info@suwar-magazine.org

عن نبيذ الأغنياء وعرق الفقراء

عن نبيذ الأغنياء وعرق الفقراء
Whatsapp
Facebook Share

 

حين يشرب كلٌّ على طريقته

 

بقلم: امرأة تكتب، وتسمع كثيراً، وتراقب عن كثب... لا لتدين، بل لتفهم.

 

في مدينتي الصغيرة، هناك شارع تُعرف نهايته بأنها موطن الظلال الثقيلة: حانة واحدة، وبيت من طين، وعدة أرواح تهيم كأنها تبحث عن زمن لم يعد موجوداً، هناك، تعرفتُ على وجوه اعتادت الخمر لا لأنها تحبّه، بل لأنه كان آخر يد تمتد إليها كلما غرقوا.

 

 

جلستُ مراراً على أطراف الحكايات، أراقب، أستمع، وأدوّن، شاهدتُ الفرق لا في الشراب، بل في الطريقة، رجل ستيني أنيق يرفع كأس النبيذ كأنه يحاورها، وعامل تنظيف بلدية يشرب "العرق البلدي" من قنينة بلاستيكية صغيرة، كأنها دواء قلبه الوحيد.

في البداية ظننتُ أن الخمر واحد، لكنني كنت ساذجة، الكحول في هذه المدينة طبقة اجتماعية، وتاريخ خفي، وسؤال لم يُطرح بما يكفي: لماذا يشرب الناس؟ وماذا يقول السكر؟

 

 

 

السكر طبقات: بين زجاجة نبيذ ومزيج كولونيا

منذ كنت مراهقة، سمعتُ عن جارنا الذي شرب عطراً رخيصاً ذات ليلة لأن الخمر انقطع، ضحكوا عليه، لكنه نجا، في الحي ذاته، سُكر التاجر المعروف لم يكن نكتة، بل قصة حب تنتهي بكأس نبيذ معتّق وموسيقى كلاسيكية.

الفقير يسكر ليذوب، والغني يسكر ليشعر، وهذا هو الفارق الجوهري الذي لن يظهر في تحليل الدم.

 

 

عن الهروب والاحتفال: مَن يشرب ولماذا؟

قابلتُ رجلاً في الأربعين، عاطل عن العمل منذ ثلاث سنوات، يشرب لأن كل شيء توقف، قال لي: "الخمر مو طعم، الخمر استراحة من النفس"

ثم سمعتُ عن شابة جامعية، تشرب النبيذ في ليالٍ معينة، سألتها صديقة لي: "ليش؟" فقالت: "لأنه يعطيني شعور بفيلم أوروبي، وأنا أحب أن أعيش كأنني في فيلم"

ما بين التوقف الكامل للحياة، والحاجة لتزيينها؛ تتغير أسباب الشرب، وبين الهرب والاحتفال، ننسى أن كلاهما وجهان لنفس الهاوية.

اقرأ أيضاً:

 

                     أن تكوني امرأةً حرة.. حكاية فستان مؤجل ودمعة مؤجلة

                                ديون على سنابل القمح

 

 

 

كيف يشرب الناس؟ وأين يقفون؟

في حفلة زواج خالتي، رأيت رجلاً يخلط العرق مع "سفن أب" لأنه لم يجد شيئاً أبرد، ضحكوا، حتى خالتي ضحكت وهي تبكي من التعب.

وفي إحدى الحانات البعيدة في هذا البلد، حكت لي نادلة عن امرأة تمسك كأسها كأنها تمثّل إعلاناً، كانت وحيدة، وبدت سعيدة، لكن خلف ضحكتها، كان هناك حزن خفيف تحت عينيها، كأنه لم يجد مخرجاً إلا من خلال النبيذ الأحمر.

لا يشرب الجميع ليضحك، كثيرون يشربون ليصمتوا فقط، أو ليناموا دون كوابيس.

 

 

 

الجريمة حين تكون مخمورة

في مدينتي، سمعنا عن قصة رجل طعن شقيقه لأنه قال له "شربت زيادة اليوم"، الحادثة انتهت بمأساة وجنازة.

وفي المقابل، ابن مسؤول ثري دهس طفلاً وهو يقود مخموراً، وخرج ببيان من محام مشهور يقول: "كان ضوء الشارع خافتاً"

هكذا هو الأمر: لا تُقاس الجريمة فقط بدرجة السكر، بل بدرجة النفوذ، الكحول لا يعفيك، إلا إذا كنت ممن لا يُحاسب.

 

 

 

ماذا يكشف السكر؟

من كل القصص التي سمعتها، واحدة بقيت عالقة: امرأة خمسينية، كانت مدمنة على العرق، لكنها توقفت بعد أن فقدت ابنتها، سألتها مرة، بعد سنوات، لماذا كانت تشرب؟

قالت: "ما كنت أشرب عشان أنسى، كنت أشرب عشان أقدر أتحمّل الذاكرة"

في السكر، نحن لا نهرب من الواقع، نحن نكسره ليبدو أقل صلابة.

 

 

 

ماذا يقول الطب النفسي؟

في الجلسات التي حضرتها كمرافقة، تعلّمتُ أن الإدمان ليس ضعفاً بل صرخة غير مسموعة، الطب النفسي لا يرى في الكأس سوى عَرَض، لا سبب، خلف كل شارب، توجد حفرة مفتوحة في النفس.

أطباء الإدمان لا يلومون السُكارى، بل يسألون: ما الذي دفعك؟ متى بدأت؟ وأين كنت حين شربت أول مرة؟

الإدمان يحتاج علاجاً لا يشبه العقاب، بل يشبه الحنان، يحتاج من يقول للمدمن: أنت تستحق النجاة، حتى إن كنت قد وقعت ألف مرة.

 

 

 

خاتمة: وما الحل؟

لا أملك وصفة، فقط رؤوس أقلام من تجربة سيدة عادية عاشت في مدينة صغيرة ترى كل بيوتها وحاناتها حين ترتدي كعب عالي، ففي هذه المدينة النخب والمزابل، وكل أنواع البشر.

الحل ليس في تجريم السكر، بل في فهم أسبابه، ليس في الصراخ بوجه المدمن، بل في سؤاله: "ماذا ينقصك لتعيش؟"

ربما نحتاج حوارات مفتوحة عن الألم، وعيادات مجانية للعلاج، وأصدقاء يصغون بلا تهكم.

 

 

لكن قبل كل شيء، نحتاج أن نرى المدمن لا كخطر، بل كإنسان ضائع، وأن نفهم أن الكحول ليس عدواً دائماً... بل في بعض الليالي، كان الناجي الوحيد الذي مدّ يده حين انسحب الجميع.

وهنا، تكمن القصة، لا في الزجاجة، بل في اليد المرتجفة التي تمسكها.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard