اليوم، في الشوارع السورية، ينتشر ما يمكن أن نسمّيه التسوّل غير المباشر: أطفال يبيعون مناديل ورقية على إشارات المرور، شبان ينظّفون زجاج السيارات دون أن يطلب أحد ذلك، نساء يوزّعن وروداً اصطناعية بثمن زهيد، هؤلاء لا يقولون: "أعطنا صدقة"، بل يضعون بين أيدي المارّة سلعة رمزية أو خدمة عابرة، في محاولة لستر الحاجة بواجهة عملٍ صغير، والحقيقة أن المبلغ المطلوب أكبر بكثير من قيمة السلعة، لكن الخدعة ضرورية للاحتماء من وصمة "المتسوّل".

 

هذا الشكل من التسوّل، على بساطته، يفتح سؤالاً عميقاً: لماذا يُجبَر الفقير على الاحتيال على فقره كي يُسمع صوته؟ أليس الأجدر بمجتمع سليم أن يحمي كرامة أفراده بدل أن يدفعهم إلى التنكّر لأنفسهم؟

 

 

 

بين الحاجة والذنب

المفارقة أن التسوّل غير المباشر يورّط الجميع، المارّة الذين يشترون المناديل أو الوردة يعرفون أنهم يدفعون ثمن حاجة، لا ثمن سلعة، ومع ذلك يتظاهرون بأنهم "اشتروا"، والفقير يعرف أنه يمارس خدعة صغيرة، لكنه يفضّلها على الإذلال المباشر، والنتيجة: تبادل صامت للذنب، المانح يشعر أنه خُدع بخدمة وهمية، والمحتاج يشعر أنه خدع كي يبقى واقفاً على قدميه.

 

اقرأ أيضاً:

 

                           عن نبيذ الأغنياء وعرق الفقراء

                                ديون على سنابل القمح

 

 

العالم الافتراضي… تسوّل جديد

لم يقف الأمر عند حدود الأرصفة، مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، صار التسوّل غير المباشر جزءاً من الحياة الرقمية، صفحات تنشر قصصاً عن مرضى بحاجة إلى عمليات، أو أسر بلا مأوى، أو أطفال بلا دواء، تُرفق القصص غالباً برقم هاتف أو حساب مصرفي، بعضها صادق تماماً ويكشف مأساة حقيقية، وبعضها يستغل التعاطف البشري ويحوّله إلى مورد رزق.

 

 

في سوريا، حيث الرقابة ضعيفة والثقة المجتمعية مهزوزة، انتشرت هذه الظاهرة على نطاق واسع، يكفي أن ينشر شخص صورة مأساوية ليحصل على تبرعات من الداخل والخارج، دون وجود آلية شفافة لمعرفة أين تذهب الأموال، وهكذا، يتحوّل "الاستجداء الافتراضي" إلى تجارة بالمشاعر، ويُعيد إنتاج صورة المتسوّل لكن بلغة "رقمية".

 

 

المنظمات الثقافية… قناع آخر للتسوّل

الأكثر إرباكاً أن التسوّل غير المباشر لا يقتصر على الفقراء المعدمين، بل يمتدّ أحياناً إلى جهات يُفترض أنها تعمل في مجال "الثقافة" أو "المجتمع المدني"، هناك منظمات، دون أن نذكر أسماء، تمارس شكلاً من أشكال الاستجداء المنظّم: تتقدّم بطلبات تمويل لمؤسسات أجنبية، تروي قصصاً عن "الحاجة إلى دعم الثقافة في سوريا"، أو "إنقاذ الإبداع من الموت"، أو "حماية التراث من الاندثار".

 

 

المشكلة ليست في التمويل نفسه، فالتمويل الخارجي قد يكون مشروعاً وضرورياً في بلد مدمَّر مثل سوريا، المشكلة حين يتحوّل الخطاب إلى استعطاف دائم، وحين تُبنى سرديات كاملة على فكرة: "نحن عاجزون إلا إذا منحتمونا" هنا يصبح التسوّل غير المباشر مؤسّسياً: لغة أنيقة، تقارير مصقولة، لكن الجوهر واحد، طلب دائم للمساعدة، مع غياب خطط حقيقية للاستقلالية أو الاستدامة.

 

 

بهذا المعنى، لم يعد التسوّل محصوراً بالشارع أو بالمنصات الرقمية، بل دخل إلى قاعات المؤتمرات وفضاءات الثقافة، ومن المفارقات أن هذه الجهات، التي يُفترض أن تنتقد التسوّل أو تقدّم حلولاً للفقر، قد تمارس هي نفسها شكلاً من أشكاله، لكن في ثياب "مشاريع" و"برامج".

 

 

 

مجتمع بأقنعة

التسوّل غير المباشر، إذاً، ليس تفصيلاً صغيراً في الحياة اليومية السورية، بل مرآة عاكسة لعطبٍ أكبر، إنه يكشف عن مجتمع كامل يُجبر أفراده ومؤسساته على ارتداء أقنعة:

الفقير يتخفّى خلف مناديل أو وردة.

الناشط يتخفّى خلف "مشروع" أو "منحة".

حتى المواطن العادي قد يتخفّى خلف كلمات مواربة حين يطلب حقاً بديهياً من الدولة.

إنها شبكة واسعة من الاستجداءات المبطّنة، حيث يتقاطع الفقر مع غياب العدالة، والحاجة الفردية مع العجز المؤسّسي.

 

 

 

سؤال أخلاقي وسياسي

يبقى السؤال: كيف يمكن التمييز بين من يستجدي بحيلة لأنه لا يملك خياراً آخر، وبين من يتقن لعبة الاستجداء ليحوّلها إلى مهنة أو مورد ثابت؟ وكيف يمكن لمجتمعٍ يعيش على أنقاض الحرب أن يوازن بين ضرورة العطاء، وبين حماية نفسه من التلاعب بالعاطفة؟

 

الأهم من ذلك: أليس في هذا المشهد إدانة صريحة لغياب الدولة التي كان يفترض بها أن تكون الحاضن الأول للمحتاجين؟ فحين تغيب الدولة، يصبح المجتمع ملعباً للاستجداء بأشكاله كلها، من الأرصفة إلى الإنترنت، ومن الفقراء إلى المنظمات الثقافية.

 

 

ما بين الفضيحة والستار

التسوّل المباشر فضيحة، والتسوّل غير المباشر ستار، بينهما يتأرجح السوري اليوم، كأنه يسير على خيط رفيع: إن طلب علناً خسر كرامته، وإن غلّف حاجته بخدعة، خسر صدقه.

 

ربما يكون الحل في إعادة الاعتبار لفكرة الكرامة نفسها: أن تُبنى آليات دعم اجتماعي حقيقية، وأن يُتاح للفرد أن يعيش بلا أقنعة، وإلى أن يحدث ذلك، سيظل المشهد السوري مسرحاً كبيراً للتسوّل غير المباشر، حيث يمدّ الناس أيديهم، لا صوب العابرين فقط، بل صوب العالم كله، في انتظار مساعدةٍ لا يعرفون إن كانت ستأتي أم لا.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard