info@suwar-magazine.org

أن تكوني امرأةً حرة.. حكاية فستان مؤجل ودمعة مؤجلة

أن تكوني امرأةً حرة.. حكاية فستان مؤجل ودمعة مؤجلة
Whatsapp
Facebook Share

 

نظرات لا تُقال لكنها تُؤلم

في أحد المقاهي، جلست امرأة خمسينية قبالتي، كانت نظراتها أطول من اللازم، وفضولها ثقيلاً رغم صمته، بعد دقائق من التحديق، اقتربت وهمست بصوت منخفض لكنه مشحون:

"معقول لهلأ ما في حدا؟ حرام… إنتِ حلوة وبنت ناس!"

ابتسمت بأدب، لأنني لم أعد أملك طاقة الغضب أو التفسير.

لقد تعودت على هذا النوع من الأسئلة، الذي يبدو في ظاهره حناناً، لكنه في عمقه جرحٌ لا يلتئم.

 

 

ثلاثون عاماً... وكأنها جريمة صامتة

أن أبلغ الثلاثين كامرأة في الشرق الأوسط، يعني أنني دخلت منطقة الطوارئ الاجتماعية، هنا، يصبح الزمن خصماً، ويُعاد تعريفك بناءً على ما ينقصك، لا على ما أنتِ عليه.

 

العمل؟ الإنجاز؟ الاستقلال؟

كل هذا يُعتبر تفاصيل ثانوية، ما دمت لم تلبسي "الفستان الأبيض".

في كل مناسبة، تنهال الأسئلة:

"ليش ما تزوجتي؟"، "ما لقيتي حدا؟"، "أكيد عندك شروط صعبة!"

حتى من يحبونني يطرحون هذه الأسئلة وكأنهم يسألون عن مرضٍ مزمن.

 

اقرأ أيضاً:

 

                           ستشعرين بالاكتئاب بعد الولادة وتكرهينني

                            ركعتان قبل ممارسة الجنس في ليلة الزفاف

 

 

منزلٌ دافئ... وغربة خفية

أنا ابنة عائلة كردية، بيتنا مليء بالحب، لكنه أيضاً مشبع بالتقاليد, أمي امرأة محبة لكنها قلقة، تخاف عليّ من الوحدة كما تخاف من كلام الناس.

في مساءات كثيرة، تدخل غرفتي بهدوء وتسأل: "ما بدك شي؟ تعبانة؟ حابة تحكي؟"

لكنها لا تجرؤ على قول ما يشغلها فعلياً: "ليش بعدك لحالك؟"

أبتسم لها، أحتضنها أحياناً، وأخفي دمعة ناعمة لا تريد أن تفسد المساء.

أنا كاملة... رغم "الفستان المؤجل"

 

 

أعمل، أشتري ما أريد، أعيش باستقلال نسبي، أُدلل نفسي، أضع عطري المفضل، أرتدي أجمل فساتيني في أمسيات خاصة بي، لكن كل هذا لا يُحتسب، في نظر الكثيرين، حياتي مجرد فراغ مُزين.

 

 

أتذكر عيد ميلادي الثلاثين.

لبستُ فستاناً أزرق حريرياً، خرجت مع صديقاتي، ضحكنا حتى منتصف الليل، لكن لاحقاً، إحدى قريباتي قالت لي بابتسامة محبطة:

"هالفستان لو لبستي يوم عرسك، كان طالع عليكي شي خرافي!"

ضحكت مجدداً، وبلعت غصة لا طعم لها.

 

 

 

الوحدة ليست قبحاً… القبح أن لا تُرى

أنا لست ضحية، ولا أبحث عن شفقة، لكن هناك لحظات، حين أعود لسريري ليلاً،

أنظر إلى السقف وأسأل نفسي بصوت داخلي هامس: هل هذا ما أريده فعلاً؟

هل عيشي كما أنا عليه الآن يشبهني، أم أنني فقط أتجنب المواجهة؟

ليس سهلاً أن تكوني امرأة ثلاثينية في هذا الشرق.

كل يوم هو معركة:

أن تبقي على حبك لذاتك حياً

أن تُسكتِ الأصوات من حولك

أن لا تخجلي من حريتك

أن لا تعتذري عن وحدتك

 

 

أنا أعيش… وهذا يكفيني

لا أنتظر فارساً، ولا قصة حبٍ تكتبني، أنتظر فقط أن أُعامل كامرأة كاملة، لا مشروع مؤجل أو ملفّ ناقص، في كل صباح، أعدّ قهوتي، أختار عطري، أضع أحمر شفاهي، وأخرج بثقة، قد أعود ليلاً بدمعة صغيرة، لكنها ليست دمعة انكسار، بل تعب… تعب امرأة تقاوم بصمت.

 

أكتب هذا لأقول إنني ما زلت أملك صوتي، حتى لو لم يسمعه أحد، وسأستمر، بفستاني، دمعتي، بصوتي، بخطوتي، ولو وحيدة، لكنني أعيش كما أريد… لا كما يُراد لي.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard