info@suwar-magazine.org

الشخلعة: هي أن ترقص أكثر من الموسيقى

الشخلعة: هي أن ترقص أكثر من الموسيقى
Whatsapp
Facebook Share

 

لستُ أعرف إن كانت كلمة "الشخلعة" تستحق أن تدخل القواميس، أم أن القواميس هي التي لا تستحقها.

بالنسبة لي هي مفردة تتسع العالم، بدءاً من رقصته الأولى وصولاً للحظتنا الفالتة من الإيقاع والزمن، فإذا كان ماركس قد أنتج "رأسلمال"، والله "أنجز القرآن"، فـ "الشخلعة" سكنت "الفلسفة" و"الدين" و"الرقص" و "الوجع" و "الحزن" و"الفرح".

 

"الشخلعة" ليست من الكلمات الكبيرة، تلك التي تتباهى بأصولها اللاتينية أو اليونانية، والتي  تبدو أحيانًا عاجزة عن تفسير العالم، بينما تنجح كلمة خرجت من زقاق سوري، من عرس شعبي، أو من امرأة ضاحكة تراقب شاباً يبالغ بهز قفاه على نقرات الطبلة،  فتصف رقصته بـ : "الشخلعة".

ـ يا لها من كلمة بدلالات لم تبلغها "اللغة" المبالغ بفصاحتها؟!

فـ "الشخلعة" ليست الرقص، إنها الرقص الذي فقد احترامه للموسيقى.. تحدث حين يصبح الجسد أكثر ضجيجاً من الإيقاع.. حين يتصرف الراقص وكأن الموسيقى ذريعة لمشروعية وجود مؤخرة الإنسان في قفاه وليس في وجهه.

 

 

منذ سنوات، وأنا أشك أن العالم كله يعيش حالة "شخلعة"، لم يعد الأمر يتعلق بالرقص وحده ليشكل للرقص "مظلوميته".. الغضب نفسه تحوّل إلى "شخلعة"، والحزن بات "شخلعة"، والدين بتناسل فقهائه الذين كلما ازداد عددهم قلّ شرفهم، بات "شخلعة"، بدليل أنه يُحمّل الله مالله علم به.

 

أما الثورة والسياسة، بل وحتى الانجراف العاطفي، كله "شخلعة"، فيما الوطن "يتشخلع" شغلة دامية، بما يجعل المجزرة بين زمنين:

ـ إما سبق وحصلت، وإما لابد أن تحدث.

كل شيء تقريباً أصبح يبالغ في تمثيل نفسه حتى بات "شخلعة".

 

ثمة غضب نبيل، غضب يولد من الظلم، ويطالب بالعدالة، لكن الغضب، مثل النبيذ، إذا تُرك مكشوفاً، معروضاً للهواء،  يتحول إلى شيء آخر.. "يتحول إلى "شخلعة"، وكلنا غاضبون، وها أنذا "أتشخلع" بالكتابة تنفيساً عن غضبي.

ـ على هذا النحو، فإن غضبي لم يعد يريد إزالة الظلم،  بل يريد إذلال الخصم.

لم يعد يريد العدالة، يريد حلق شارب رجل طالما ابكاه الاستهانة بشاربه.. تذله لا لتنتزع منه "عدالة"، أو لتتلافى خطره، لكن، ومن أجل "اللاكن" هذه "تذله".

 ربما لأن طريقه إلى الله لايُشبه طريقك، دون أن تأخذ علماً بأن كليكما ذاهب إلى الطريق الخاطئ، ذلك أن: "ما من طريق يقود إلى الله، لتغييبه أو استحضاره"، سوى :

ـ لحظة تأمل؟

لا لحظة "شخلعة".

ـ تُذله لـ تنتقم" لإلهك؟

من قال ذلك؟

ـ لا، أنت تُذله، لتنتقم.. نعم لتنتقم ولكن   بوصف الانتقام عرضاً مسرحياً سيصفق له جمهور مقطوع الأيدي، ليغدو في نهاية الاحتفال:

ـ "شخلعة".

ـ ألم "نتشخلع" في تحويل اسم :

ـ المذبحة.

إلى:

ـ مجرد انحراف نزوة؟

وحين يصل الغضب إلى هذه المرحلة، يصبح أشبه براقص يلوح بذراعيه بعنف، بينما الموسيقى توقفت منذ دقائق، وهو لم ينتبه.

 

اقرأ أيضاً:  

 

          بين سقوط الاستبداد وخيبة البديل: حين انتصر اليقين على السؤال

                     من اتفضلي ياست إلى اتستري ياحرمة

 

 

ـ مارأيكم بـ "شخلعة" الأحزان؟

في البداية يبكي الإنسان لأنه فقد شخصاً، ثم يبكي لأنه يحب ذلك البكاء، ثم يكتشف أن الناس يلتفتون إليه كلما بكى أكثر..عندها، يتحول الحزن إلى ندّابة، إلى مهنة، إلى استعراض، ومن ثم:

ـ إلى بطولة.

 

كم من أمم بنت هويتها على "الشخلعة" الحزينة.. كم من الف وأربعمائة سنة وشعوب تقتتل من أجل "هزيمة" وقعت، كما لو أنها وقعت فجر هذا اليوم، لتزداد حزناً.

ـ هل من "شخلعة" توازي البكاء على فقيد ربما لم تشهده الأرض، فألفّته كتب السماء، كما لو راوٍ يروي الخديعة.

ـ أليس هذا الحزن "شخلعة

أنت، أيها الحزين الأبدي، لاتريد الشفاء، لأن الشفاء يعني نهاية العرض، فما أن ينتهي العرض حتى تغادر خشبة المسرح وتتحول إلى صالة جمهور سئم من حزنك.

 

 

ـ والسياسة؟

آه، السياسة؟ إنها أقدم الفنون احترافاً للـ "شخلعة".. من قال أن الدعارة هي المهنة الأقدم؟

لا، السياسة هي الأقدم، هي مضاجعة ما بين الامبراطور، الزعيم، شيخ القبيلة وقبيلته، أما أجورها فقد تصل إلى الاستيلاء على التاريخ والذاكرة، لتزيف التاريخ وتنتهك الذاكرة.

ـ السياسي الذي يبدأ بخدمة الناس، قد ينتهي مقتنعاً بأن الشمس تشرق كل صباح كي يرى العالم صورته.

 

ـ الدولة التي تبدأ بمؤسسات، قد تنتهي بصورة ضخمة للقائد، بينما المدارس تنهار.. ألم يحدث ذلك في العراق، في سوريا، في ليبيا، وحتى في "يمن" علي عبد الله صالح، التي تُقَشعِر صورته البدن وهو ينتهك عرض أم الكاميرا؟

ـ هل ثمة "شخلعة" ترتقي إلى مستوى هذه "الشخلعة".

والخطيب الذي بدأ بخطاب، ينتهي مقتنعاً بأن التاريخ يبدأ من حنجرته

أليست هذه "شخلعة"؟

 

 

حتى الجغرافيا نفسها تعرف هذا المرض، ففي هذا العالم آلاف البشر الذين يعتقدون أن حدود مزرعتهم هي حدود الكون، ولتكن حدود كونه فكل ما يلزم :"عشرة زعران، وسيارة دفع رباعي، وحاجزاً إسمنتياً"، حتى يبدأ بالتفكير في إعلان دولته.

يضع علماً، ويؤلف نشيداً، ويعين وزيراً للدفاع،  وربما وزيراً للثقافة امتد بمجده عبر قصيدة عنوانها "طبق الكرامة"، رغم أنه لم يقرأ كتاباً في حياته، فيما لابد ويتقن غرف "الطبيخ" من على موائد الرحمن براحة يده.

ـ إنها "شخلعة" الخرائط.

كل جماعة صغيرة تريد أن تصبح قارة، وكل سجن  يريد أن يصبح وطناً، وكل زعيم يريد أن يصبح تاريخاً.

ـ بربكم، أليست هذه أمّ أخت خالة، ورب "الشخلعة"؟

 

 

حتى الله المسكين "يتشخلع" من أتباعه حتى ينخلع وركه.. الله الذي وسعت رحمته كل شيء، يأتي بسدنة هيكله، ليشرحوا له كيف ينبغي أن يرحم الناس، وأن يعدل بين زوجاته اللواتي لانهاية لثغائهن على تيس حطمته "الشخلعة"..

يأتي سدنة هيكله لـ :

ـ يصححون له أحكامه.

ـ يوزعون بطاقات الدخول إلى الجنة.

ويقررون، نيابة عنه من يستحق الحياة ومن يستحق الموت.. إنها ليست ديانة، إنها "شخلعة" لاهوتية.

ـ الله يقول: الرحمة.

وهم يسمعون:

ـ المقصلة.

 

 

 

وفي الأدب أيضًا، ثمة فائض من "الشخلعة".. كاتب يكتب جملة جميلة، ثم يقضي ثلاثمائة سنة لاحقة وهو يحاول  أن يقنعنا بأنه " هوميروس". ورواية تبدأ بإنسان، وتنتهي باستعراض ثقافة الكاتب،  كما لو أن الشخصية ليست إلا شماعة يعلّق عليها المؤلف مكتبته، دون أن يفطن بأن أجمل الروايات هي تلك التي تنسى نفسها، وأردأها تلك التي تظل تصرخ:

ـ  انظروا إليّ... انظروا كم أنا غارق في "القضايا الكبرى".

هذه أيضاً "شخلعة".

 

 

والعشق؟

كم من حب مات لأنه بالغ في تمثيل الحب؟ الحب كائن صامت، ما أن يثرثر حتى يتحوّل إلى "شخلعة"، لكن العاشق "الشخلعجي"، لايعرف إلاّ مكبرات الصوت، كأئمة المساجد، يحول القبلة إلى مهرجان، والغيرة إلى محكمة، والفراق إلى حرب عالمية.

ـ يحب أكثر مما يحتمل الحب، فيقتله، لتمشي في جنازته "الشخلعة".

 

وسائل التواصل الاجتماعي ليست اختراعاً، إنها أكبر مسرح "للشخلعة" في تاريخ البشرية.

ـ كل شخص مذيع.

ـ كل شخص محلل استراتيجي.

ـ كل فيلسوف بين الشعراء وشاعر بين الفلاسفة.

ـ كل شخص ضحية.

ـ كل شخص بطل.

كل شخص يملك الحقيقة كاملة، ولا ينقصه سوى أن تمنحه البشرية تصفيقاً أطول.. لم يعد أحد يعيش حياته:

ـ الجميع يؤدونها.

أحيانًا أفكر أن الطغيان نفسه بدأ "كشخلعة".. مجمل الحكاية، أن رجلاً أحب الكرسي، ثم أحب صورته على الكرسي، ثم أحب صورته وهو يحب صورته على الكرسي، ثم انتهى الأمر ببلد كامل يعيش داخل صورته.

 

 

والثورات؟

حتى الثورات ليست محصنة، فالثورة التي تنسى الإنسان، وتصبح مولعة بصورة الثورة، تبدأ "شخلعتها" الخاصة:

ـ تصير الشعارات أهم من الناس، والأناشيد أهم من الخبز، والرايات أهم من الأحياء.

وعندها، يصبح الفرق بين الثورة والسلطة مجرد اختلاف في لون الأعلام.

ـ وهل من "شخلعة" تنافس هذه "الشخلعة

 

 

لقد كان الرقص، في أصله، احتفالاً بالحياة، لكن "الشخلعة" ليست احتفالاً بالحياة، إنها احتفال بالراقص، وهنا يكمن الفارق كله.

ربما لهذا السبب أحب وأعني "الشخلعة"، أحبها  أضعاف من عشرات المصطلحات الفلسفية، لأنها تلتقط، بخفة امرأة سورية ساخرة، مرضاً عالمياً، المرض الذي يجعل الإنسان ينسى السبب، ويتعلق بالاستعراض.

ـ ينسى الموسيقى، ويقع في حب حركاته.

ـ ينسى الله، ويتعلق بوكيل أعمال الله أو مدير زنزانته.

ـ ينسى العدالة، ويتعلق بالانتقام.

ـ ينسى الحقيقة، ويتعلق بالصراخ.

 

 

وأظن أن البشرية، منذ زمن طويل، لا تعاني نقصاً في الأفكار، إنها تعاني فائضاً في "الشخلعة".

كل شيء يريد أن يكون أكثر من نفسه.. كل شيء يريد أن يبتلع حجمه الطبيعي.

كأن الكون كله أصيب بفكرة واحدة:

ـ إذا كان بالإمكان أن ترقص، فلماذا لا ترقص أكثر من الموسيقى نفسها؟

ربما  (أقول ربما، فأنا لست من أهل اليقين).. ربما كان خلاص الإنسان، فرداً وجماعة، أن يتعلم من جديد الإصغاء إلى اللحن، فالموسيقى لا تحتاج إلى أجساد تصرخ فوقها، والحقيقة لا تحتاج إلى من يبالغ في تمثيلها.

يكفي أن يعود كل شيء إلى إيقاعه الطبيعي، فالكون، منذ نشأته، لم يكن ينقصه الراقصون:

ـ كان ينقصه فقط... من يعرف متى يتوقف عن "الشخلعة".

 

اما الفارق ما بين "الرقص" و"الشخلعة"، فيمكن اختزاله بـ :

ـ الفارق ما بين مارتن لوثر كنغ، والشيخ العرعور، له الرحمة باتساع الأرض ونصف سماوات أمتنا، وثمارها.

أعدكم بأنني سأتوقف عن "الشخلعة".

ـ أليس كل ما سبق وقرأتموه  لي "شخلعة"؟

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard