المرجع البديل: تفكيك التأسيس الديني للأخلاق وإعادة بناء المعيار الإنساني

تقديم: راهنية السؤال الأخلاقي
تختلف تعريفات "الأخلاق" وفقا للمرجعيات الفلسفية والعقائدية والأنثروبولوجية التي تتناولها؛ إذ يُنظر إليها من زاوية إيمانية باعتبارها "مجموعة الأوامر والنواهي الإلهية المطلقة التي تهدف إلى تنظيم العلاقات بين الناس وضبط السلوك وتزكية النفس وربطها بالغاية الإلهية"، بينما تُعرّف من منظور اجتماعي وعلماني بأنها "نسق ديناميكي من المبادئ والقواعد السلوكية التي يتوافق عليها البشر، بهدف تنظيم العيش المشترك، وتقليل المعاناة والضرر، وتحقيق العدالة والرفاهية الفردية والجمعية"؛ وفي هذا المنظور الاجتماعي العلماني يتراوح مفهوم الأخلاق بين كونها فضائلا ذاتية يمارسها الإنسان لذاتها، وبين كونها عقدا اجتماعيا يتطور باستمرار مع ارتقاء الوعي الإنساني ونمو الخبرة البشرية.
وقد ظلت إشكالية "مصدر الأخلاق" واحدة من أكثر المساحات السجالية تعقيدا في تاريخ الفلسفة واللاهوت؛ ورغم التطور المعرفي والتقني الهائل الذي يشهده العصر الحالي، إلا أن السؤال البدئي ما يزال يطرح نفسه بنفس الكثافة الإيديولوجية، فهل يمارس الإنسان الخير لأنه مأمور بها من قبل قوة ربانية مطلقة، أم لأن الفعل الأخلاقي يمتلك قيمته الذاتية في تحقيق النفع الاجتماعي وتقليل المعاناة الإنسانية؟
تتجلى هذه الإشكالية بوضوح في المناظرات المعاصرة بين الخطاب الديني التقليدي الذي يربط الأخلاق بالوجود الإلهي ربطا وجوديا شرطيا، وبين الخطاب العقلاني الإنساني الذي يرى في الأخلاق نتاجا للتطور المعرفي، والعقد الاجتماعي، والخبرة البشرية المتنامية.
وهذا المقال يهدف إلى تفكيك مقولات التأسيس الديني للأخلاق، وبيان تهافت الرهان على "المصدر الرباني" كمرجع فريد أو وحيد لها، مع إعادة تأطير المنظومة الأخلاقية باعتبارها ضرورة وجودية واجتماعية تؤسسها العقلانية الإنسانية في إطار هذه الضرورة.
أولا: أسبقية العقل ومأزق التناقض المنهجي في التأسيس الديني
يبدأ السجال الديني عادة بمساءلة المرجعيات اللادينية عبر طرح "مشكلة التأسيس" (The Grounding Problem)، وهنا يتساؤل الدعاة الدينيين: "إذا لم يكن هناك إله، فمن أين تأتون بالمعيار الذي يحدد الخير والشر؟"؛ غير أن هذا الطرح يخفي مأزقا منطقيا بليغا في بنيته الداخلية، وهو الوقوع في التناقض المنهجي، فلتأسيس الأخلاق على النص الديني أو النبوة، يحتاج المرء أولا إلى إثبات صدقية النص وصحة النبوة ووجود الإله نفسه؛ فما هي الأدوات التي يستخدمها الإنسان للبت في هذه القضايا الكبرى؟ إنه العقل حصرا.
إن العقل هو الحاكم الأول والمصادق على صلاحية الدين وأدلته؛ فإذا كان هذا العقل يمتلك الأهلية السيادية والمنطقية للبت في صحة وجود الإله ورسالته، فهو إذن وبالأَولى يمتلك الأهلية والكفاءة لمعاينة الواقع، واستخراج الأحكام الأخلاقية، وإدراك وتقييم ما يلحق الضرر بالإنسان وما يحقق سلامته ورفاهه.
ومن ثم، فتجريد العقل من قدرته على التأسيس الأخلاقي المباشر، مع الإبقاء على صلاحيته للمحاكمة الإيمانية الأولى، يمثل تناقضا منهجيا حادا، فالعقل المجرد الصالح لاختبار "صدق النبوة" هو صالح حكما لمعرفة "الفعل الأخلاقي" واختبار وتحديد أثره على الفرد والمجتمع.
ثانيا: المعضلة المنطقية في ردّ الأخلاق إلى الإرادة الإلهية
الأخلاق، في أبسط معانيها، هي المنظومة المعيارية التي تميز بين الخير والشر، والتي يُبنى عليها الالتزام السلوكي بفعل الخير واجتناب الشر.
ولكن قبل السؤال عن أصل الأخلاق، أو أساسها، أو كيفية تطبيقها، لابد أولا من وجود معيار يحدد مفهومي الخير والشر، وإلا ظل مفهوم الأخلاق نفسه غامضا وملتبسا.
فيما يتعلق بمصدر الأخلاق، يبرز خلاف جوهري بين الفلسفة والدين، فالفلسفة، على اختلاف مذاهبها، تجعل معيار الحكم الأخلاقي قائما على العقل والخبرة الإنسانية، أما الدين فيجعل مرجعيته النهائية في الإرادة الإلهية.
في الفلسفة، الخير والشر يُحددان انطلاقا من الإنسان نفسه؛ فكل ما يلحق بالإنسان ضررا حقيقيا يُعدّ شرا، وكل ما يحقق له نفعا حقيقيا يُعد خيرا، والمقصود بالإنسان هنا هو كل إنسان، بصرف النظر عن دينه أو قوميته أو جنسه أو أي انتماء آخر؛ ولتقدير القيمة الأخلاقية لأي فعل، يستطيع الإنسان أن يضع نفسه موضع من يقع عليه هذا الفعل، ثم يحكم على هذا الفعل بحسب ما يترتب عليه من نفع أو ضرر، ومن هنا يمكن اشتقاق قاعدة أخلاقية عامة مفادها "عامِل الناس كما تحب أن يعاملوك".
وبطبيعة الحال، هذه القاعدة وما سبقها من تعاريف للخير والشر ليست معيارية شاملة تغني عن غيرها، وإنما هي مبادئ إرشادية عامة، بينما يستند بناء المفاهيم الأخلاقية في تفاصيلها إلى الخبرة الإنسانية المتبلورة، والتجربة الحضارية، والتطور المعرفي.
أما في الدين، فيُعرَّف الخير بأنه ما يحلله الله، والشر بأنه ما يحرمه الله؛ إلا أن هذا يثير سؤالا منطقيا جوهريا: لماذا ينبغي لي أنّ أقبل بأنّ ما يحلله الله هو الخير وما يحرمه الله هو الشر؟
ولكي يكون هذا القبول ممكنا، لابدّ أولا من افتراض أنّ الله خير مطلق؛ لكن وصف الله بأنه خير مطلق لا يكتسب أيّ معنى ما لم يكن مفهوم الخير معروفا سلفا وبشكل مستقل عن هذا الوصف؛ إذْ أنّ التعريف يقتضي تعريف المجهول بالمعلوم، لا بالمجهول، فإذا لم يكن للخير تعريف مستقل، أصبح القول هو "أن الله خير مجرد لأنه الله"، وهذا تعريف للشيء بنفسه، وهو ما يسمى في المنطق بالتعريف الدائري أو الدوري، وهو مغالطة؛ أما إذا كان للخير معنى مستقل يمكن إدراكه بالعقل، أمكن عندئذ وصف الله بأنه خير.
وعليه، فإن مفهوم الخير لابد أن يكون قابلا للإدراك بمعيار مستقل عن مجرد الإحالة إلى الإرادة الإلهية، وبما أن الأخلاق تقوم على التمييز بين الخير والشر، فإن تأسيسها يقتضي وجود معيار عقلي سابق يحدد هذين المفهومين، وهذا ما يجعل العقلَ الإنساني الأساسَ الذي تُبنى عليه الأحكام الأخلاقية، حتى قبل أيّ حديث عن الوحي أو التشريع.
اقرأ أيضاً:
الوطن بين الميثاق والخيانة... في الذكرى السنوية الأولى لمجزرة السويداء
ثالثا: الأخلاق الأدواتية ونقد "طاعة القيصر السماوي"
يقدّم الخطاب الديني الرادع الآخروي (الجنة والنار) باعتباره الضامن الوحيد للالتزام السلوكي؛ غير أن هذا الطرح، من منظور فلسفي نقدي، يفرغ الأخلاق من قيمتها الذاتية ويحولها إلى "أخلاق أدواتية شرطية" قائمة على المنفعة والخوف.
فعندما يمتنع الفرد عن السرقة أو القتل خوفا من العذاب الأبدي أو طمعا في النعيم السماوي، فإن الفعل لا يعود نابعا من قناعة أخلاقية ذاتية بقيمة العدل أو التعاطف مع الضحية، بل يصبح سلوكا امتثاليا محضا أمام قوة سلطوية جبارة، وكأنها قيصر سماوي؛ ولو ألغت هذه السلطة "مبدأ المحاسبة" من البنية الدينية، لظهر حكما انفكاك واسع لدى قطاع عريض من المؤمنين من تلك التكليفات، التي تفقد دافع الالتزام بها بمجرد فقدان عاقبة فعلها.
وإضافة إلى ما تقدم، فتحويلُ الأخلاق إلى مجرد امتثال لأمر رباني يجعل المعيارَ الأخلاقي معلقا كليا على ثبوت هذا الأمر وفهمه وتأويله، فالفعل هنا لا يكون خيرا أو شرا بسبب خصائصه الإنسانية الذاتية أو آثاره الخاصة على الآخرين، وإنما بسبب موقعه من الأمر أو النهي الرباني.
وينتج عن ذلك أن الحكم الأخلاقي قد يصبح قابلا للتغير بتغير التأويلات أو الظروف التاريخية التي يُفهم من خلالها ذلك الأمر، والشخص الذي يُنظر إليه في ظرف معين باعتباره إنسانا له حقوق وحرمة بموجب فهم معين للأمر الرباني، قد يتحول في ظرف آخر إلى موضوع للعداء أو الإقصاء أو حتى الإلغاء إذا تغير تصنيفه الديني أو العقائدي، لا بسبب تغير في طبيعته الإنسانية، بل بسبب تغير فهم الحكم الرباني المتعلق به.
وهنا تظهر إشكالية جوهرية، فإن كان مصدر القيمة الأخلاقية هو الأمر الرباني وحده، فإن ثبات الأخلاق يصبح رهنا بثبات تفسير ذلك الأمر، بينما التجربة التاريخية تكشف أن التفسيرات البشرية للنصوص والمعايير الدينية قد تتغير وتتعارض فيما بينها.
رابعا: قصور الرادع الديني أمام المغريات الضغطية
يكشف لنا الواقع الاجتماعي والأنثروبولوجي أن العامل الديني لا يحتم الالتزام الأخلاقي، ونرى ذلك جليا في سلوكيات بشرية يومية مختلفة، منها على سبيل المثال:
- الممارسة الجنسية خارج إطار الزواج: يعتبر الزنا "كبيرة" أخلاقية وتشريعية في أدبيات الأديان الإبراهيمية، ولكن رغم ذلك، نجد أن قطاعات واسعة من أبناء مجتمعات الشرق العربي (مسلمين ومسيحيين على حد سواء)، بمجرد انتقالهم للعيش في المجتمعات الغربية وتوفر البيئة الآمنة وغياب الرقابة المجتمعية المباشرة، يمارسون العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج دون رادع عقدي حقيقي؛ وهذا يثبت أن الرادع الفعلي كان خوفهم من "السطوة المجتمعية" و"التجريم العرفي"، وليس الخوف من "السلطة الغيبية".
- (أكل) حقوق النساء في الميراث: في العديد من المجتمعات الشرقية الدينية ذات الطابع الذكوري، يستولي الذكور بصلف أو جشع على نصيب أخواتهم من الميراث، ويحدث هذا السلوك في بيئات تتزين بالدين صباح مساء، ويأتيه أفراد يمارسون الطقوس التعبدية بانتظام، لكنهم يرتكبون مظلمة صريحة تناقض حتى نفس النص التشريعي الديني الذي يؤمنون به، مما يؤكد هنا أن المنظومة المعتقدية لا تضمن عدم انحراف السلوك عندما تتصادم مع المصالح الفردية أو النزعات الجندرية.
- الجريمة في المجتمعات المحافظة: المجرمون، من القتلة والسرّاق وسواهم، المنتشرون في المجتمعات المحافظة يرتكبون جرائمهم ليس بناءً على تبنيهم للإلحاد أو اللادينية أو الفكر النقدي، بل هم عموما أفراد نشؤوا داخل المفهوم الديني، لكن الرادع الديني سقط أمام نزعاتهم الشخصية أو ظروفهم البيئية والاجتماعية.
وبطبيعة الحال، واقعية هذه الحالات وما يشبهها من حالات، لا تنفي الدور الأخلاقي للدين، ولكنها تنفي كفايته على الصعيد العام، فقد يلتزم متدين بأخلاق دينه، فيما قد يخرقها آخر من الدين نفسه، دون أن يختلفا دينيا في العقيدة والإيمان.
خامسا: التفوق الأخلاقي للفلسفات الحقوقية الحديثة
لم يستطع الدين عبر تاريخه الطويل تأسيس منظومة أخلاقية واحدة وموحدة؛ فمع كثرة الأديان تتعدد المذاهب الأخلاقية وتتضارب إلى حد التناقض الصارخ، بل إن الدين نفسه كثيرا ما استُخدِم ومازال يُستخدَم لتأسيس أو شرعنة أخلاقيات في منتهى الشر بالمعيار الإنساني الحقيقي.
ولو قمنا بمقارنة بين الإسلام مثلا والفلسفة الإنسانية الحديثة، فسنجد ما يلي:
- الرق والسبي: اتسم الموقف الإسلامي التاريخي بإقرار هذه الظاهرة، وبتنظيمها وتقنينها واعتبارها جزءا من غنائم الحروب، بينما اتخذت الفلسفات الحقوقية والعلمانية الحديثة موقفا حاسما قاطعا يقضي بالتجريم الكلي والكامل للعبودية والسبي باعتبارها انتهاكا لكرامة الإنسان الجوهرية.
- التمييز على أساس العقيدة: استند التمييز التاريخي إلى تقسيم البشر إلى مسلمين أو كفار أو ذميين وفرض أحكام استثنائية بناء على ذلك؛ بينما أرست الفلسفات الحديثة مبدأ المواطنة الكاملة والمساواة بغض النظر عن الدين، العرق، الجنس، أو أية صفة أخرى.
- حرية الضمير والمعتقد: ساد تجريم المرتد أو تكفير المخالف وتطبيق عقوبات تصل إلى حد القتل؛ في حين كفلت الفلسفات الحديثة حرية الاعتقاد واختلاف الاعتقاد واللااعتقاد باعتبارها حقا إنسانيا أساسيا لا يجوز المساس به.
ولو اقتصرت البشرية على النصوص والأحكام الدينية التاريخية، لبقيت مؤسسات الرق والسبي ووطء الجواري، وقتل المرتد، والعنصرية الدينية والجندرية، قائمة ومبررة بإنفاذ الشرع؛ وبالمقابل.. فالفلسفات الحقوقية العلمانية الحديثة هي التي قادت الضمير البشري لإلغاء جميع هذه الفظائع والرزايا، ومحاصرتها، متجاوزة القيود الفقهية القديمة، بل ومتصادمة معها بشدة في كثير من الأحيان.
سادسا: معضلة الأديان "غير السماوية" وتعدد الأخلاق
تستوقفنا المنظومات الفكرية والدينية الشرقية (كالبوذية، الطاوية، الشنتوية، البهائية، وغيرها…) بوجوب النظر في أدبياتها المتضمنة قيما أخلاقية في منتهى النبل والسمو، مثل دعوات البوذية للسلام المطلق، والامتناع عن إيذاء أي كائن حي (Ahimsā)، والتعاطف الشامل.
فإذا كان الإله الإبراهيمي هو المصدر الوحيد للأخلاق، فكيف نفسر نضج واستقامة هذه الأخلاق في منظومات لا تعترف بالإله من الأصل أو لا تصنف كـ "أديان سماوية"؟
إن لجوء بعض المجادلين الإسلاميين إلى القول بأن "تلك الأديان تعود في أصولها إلى رسالات سماوية قديمة حُرفت" هو مجرد ادعاء اعتباطي يفتقر إلى السند التاريخي والوثائقي، ويُستخدم كمخرج سجالي للهروب من حقيقة جلية، وهي أن الإنسان قادر على إنتاج الأخلاق والسمو بها بعيدا عن الوحي المزعوم.
علاوة على ذلك، كيف نعلل وجود التباين الأخلاقي الشاسع بين المنظومات الدينية المعتبرة سماوية عبر التاريخ؟ فداخل الأديان الإبراهيمية نفسها نجد تناقضا صريحا؛ فالخمر محرّم ومجرّم في الإسلام بينما هو جزء من طقوس المقدسات (كالمناولة) في المسيحية؛ وتعدد الزوجات المباح والمحمي إسلاميا، يُعد خروجا عن الضوابط ومنافيا لجوهر العلاقة في المسيحية؛ فضلا عن طعام اليهود (الكوشِر) وما يتضمنه من تحريمات غذائية حاسمة لا وجود لها في المسيحية.
وهنا مرة أخرى سنجد أنفسنا في مأزق تفسيري، فإما سنعود إلى "دعوى التحريف الإسلامية" التي لا سند منطقي وتاريخي ووثائقي لها؛ أو إلى فرضية تغير الأمر الرباني المؤسس للأخلاق، التي توقعنا في معضلة فقدان أي معيار جوهري للخير والشر، وتحولهما فعليا إلى نسبية تامة مرهونة كليا بذلك الأمر.
سابعا: الشواهد التاريخية على السمو الأخلاقي اللاديني
تثبت شواهد التاريخ والحاضر بقوة وجود "سمو أخلاقي" لا يمت بصلة للإيمان الديني، ونفي هذا السمو من قبل بعض الجهات الدينية ليس إلا معاندة صارخة ومناقضة للدليل الواقعي الجلي، فقد قدم الفكر المادي واللاديني نماذج كثيرة وكبيرة للتضحية والإيثار من أجل قضايا العدالة الإنسانية ودفع مظالم الشعوب، ومن أهم الأمثلة على ذلك شهداء الشيوعية وحركات التحرر الإنساني الأخرى عبر العالم - وفي مقدمتهم شخصيات نضالية مثل إرنستو تشي غيفارا - الذين ضحوا بأرواحهم أو برفاههم الشخصي ليس أملا في جنة أو خوفا من نار، بل انطلاقا من إيمان عميق بكرامة وحق وحرية الإنسان وضرورة رفع الظلم الاجتماعي.
وتقديم الروح من أجل الآخر أو المبدأ دون انتظار مكافأة غيبية هو التجسيد الأسمى لـ "الأخلاق الخالصة" التي لا تشوبها مصلحة ولا يداخلها طمع.
وما لا شك فيه أن مثل هذه التضحيات النزيهة العظمى القائمة على دافع أخلاقي ذاتي داخلي ينتمي إلى شخصية صاحبه ويتماهى معها، هي أرقى بما لا يترك مجالا حتى للمقارنة، من الالتزامات الأخلاقية عند المتدينين التي تقوم على وازع خارجي يقوم بدوره على مبدأ الثواب والعقاب.
في تلك التضحيات اللادينية نجد حرية وكرامة إنسانيتين تعبران عن نفسيهما بجلاء؛ وعلى الجانب الآخر نجد في الامتثالات المتدينية المقابلة طمعا وخوفا وخضوعا تعبر عن نفسها بجلاء أيضا؛ لكن رغم ذلك، فالموضوعية تقتضي بالطبع عدم تعميم هذه الوصف على كل المتدينين.
ثامنا: طبيعة "الإلحاد" ودور العقل في ملء الفراغ المعتقدي
من الضروري جدا هنا ضبط المصطلحات وتحديد وظيفة المفاهيم لتفادي السجالات المغلوطة:
- الإلحاد ليس منظومة أخلاقية: الإلحاد في جوهره هو موقف نفي وسلب (Negative Position)، وحالة "إفراغ ديني" وعدم اقتناع بوجود آلهة، وبما أنه ليس إيديولوجيا أو عقيدة إيجابية تمتلك بناها الهيكلية الخاصة، فلا يمكن اشتقاق الأخلاق منه مباشرة.
- العقل المنطقي النقدي هو المنطلق والباني: في حالة الإلحاد، يتولى العقل المنطقي النقدي أولا عملية النفي والسلب التي تتجلى في الإلحاد بصفته نفيا للمنظومة الغيبية، وينتج عن ذلك تشكّل فراغ معتقدي؛ وبعدها يتولى ذلك العقل نفسه عملية إعادة التأسيس والإيجاب لملء هذا الفراغ عبر بناء منظومة إنسانية عقلانية محض، متكاملة فكريا وأخلاقيا.
- الروحانية العقلانية: رغم ما تقدم قوله عن العلاقة بين العقل والإلحاد المعقلن، فهذا الإلحاد ليس شرطا ملازما للعقلانية، التي لا تعني حكما المادية أو الإلحاد؛ بل يمكن بالتوازي مع ذلك الحديث بثقة عن "روحانية عقلانية" أو "عقلانية روحانية"، وحتى عن "لاهوت فلسفي" يتسامى بالفكر الروحي المعقلن والقيم الإنسانية والجمال والفن واحترام الكون والطبيعة والتعاطف مع الكائنات، وما شابه؛ لكن هذه الروحانية تظل دائما "لادينية"، لأن الدين يقوم على "العقل الإيمانوي النقلي" الذي يدعي حيازة المطلق ويرفض الاختلاف والتغيير، بينما تتجاوزه "العقلانية" بعيدا وبلا توقف إلى مستويات الشك والنقد والبرهان، والتطوير والتغيير وإعادة البناء، وهي بخلاف ذلك العقل الإيمانوي تعلي دائما مبدئية وغائية الإنسان، فيما يُخضِع ذلك العقل دوما الإنسانية كليا للربانية المزعومة.
تاسعا: المصادر الواقعية للأخلاق.. العقد الاجتماعي والتطور
تاريخ المجتمعات يبرهن على أن الدين ليس المصدر الوحيد (ولا حتى الرئيس في أحيان كثيرة) للأخلاق؛ والمنظومة الأخلاقية الفاعلة، إضافة إلى الدين، يمكنها أن تتشكل عموما عبر ثلاثة روافد رئيسة :
- التجربة والعيش المشترك (الخبرة والعرف المجتمعي العام): يُنتج المجتمع أعرافه عبر صيرورة تاريخية طويلة ومعقدة من تجريب ما يحفظ الاستقرار وما يهدده، والقوانين الأولى (كقوانين حمورابي مثلا) والأعراف القبائلية نشأت كضرورة بيولوجية واجتماعية لتنظيم أشكال الحياة والحد من النزاعات والتعديات.
٢. أخلاق السلطة والهيمنة: تسعى السلطة (سياسية أو طبقية أو غيرها) عبر التاريخ لتكريس قيم وأخلاقيات محددة تضمن بقاءها واستتباب الأمن لها، وتستعين في أحيان كثيرة بالغطاء الديني لتشريع هذه القيم.
٣. دور المفكرين والفلاسفة في النقد والإصلاح الأخلاقي:
عبر التاريخ لم تكن المنظومات الأخلاقية دائما نصوصا جامدة تحرسها السلطة أو المؤسسة الدينية، بل كثيرا ما كانت تخضع للنقد والمراجعة والتطوير، بل وللمعارضة، على أيدي الفلاسفة والحكماء والمفكرين والمصلحين الاجتماعيين؛ وقد أسهم كثيرون منهم، عبر الشجاعة الفكرية والنقد العقلي، في مراجعة الأعراف السائدة، وتفكيك أشكال التمييز والتشريعات الجائرة، وإعادة صياغة التصورات الأخلاقية بما ينسجم مع تنامي الخبرة الإنسانية وتطور الوعي بالكرامة والحرية والعدالة.
ويتجلى هذا الدور الإصلاحي في تجارب حضارية متعددة؛ ففي الصين القديمة أسس كونفوشيوس منظومة أخلاقية تقوم على الفضيلة والواجب والإنسانية (Ren)، بينما دعا لاوتزي إلى أخلاق التناغم مع الطريق (Tao)، والتواضع، والبساطة، والانسجام مع الطبيعة، أما موتزي فقد طوّر نظرية "الحب الشامل" (Jian Ai)، وربطها بتحقيق المنفعة العامة، في طرح سبق كثيرا من المناقشات اللاحقة في الغرب الناهض حول المنفعة الاجتماعية.
وفي الفلسفة اليونانية، جعل سقراط مثلا الحوار العقلي والبحث النقدي أساسا لفهم الفضيلة والحياة الأخلاقية؛ وفي العصر الحديث، قدّم سبينوزا تصورا للأخلاق يقوم على العقل وفهم الطبيعة الإنسانية، بدلا من جعل الثواب والعقاب الغيبيين أساسا لها؛ كما أسهم مفكرون مثل فولتير وجون ستيوارت مل في ترسيخ مبادئ حرية الضمير، والتسامح، والمساواة، والحد من المعاناة الإنسانية، وكان لأفكارهم، إلى جانب إسهامات كثيرين غيرهم، أثر بالغ في تطور الفكر الأخلاقي والسياسي الحديثين.
وبذلك تشكل الأخلاق في المجتمعات البشرية بعدا جوهريا أساسيا من أبعاد العقد الاجتماعي الذي لا يمكن بدونه للبشر أن يتعايشوا ويعيشوا معا في مجتمع إنساني؛ ويما أن التطور والتغير هما سمات جوهرية في طبيعة المجتمعات الإنسانية فهذا يؤدي حكما وبقانونية الضرورة اللازمة إلى تغيرات وتطورات متناسبة في العقود الاجتماعية، وفي الأخلاق التي تدخل جوهريا في أنطقتها.
عاشرا: التنشئة والامتثال الاجتماعي كشرط لاستمرار المنظومات الأخلاقية
لا يمكن لأي مجتمع أن يستمر أو أن يحافظ على تماسكه دون وجود منظومة أخلاقية؛ فالأخلاق في والمجتمع ليست ترفا فكريا أو خيارا هامشيا، بل هي شرط وجودي ولازم لنشوء المجتمعات وضمان استمرارها؛ وبدون أدنى حد من قواعد التعايش، وتنظيم الحقوق والواجبات، وضبط السلوك المتبادل، تنحل الروابط الاجتماعية وتتحول الجماعة إلى حالة من الصراع الدائم والسيولة الفوضوية، ما يعني انهيار هذه الجماعة في المحصلة في حال استمرار هذا الحال.
وفي هذا السياق، تلعب التنشئة الاجتماعية الدور الجوهري والمباشر في نقل هذه الأخلاق وتكريسها عبر الأجيال، فالفرد لا يبدأ حياته باختيار منظومته الأخلاقية عبر التفكير الخاص المجرد، بل يتلقاها أولا كحقيقة ناجزة ومسَلّم بها من محيطه الأسري والاجتماعي، فتُغرس المبادئ الأخلاقية القائمة في وعيه وسلوكه من خلال أدوات الضبط الجمعي، والتربية، والمحاكاة، والرمزية الثقافية.
وينتج عن هذه الصيرورة نمط عام من الالتزام السلوكي؛ حيث يمتثل معظم الأفراد للمنظومة الأخلاقية السائدة إما عن قناعة ذاتية طوعية تتشكل بفعل التربية والعادة، أو رغبةً في نيل القبول الاجتماعي وتجنب العزل والرفض؛ وبصرف النظر عن المرجعيات الأولى التي نُسجت منها هذه الأخلاق - سواء كانت دينية، أو عرفية، أو أسطورية، أو نفعية، أو سواها - فإن التنشئة الاجتماعية هي الكفيلة بنقلها وحمايتها اجتماعيا، وهذا ما يمنح المنظومة القائمة القدرة على الاستقرار والاستمرار، وأداء وظيفتها الرئيسة في حفظ النظام الاجتماعي وتمكين العيش المشترك.
غير أن هذه الآلية المحافظة للتنشئة لا تعني جمود الأخلاق مطلقا؛ فبينما تستمر الغالبية في الامتثال المباشر، تظهر في كثير من الأحيان قلة قليلة من الأفراد والمفكرين ممن يمتلكون الوعي النقدي والشجاعة العقلية والموقفية لمراجعة أخلاق مجتمعهم وإعادة تقييمها، ويظل هذا الامتثال العام يؤدي وظيفته الحيوية لحماية الهيكل الاجتماعي، إلى أن تكتمل الظروف المعرفية والتاريخية التي يجعل فيها الارتقاء الإنساني تطوير هذه المنظومة أو تعديلها أمرا ضروريا وممكنا.
حادي عشر: الأخلاق والكل المجتمعي، جدلية التأثير والتأثر المتبادلين
لا توجد الأخلاق كبنية معزولة أو معلقة في الفضاء المجرد، بل هي جزء حيوي عضوي يشتبك حكما مع "الكل الاجتماعي" ويشكل مظهرا من مظاهره؛ فالأخلاق تؤثر بفاعلية وتتأثر باستمرار وبشكل تبادلي قوي بكافة الأبعاد والبنى الفاعلة داخل المجتمع، كالمنظومة الاقتصادية، والتركيبة السياسية، والتجليات المعرفية والثقافية والتقنية.
لكن طبيعة العلاقات الاقتصادية وأنماط الإنتاج (كالاستقرار الزراعي، أو التجارة البحرية، أو الرأسمالية الصناعية، أو الاقتصادات الرقمية الحديثة) تفرز أشكالا محددة من القيم؛ فمثلا .. قيم كـ "الملكية الفردية"، و"المنافسة"، و"التضامن الطبقي"، و"الادخار" تتشكل وتتغير تَبعا لتبدل الهيكل الاقتصادي وطبيعة توزيع الثروة؛ كما أن البنية السياسية وموازين السلطة تشارك بقوة في صياغة الأخلاق العامة؛ فأنظمة الاستبداد تعزز أخلاقيات "الانصياع، والمهادنة، والتقية، والولاء الفردي"، في حين تدفع البيئات الديمقراطية والمدنية نحو قيم "المواطنة، والمسؤولية الجماعية، وحرية التعبير، وتكافؤ الفرص".
وفي المقابل، لا تقف المنظومة الأخلاقية موقف المنتظر المنفعل فحسب، بل تمارس دورا فاعلا وموجها في إعادة تشكيل هذا الكل الاجتماعي؛ فالقيم الأخلاقية السائدة قد تعطل نموا اقتصاديا أو تحفزه، وقد تمنح شرعية لبنية سياسية أو تسقطها عندما يقع الانفصام بين السلطة والوعي الأخلاقي للجمهور.
وفحوى الكلام هو أن المنظومة الأخلاقية تتشكل داخل معمل الحركة التاريخية والاجتماعية الشاملة؛ فتتأثر بالشرط الاقتصادي والسياسي والمعرفي والثقافي، وتعود لتمارس فاعليتها فيه، ما يعني - مرة أخرى - أن الأخلاق هي منتج مجتمعي تاريخي مركّب، وليست قالبا غيبيا صلدا موجها من خارج الصيرورة الإنسانية.
ثاني عشر: التنوع الأخلاقي بين النسبي والمطلق وقوانين الصيرورة التاريخية
ليست الأخلاق مطلقة على نحو كامل، كما أنها ليست نسبية على نحو كامل؛ فالمطلقية الصارمة تعجز عن تفسير التحولات الأخلاقية عبر التاريخ، في حين أنّ النسبية المطلقة تنتهي إلى إنكار أي جوهر إنساني مشترك أو أي أساس يمكن الاحتكام إليه في التمييز بين الخير والشر.
فالأخلاق منظومة تتحرك في اتجاهين متلازمين: قدر من الثوابت المرتبطة بالطبيعة الإنسانية المشتركة، وقدر واسع من التغير تفرضه الظروف التاريخية والاجتماعية والمادية والبيئية التي يعيش فيها الإنسان.
ومن ثم، فإن الاختلاف الظاهر في القيم والتشريعات بين المجتمعات ليس نتاج مصادفة أو عبث، بل بشكل عام هو انعكاس لاختلاف البيئات والموارد وأنماط الإنتاج والعلاقات الاجتماعية ومستويات المعرفة؛ ومع ذلك، على أرض الواقع، لا يتعارض هذا التباين مع وجود كليات أخلاقية عامة تشترك فيها التجربة الإنسانية، مثل رفض الظلم والعدوان، وتقدير العدل والصدق، ورعاية الضعيف، لأنها تمثل شروطا أساسية لاستمرار الحياة الإنسانية وإمكان العيش المشترك.
لكن مع ذلك، التطبيقات العملية والتشريعات والتأويلات المتعلقة بهذه الكليات نفسها يمكن أيضا أن تختلف باختلاف السياقات التاريخية والاجتماعية؛ فما قد يُعد تجسيدا للعدل أو الحرية أو الكرامة في مجتمع معين قد يُفهم بصورة مختلفة في مجتمع آخر، تبعا لاختلاف الظروف والاحتياجات ومستوى التطور الحضاري.
وبذلك يتواجد ويتشابك المطلق والنسبي باستمرار في عملية الصيرورة الأخلاقية بأشكال ومستويات مختلفة.
إلا أن كل هذا التغير الأخلاقي ليس حركة عشوائية، بل يخضع لمنطق التطور التاريخي وتفاعل الإنسان المستمر مع واقعه؛ فكلما اتسع الوعي الإنساني، وتقدمت المعرفة العلمية، وتطورت العلاقات الاجتماعية، أعادت المجتمعات النظر في كثير من تصوراتها الأخلاقية وتطبيقاتها؛ ومن ثم، فإن الأخلاق ليست منظومة جامدة، بل ظاهرة تاريخية حية، تخضع باستمرار للاختبار والمراجعة والتطوير في ضوء الخبرة الإنسانية المكتسبة المتطورة.
ثالث عشر: نحو أخلاق إنسانية حية تتجاوز الجمود والعدمية
إن الإقرار بتاريخية الأخلاق وتطورها لا يعني الوقوع في النسبية المطلقة أو الفوضى القيمية، كما أن رفض ردّ الأخلاق إلى مصدر غيبي لا يستلزم إنكار وجود جوهر إنساني مشترك، فالأخلاق بنية مركبة تجمع بين الثابت والمتغير، بين مبادئ إنسانية عامة تمثل شروطا أساسية لحفظ الحياة والكرامة وإمكان العيش المشترك، وبين تطبيقات وصيغ اجتماعية تتبدل بتبدل الظروف التاريخية والبيئية والثقافية.
فمن جهة، تبقى قيم كتحريم الاعتداء على الحياة الإنسانية، ورفض الظلم والنهب والاغتصاب والتعذيب، واحترام العدل والصدق وصون الكرامة الإنسانية، قيما جامعة تتجاوز اختلاف الأزمنة والثقافات، لأنها ترتبط بالإنسان من حيث هو إنسان، لا من حيث انتماؤه الديني أو العرقي أو الثقافي؛ ومن جهة أخرى، تظل أنماط كاللباس، والأعراف الغذائية، والعديد من أشكال العلاقات الاجتماعية، وكثير من التشريعات والتنظيمات، خاضعة للتحول تبعا لاختلاف البيئات وتغير الحاجات وتطور المعرفة وصيرورة التاريخ.
لقد نشأت المنظومات الأخلاقية والدينية في سياق الضرورة الاجتماعية وسعي الإنسان إلى تنظيم حياته الجماعية وضمان بقائه، غير أن تطور الوعي الإنساني يقتضي اليوم الانتقال بالأخلاق من دائرة الامتثال القائم في المنظومات التقليدية على الخوف من العقاب أو الطمع في الثواب، إلى دائرة المسؤولية الأخلاقية الحرة القائمة على العقل والضمير والوعي الإنساني، فالخير ليس خيرا لأن سلطة آمرة ربانية فرضته، بل لأنه يصون حياة الإنسان، ويحفظ كرامته، ويحد من معاناته، ويوسع آفاق الحرية والعدل والجمال والازدهار الإنساني.
وهكذا، فإن التمييز بين ثبات المبادئ الإنسانية ومرونة تطبيقاتها هو ما يمنح الأخلاق قدرتها على البقاء والتجدد في آن واحد؛ فهي ليست منظومة جامدة أسيرة نص أو تقليد، ولا بناءً نسبيا متفلتا من كل معيار، بل هي مشروع إنساني حي، يتطور مع تطور الإنسان، ويظل منفتحا على النقد والمراجعة والتصحيح، دون أن يفقد غايته الأساسية، المتمثلة بحماية الإنسان، والارتقاء بحياته، وتوسيع دائرة الكرامة والحرية والعدالة لجميع البشر.
رابع عشر: الأخلاق والشريعة.. نقاط الالتقاء والاختلاف
من المهم التمييز بين مفهوم الأخلاق ومفهوم الشريعة، لأن الخلط بينهما يؤدي إلى إشكالات مفاهيمية حساسة؛ فالشريعة، في الإطار الديني، هي منظومة من الأحكام والتوجيهات التي تنظم علاقة الإنسان بإلهه وبنفسه وبغيره، وهي تهتم بوضع أحكام وتوجيهات محددة تنظم جوانب متعددة من حياة الإنسان، وتحدد أفعالا بعينها بوصفها واجبة أو محرمة أو محللة ضمن آلية محددة رسميا للإلزام حيث يُقتضى الإلزام، وهي - أي الشريعة - بنفس الوقت تتضمن جانبا أخلاقيا واضحا يقوم على قيم مثل العدل والرحمة والأمانة والإحسان، وما شابه.
أما الأخلاق فهي مفهوم أوسع يتعلق بالمبادئ والمعايير التي تحدد ما ينبغي اعتباره خيرا أو شرا، عادلا أو ظالما، جديرا بالمدح أو مستوجبا للذم.
وهذان المجالان يلتقيان في كثير من القيم الإنسانية الجوهرية، ولذلك نجد أنّ عددا كبيرا من المبادئ الأخلاقية المشتركة بين البشر قد ظهرت داخل منظومات دينية وتشريعية مختلفة؛ لكن رغم ذلك فهذان المجالان لا يتطابقان بالضرورة، فليس كل حكم تشريعي ذا طبيعة أخلاقية معينة أو مباشرة، كما أن الأخلاق في أي مجتمع لا تتشكل فقط على الأسس الشرعية الدينية المعترف بها، بل تتأثر أيضا بالعادات والأعراف والتقاليد والتجارب التاريخية للجماعة، ولهذا يمكن أن توجد داخل المجتمع الواحد اعتبارات أخلاقية عرفية مستقلة نسبيا أو حتى كليا عن المرجعية الشرعية، وقد تتوافق معها أحيانا أو تختلف عنها أحيانا أخرى، اختلافا قد يصغر أو يكبر؛ ومن أمثلة ذلك بعض أعراف الثأر أو مفاهيم الشرف الجماعي التي نشأت تاريخيا في مجتمعات مختلفة، رغم أنها ليست بالضرورة جزءا من منظومة أخلاقية دينية محددة أو منسجمة معها.
هذا باختصار حول العلاقة بين الأخلاق والشريعة، وبالطبع.. علاقة شديدة الأهمية والحساسية كهذه لا يمكن قطعا إيفاؤها حقها من الإيضاح في فقرة موجزة من مقالة.
خاتمة: التاريخ يقول كلمته الحاسمة في حقيقة الأخلاق
خلاصة القول هي أن الزعم باستحالة تأسيس الأخلاق خارج المرجعية الدينية، وبالأدق المرجعية الربانية المزعومة، ليس حقيقة تاريخية ولا منطقية، بل مجرد افتراض معتقدي خاص قابل للنقاش، فالتجربة الإنسانية تثبت إثباتا تاما أن الأخلاق نشأت وتطورت أيضا من مصادر أخرى، منها العقل، والتعاطف الفطري، والوعي الاجتماعي، وتجارب التعاون البشري، والسعي إلى العدالة وتقليل المعاناة، وقد عرفت الحضارات القديمة والحديثة منظومات أخلاقية وفلسفات إنسانية متماسكة عديدة لم تقم على أساس الدين، بل على مبادئ عقلية وواقعية وإنسانية، وكل ذلك يؤكد أن الأخلاق ليست حكرا على مصدر واحد، بل هي ثمرة تفاعل معقد طويل الأمد بين العقل وسواه من مكونات الطبيعة البشرية والتاريخ والثقافة والاقتصاد والسياسة؛ والدليل الأقوى على إمكان تأسيسها خارج الإطار الرباني هو وجودها الفعلي عبر العصور، في مجتمعات وأفراد جعلوا من الكرامة والعدل والرحمة والمسؤولية قيَما عليا، سواء استندوا إلى الإيمان الديني أم إلى العقل والضمير الإنساني.