info@suwar-magazine.org

نوروز بهار الشعوب... من فجر الحضارات إلى حلم الحرية الكردية

نوروز بهار الشعوب... من فجر الحضارات إلى حلم الحرية الكردية
Whatsapp
Facebook Share

 

ملاحظة منهجية: تُستخدم في هذه الدراسة مصطلحات «الكرد» و«الكورد» و«الأكراد» بالتبادل الكامل، وبالقدر ذاته من الاحترام والتقدير للشعب الكردي وتاريخه وثقافته وحقوقه. و لا يُشير أيٌّ من هذه المصطلحات إلى تمييز أو تفاضل، بل هي أشكال تعبيرية متكافئة في اللغة العربية لمسمّى واحد.

 

 

 

أولاً: مقدمة — حين يُضيء الربيعُ ما أظلمتهُ السياسة

 

في الحادي والعشرين من آذار من كل عام، حين تتساوى ساعات الليل والنهار، وحين يُعلن الكون بدوران محوره أن ثمة توازناً جديداً قد أُرسي في الوجود، يُشعل ملايين البشر من آسيا الوسطى إلى بلاد الشام نيرانهم في السماء، ويرقصون حول جذوة الاحتفاء بالحياة. إنه النوروز، عيد الربيع القديم، الذي يحمل في طياته أعمق تساؤلات الإنسان عن الزمن والتجدد، وعن الحرية والانتماء.

 

 

ولعل ما يجعل النوروز استثنائياً بين أعياد العالم أنه لا ينتمي لدين واحد، ولا لقومية واحدة، ولا لجغرافية محددة. إنه إرث إنساني تشاركي، نبع من الأرض ذاتها، من دورة الطبيعة ومنطق الفصول. بيد أن هذا العيد الكوني اكتسب في السياق الكردي أبعاداً تتخطى الاحتفال الموسمي، لتصبح فعلاً وجودياً، وإعلاناً هوياتياً، وصرخةً نحو المستقبل.

 

 

تسعى هذه الدراسة إلى استكشاف النوروز في كل طبقاته: من جذوره في الحضارات الإيرانية القديمة وما قبلها، إلى امتداداته عبر الشعوب، ووصولاً إلى معناه الراهن بوصفه رمزاً للنضال الكردي من أجل الكرامة والحقوق والحرية.

 

 

 
ثانياً: الأكراد — شعب عريق في ظل غياب الدولة

 

من هم الأكراد؟

 

الأكراد شعب آري الأصل (بالمعنى الأنثروبولوجي، لا السياسي)، أي أنهم ينتمون إلى المجموعة اللغوية الهندو-أوروبية الإيرانية، ويتكلمون لغات ولهجات متعددة تنتمي جميعها إلى فرع اللغات الإيرانية الشمالية الغربية، وأبرزها الكرمانجية والسورانية والزازاكية والغورانية.

 

 

تبلغ تقديرات أعداد الأكراد اليوم ما بين 30 و 40  مليون نسمة وفق التقديرات الأكاديمية الأكثر شيوعاً، موزعين بصورة رئيسية على أربع دول: تركيا (حيث يُشكّلون نحو 15 -20٪ من السكان)، وإيران (10-12٪)، والعراق (15-20٪)، وسوريا (نحو 10٪). ويُعدّون بذلك الشعب الأكثر عدداً في العالم الذي لا يملك دولة مستقلة.

 

 

الكورد في معظمهم مسلمون سنة، وإن كانت الطائفة العلوية الكردية (تُعرف بـ«أهل الحق» أو الكاكائية) تمثّل أقلية دينية ذات خصوصية روحية عميقة، فضلاً عن أقليات مسيحية وإيزيدية ويارسانية وغيرها تُثري التنوع الديني الكردي.

 

 

 

الجذور التاريخية: الميديون والأكراد

 

تعود الجذور الأولى للأكراد إلى القبائل الإيرانية القديمة التي استوطنت المنطقة الجبلية الممتدة من زاغروس شرقاً إلى طوروس غرباً. يرى عدد من المؤرخين والأنثروبولوجيين أن الأكراد ينحدرون جزئياً من قبائل الميديين، تلك الإمبراطورية الإيرانية العريقة التي حكمت المنطقة في الفترة الممتدة بين القرنين الثامن والسادس قبل الميلاد، وأسهمت في إسقاط الإمبراطورية الآشورية بتحالف مع البابليين. غير أن هذه النسبة لا تزال محل نقاش في الأوساط الأكاديمية؛ إذ يُرجّح كثير من الباحثين أن التكوين الإثني الكردي نشأ عبر تلاقح شعوب إيرانية متعددة على مدى قرون طويلة، وليس عبر سلالة ميدية مباشرة.

 

 

يُشير الباحث البريطاني ديفيد ماكدول في كتابه الموسوعي «تاريخ الأكراد الحديث» إلى أن التكوين الإثني الكردي نشأ عبر تلاقح جماعات إيرانية وأناضولية متعددة على مدى قرون. وقد ورد اسم «الكرد» لأول مرة في المصادر العربية الإسلامية في القرن السابع الميلادي، غير أن استخدامه في تلك الحقبة كان يشير في الغالب إلى جماعات قبلية جبلية بالمعنى الاجتماعي-الاقتصادي أكثر من دلالته على هوية قومية بالمفهوم الحديث.

 

 

                       

 

«الأكراد شعب إيراني يرتبط بالميديين القدماء ارتباطاً وثيقاً؛ غير أن هويتهم الثقافية المستقلة تبلورت تدريجياً خلال القرون الأولى للإسلام» — ديفيد ماكدول، تاريخ الأكراد الحديث، 2004

 

 

 

 

في العهد الإسلامي، أسهم الأكراد إسهاماً بارزاً في الحضارة الإسلامية، وبرز منهم علماء وشعراء ومحاربون وحكام. وكانت إمارات كردية متعددة تتمتع بحكم ذاتي تحت السلطة الاسمية للخلافتين العباسية والعثمانية، كالإمارة الأردلانية والإمارة البوتانية وإمارة سوران.

 

 

 

أشهر الشخصيات الكردية عبر التاريخ

 

لم يبقَ الأكراد على هامش التاريخ، بل أسهموا في صياغته بأسماء لامعة في ميادين متعددة:

 

  • صلاح الدين الأيوبي (1137-1193م): المحارب الكردي الذي أسس الدولة الأيوبية وحرّر القدس من الصليبيين عام 1187م، وغدا رمزاً للفروسية والعدل في الثقافتين الإسلامية والغربية على حدٍّ سواء. وُلد في تكريت وينتمي إلى قبيلة الرواديه الكردية، التي تُعدّ فرعاً من قبيلة الهذبانية الكردية الكبرى.

 

 

  • شرف خان البدليسي (1543-1603م): الأمير والمؤرخ الكردي الذي ألّف «شرفنامه» (1597م)، أولى الموسوعات التاريخية الكردية، المكتوبة باللغة الفارسية والمعنية بتاريخ الإمارات والأسر الكردية. ولا ينبغي الخلط بينه وبين إدريس البدليسي ( 1520م)، وهو دبلوماسي وعالم كردي مختلف، أسهم في التحالف بين الأمراء الكرد والسلطنة العثمانية.

 

 

  • الشيخ عبيدالله النهري (1830-1883م): أول زعيم كردي دعا صراحةً إلى إنشاء دولة كردية مستقلة، وقاد انتفاضة ضد كل من العثمانيين والفرس.

 

 

  • مستورة الأردلان (1805-1848م): أميرة وشاعرة كردية من إمارة أردلان، وتُعدّ من أبرز الأصوات الأدبية الكردية الأنثوية في التاريخ.

 

 

  • قاضي محمد (1893-1947م): مؤسس جمهورية مهاباد الكردية في إيران عام 1946م، وأُعدم شنقاً في مارس 1947م بعد سقوطها في ديسمبر 1946م. غدا رمزاً للشهادة في الوجدان الكردي.

 

 

  • مصطفى البارزاني (1903-1979م): أبرز قادة الحركة الكردية في القرن العشرين، قاد ثورات متعددة في العراق وأسّس الحزب الديمقراطي الكردستاني.

 

 

  • عبدالله أوجلان (مواليد 1949م): مؤسس حزب العمال الكردستاني (PKK)، ومن أكثر الزعماء الكرد تأثيراً وجدلاً في العصر الحديث، معتقل منذ عام 1999م في جزيرة إيمرالي التركية. يُصنّف الحزب الذي أسسه على قوائم المنظمات الإرهابية لدى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، في حين يعتبره الكثير من الكرد زعيماً للمقاومة.

 

 

  • ساكينة جانسيز (1958-2013م): من أبرز المناضلات الكرديات ومن مؤسسي حزب العمال الكردستاني، وتُجسّد رمزاً في الحركة النسوية الكردية المعاصرة.

 

 

 

ثالثاً: النوروز — أصل الكلمة، جذور الاحتفال

 

أيهما أصح: «نوروز» أم «نيروز»؟

 

تتشكّل كلمة «نوروز» من مقطعين فارسيين: «نو» بمعنى الجديد، و«روز» بمعنى اليوم. فهي تعني حرفياً: «اليوم الجديد». وهذا هو الشكل الأصيل للكلمة في الفارسية الكلاسيكية والحديثة.

 

أما «نيروز» فهو تعريب صوتي للكلمة الفارسية، جرى تداوله في المصادر العربية الكلاسيكية كمؤلفات البيروني والمسعودي. يُذكر أن الصورة التاريخية العربية «نيروز» ذات الياء أكثر شيوعاً في المصادر الأدبية والتراثية القديمة، بينما «نوروز» بالواو هو الأصح لغوياً وفق المعيار الفارسي الأصلي، وهو الأكثر تداولاً في الكتابة العربية المعاصرة.

 

 

 

                      

«النيروز كلمة فارسية معناها اليوم الجديد، وهو أول أيام السنة الشمسية، وهو عيد عند الفرس والأكراد وغيرهم من الشعوب الإيرانية».

 أبو ريحان البيروني، الآثار الباقية عن القرون الخالية

 

 

الجذور ما قبل الأخمينية

 

يمتد تاريخ الاحتفال بظاهرة الاعتدال الربيعي إلى حضارات قديمة جداً. يرتبط النوروز ارتباطاً عضوياً بالتقويم الشمسي الذي وضعه فلكيو إيران القديمة، والذي يرصد الاعتدال الربيعي (Vernal Equinox) بوصفه لحظة التجديد الكوني. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن الأدلة على احتفالات ربيعية سابقة للحضارة الأخمينية تبقى أثرية وتأويلية، لا نصية مباشرة؛ إذ لم تعثر الدراسات على نصوص تُسمّي هذه الاحتفالات «نوروزاً» بالمعنى المعروف قبل الحقبة الإيرانية المتأخرة.

 

 

تُشير الدراسات الأركيولوجية إلى أن موقع تشوغا زنبيل العيلامي في جنوب غرب إيران (من الألفية الثانية قبل الميلاد) يُظهر توجيهاً معمارياً قد يتقاطع مع مطلع الشمس في الاعتدال الربيعي، وهو ما يدفع بعض الباحثين إلى الاستدلال بوجود طقوس ربيعية سابقة للأخمينيين. غير أن هذا الاستدلال يظل تأويلياً في غياب النصوص المصاحبة.

 

 

النوروز الأخميني والساساني: التأسيس الإمبراطوري

 

تشير التقاليد التاريخية وتأويل النقوش الأخمينية إلى ارتباط النوروز بالدولة الأخمينية (550-330 ق.م). وتُظهر نقوش بيرسيبوليس موكب الأمم الخاضعة للإمبراطورية الفارسية وهي تُقدّم الهدايا في موسم الربيع؛ وكثيراً ما يربط المؤرخون هذه الاحتفالات بالنوروز، وإن كانت النصوص الأخمينية المبكرة لا تستخدم مصطلح «نوروز» صراحة، مما يجعل هذا الربط تأويلاً أكاديمياً محتملاً لا يقيناً تاريخياً مؤكداً. وقد أُنشئ بيرسيبوليس أساساً في عهد داريوس الأول.

 

 

وفي العصر الساساني (224-651ق.م)، بلغ النوروز مكانته القصوى بوصفه أعظم أعياد الإمبراطورية. كان الملوك الساسانيون يُقيمون احتفالات مدتها عشرون يوماً، تبدأ بعيد النوروز الملكي، ثم «النوروز الكبير» في اليوم السادس. وكانت الاحتفالات تشمل إشعال النيران والتنزه في الطبيعة وتبادل الهدايا وزيارة الأهل والمصالحة والعفو عن المساجين.

 

 

                     

«كان كسرى أنوشروان يُقيم في اليوم الأول من النوروز احتفالاً مهيباً يُعلن فيه أمام شعبه مبادئ العدل والإصلاح، إذ كان يعتقد أن السنة الجديدة ينبغي أن تبدأ بالعدالة».

 الطبري، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم

 

 

 

 

النوروز في المنظومة الزرداشتية

 

يُضفي الدين الزرداشتي على النوروز أبعاداً لاهوتية عميقة. فوفق المعتقد الزرداشتي، يُمثّل النوروز الذكرى السنوية للخلق الأول، ويرتبط بانتصار النور على الظلام، وهو مفهوم جوهري في الثنائية الزرداشتية بين الخير والشر. وتجدر الإشارة إلى أن مصطلح «نوروز» لا يظهر في النصوص الأفستية القديمة، بل يبرز في النصوص البهلوية الساسانية، مما يدل على أن ارتباطه الصريح بالمنظومة الزرداشتية تطور تدريجياً ضمن السياق الساساني.

 

 

تحافظ الأقلية الزرداشتية في إيران حتى اليوم على الشعائر الأكثر تجذراً في الأصول الدينية للنوروز، كطقس «خانه تكاني» (التنظيف العام قبيل العيد)، وإقامة «سُفرة هفت سين» بمكوناتها السبعة الرمزية، وإشعال النيران في «چهارشنبه سوري» (ليلة الأربعاء الأخيرة من السنة).

 

 

 

رابعاً: رمزية النيران — الضوء في وجه الظلام

 

من أبرز ما يميّز احتفالات النوروز إشعال النيران، وهي ممارسة تحمل طبقات رمزية متراكمة عبر آلاف السنين. ففي الموروث الزرداشتي، النار ليست مجرد عنصر مادي، بل هي رمز للإله، وتجسيد لقوة الحق والطهارة والحياة المستمرة.

 

 

أما في الروايات الكردية المرتبطة بالنوروز، فإن النيران التي تُشعل على قمم الجبال في ليلة الحادي والعشرين من آذار تحمل دلالة تحريرية مباشرة. فوفق أسطورة كاوا الحداد، كانت النار التي أشعلها كاوا على قمة الجبل بعد انتصاره على الطاغية الضحاك إشارةً للتحرر.

 

 

وللنار في سياق النوروز دلالات متعددة: التطهير والخلاص من شرور العام المنصرم، والاستمرارية وعدم الانقطاع، والتحرر من الطغيان في السياق الكردي بخاصة، والوحدة الجماعية إذ يجتمع الناس حول النار ويتخطونها في طقس يُجسّد الانتماء المشترك.

 

 

 

خامساً: كاوا الحداد — أسطورة الثورة الكردية

 

تُعدّ أسطورة كاوا الحداد من أكثر الروايات الشعبية تأثيراً في الوجدان الكردي. تعود هذه الأسطورة في أصولها إلى الشاهنامه، ملحمة الفردوسي الفارسية الكبرى (نُظمت بين القرن العاشر والحادي عشر الميلادي). وقد أعاد الكرد قراءتها وتأويلها في إطار قومي بوصفها رواية مؤسِّسة للهوية، علماً بأن هذا التأويل القومي بالغ الحداثة، وأن الأسطورة نفسها — بوصفها قصة فارسية أصيلة — تحظى بتأويلات هوياتية متعددة في المنطقة.

 

 

تُروي الأسطورة أن الملك الظالم الضحاك كانت تنبت من كتفيه حيتان تتغذيان على دماغ الشباب. وكان كاوا الحداد قد فقد أبناءه تباعاً لهذه الضريبة الجائرة، فثار على الضحاك وضربه بمطرقته الحديدية، وقاد الناس نحو الجبال. وفي الرواية الكردية تحديداً، يتخذ كاوا طابع الزعيم الثوري الذي يُحرّر شعبه، وحين انتصر أشعل النيران على قمم جبال زاغروس إيذاناً بالتحرر.

 

 

                     

«كاوا لم يكن مجرد بطل أسطوري، بل هو رمز كردي للمقاومة المستمرة، لأن الضحاك في التأويل الكردي لم يمت، بل تجدد في كل طاغية جديد، وكاوا يُولد من جديد مع كل جيل يثور».

 جوردي تيخيل، أكراد سوريا: التاريخ والسياسة والمجتمع، روتليدج، 2009

 

 

 

 

 

سادساً: شعوب تحتفل بالنوروز — تعددية الإرث

 

الفرس والإيرانيون

 

إيران هي القلب الرئيسي للاحتفال بالنوروز، وهو العيد القومي الأول وأطوله (ثلاثة عشر يوماً). تبدأ الاحتفالات بسفرة «هفت سين» (مائدة العناصر السبعة)، وتتضمن المائدة تقليدياً سبعة عناصر تبدأ بحرف السين، مثل: سبزه (براعم القمح أو الشعير أو العدس)، سيب (تفاح)، سمنو (حلوى القمح المنبت أو مهلبية القمح)، سير (ثوم)، سماق (توابل السماق)، سنجد (ثمر الأثل أو الزيتون البري)، وسركه (خل). وقد تُضاف إليها عناصر رمزية أخرى مثل سكه (عملة معدنية) وآيينه (مرآة) وشمع (شموع)، وتنتهي بيوم الطبيعة في اليوم الثالث عشر من النوروز.

 

 

أكراد المنطقة

 

يحتفل الكورد في تركيا وإيران والعراق وسوريا والشتات بالنوروز بوصفه أبرز أعيادهم على الإطلاق. وقد اكتسب الاحتفال طابعاً سياسياً في الدول التي يُشكّل الكرد فيها أقلية، إذ كان محظوراً أو مقيداً في تركيا وسوريا تاريخياً.

 

 

الأفغان والطاجيك وشعوب آسيا الوسطى

 

يحتفل الأفغان والطاجيك والأوزبك والتركمان وسكان كازاخستان وقرغيزستان وآذربيجان بالنوروز بحرارة واسعة، إذ يبقى عيداً مركزياً في منظومتهم الثقافية ويتقاطع مع موروثات ما قبل الإسلام وما بعده.

 

 

الأقباط المصريون

 

يحتفل المصريون بما يُعرف بـ«شم النسيم»، وهو احتفال مصري قديم يعود إلى الحضارة الفرعونية، وكان يُقام في بداية الربيع ويرتبط بعودة الحياة بعد الشتاء. ورغم أن شم النسيم ليس نوروزاً بمفهومه الفارسي-الكردي، فإنه يشاركه الجذر الاحتفالي نفسه في تمجيد الربيع وتجدد الطبيعة، وإن ظلت الصلة بين الحضارتين الفرعونية والإيرانية صلةً موازية لا تاريخية مباشرة.

 

 

البهائيون

 

في الديانة البهائية يحتل النوروز مكانة دينية مقدسة بوصفه رأس السنة البهائية، ويوافق الاعتدال الربيعي في 21 آذار. يُمثّل النوروز في الكيان البهائي رمز وحدة الإنسانية والتجدد الروحي. يحتفل به البهائيون في أكثر من مئة وثمانين دولة حول العالم.

 

 

الكاكائيون واليارسانيون

 

هاتان الطائفتان الدينيتان الكرديتان المتميزتان ترتبطان بالنوروز ارتباطاً روحياً وثيقاً. يعتبر اليارسانيون النوروز يوماً ذا معنى روحي عميق مرتبط بالتجديد الكوني، في حين يحتفل الكاكائيون به بوصفه تجديداً للعهد الديني مع الكون.

 

 

الاعتراف الأممي

 

في عام 2010م، أعلنت الأمم المتحدة «اليوم الدولي للنوروز» في الحادي والعشرين من آذار (القرار A/RES/64/253). وفي عام 2009م، أُدرج النوروز في قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية.

ووفقا لتقارير الأمم المتحدة واليونسكو، والدراسات الثقافية، عدد المحتفلين بالنيروز يقدر تقريباً: بين300 إلى 400 مليون شخص.

حيث يحتفل به في إيران، أفغانستان، أذربيجان، آسيا الوسطى، تركيا، العراق، سوريا، والشتات.

 

 

 

سابعاً: النوروز والكرد — من العيد إلى القضية

 

النوروز ومحاولات قمعه

 

في تركيا، كانت الاحتفالات بالنوروز تُقمع بالقوة منذ عقود، وقد شهدت احتفالات عام1992 م في مدينة جزيرة (شرناق) سقوط عدد من الضحايا وفق مصادر متعددة، وإن كانت الأرقام تتفاوت بحسب المصادر. وقد شهدت التسعينيات مرحلة تحول تدريجي في التعامل الرسمي التركي مع النوروز.

 

 

أما في سوريا البعثية، فقد شهدت القامشلي ومناطق كردية أخرى قيوداً على الاحتفالات الكردية وملاحقة المحتفلين. وفي إيران، تُسمح الاحتفالات رسمياً بوصفها إرثاً إيرانياً — وقد تصدر الحكومة الإيرانية سنوياً بيانات بمناسبة النوروز — لكن التجمعات الكردية ذات الطابع السياسي تُواجه قيوداً.

 

 

النوروز والحركة الكردية المعاصرة

 

بات النوروز اليوم يُقرأ في كثير من التجمعات الكردية باعتباره مناسبة سياسية. في مواسم النوروز، تُطلق الحركات والأحزاب الكردية بياناتها السياسية، وتتحول ساحات الاحتفال إلى منابر للمطالبة بالحقوق. ويُحتفل بالنوروز في إقليم كردستان العراق عيداً قومياً رسمياً، يجمع بين فرحة الربيع ورمزية الاستقلالية.

 

 

محاولات إقامة الدولة الكردية

 

في أعقاب الحرب العالمية الأولى، نصّت معاهدة سيفر (1920م) على مبدأ إنشاء دولة كردية، غير أن معاهدة لوزان (1923م) التي رسمت حدود الجمهورية التركية الجديدة أطاحت بهذا الوعد.

 

 أبرز تجارب الاستقلال الكردي في القرن العشرين:

 

  • جمهورية أرارات (1927-1930م): في جبال شرق الأناضول، انهارت أمام الجيش التركي.

 

  • جمهورية مهاباد (1946م): أُعلنت في شمال غرب إيران بدعم سوفيتي، واستمرت أحد عشر شهراً فقط قبل أن تُسحق بعد الانسحاب السوفيتي. أُعدم زعيمها قاضي محمد شنقاً في مارس ١٩٤٧م.

 

  • ثورات البارزاني في العراق (1961-1970م، 1974-1975م): انتهت بانهيار بعد توقيع اتفاقية الجزائر بين الشاه الإيراني وصدام حسين.

 

  • إقليم كردستان العراق الراهن: أُسّس رسمياً إثر انتفاضة ١٩٩١م، واكتسب وضعه الدستوري في دستور العراق 2005م. وفي عام 2017م، صوّت 92.73٪ من سكانه لصالح الاستقلال في استفتاء لم يُعترف به دولياً.

 

  • الإدارة الذاتية في شمال سوريا (روج آفا): أُعلنت إثر تراجع الدولة السورية في 2013م، وتقوم على نموذج فدرالي لامركزي مستلهَم من فلسفة عبدالله أوجلان.

 

 

 

ثامناً: الوضع الراهن للأكراد — شعب بلا دولة في عالم متغيّر

 

الأكراد في تركيا

 

يُشكّل الأكراد في تركيا ما بين 15 و20 مليون نسمة وفق التقديرات، ويتركزون أساساً في جنوب شرق البلاد. خاضوا مواجهات مسلحة طويلة مع الدولة التركية منذ الثمانينيات عبر حزب العمال الكردستاني. شهدت العلاقات الكردية-التركية انفراجاً محدوداً في الفترة 2013-2015م، ثم عودة إلى التصعيد.

 

 

الأكراد في إيران

 

يسكن الأكراد الإيرانيون في المنطقة المعروفة بـ«كردستان» الإيرانية (مدن مهاباد وسنندج وكرمانشاه وإيلام). تواجه الحركات الكردية في إيران قمعاً قانونياً وأمنياً. شهد الكرد الإيرانيون تضامناً بارزاً مع انتفاضة «المرأة، الحياة، الحرية» 2022-2023م، التي اندلعت إثر وفاة الفتاة الكردية مهسا (جينا) أميني في الحجز.

 

الأكراد في العراق

 

يمتلك كرد العراق الوضع الأكثر استقلالية؛ فإقليم كردستان العراق (عاصمته أربيل) يملك حكومته وبرلمانه وجيشه (البيشمركة). غير أن الإقليم يعاني من تنافسات داخلية بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، فضلاً عن توترات متكررة مع بغداد حول النفط والأراضي المتنازع عليها ككركوك.

 

الأكراد في سوريا

 

تحوّل كرد سوريا من أقلية مهمشة إلى قوة إقليمية إثر الحرب السورية.  سيطرت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) على منطقة واسعة في شمال سوريا تُعرف بـ«روج آفا» أو «الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا».

ومايزال كرد سوريا يواجهون تهديدات تركية مستمرة وتعقيدات الوضع السوري العام.

ومع بداية عام 2026خسرت قسد معظم مناطقها في محصلة تطورات الصراع السوري وتبدل موازين القوى وتغير المواقف الإقليمية والدولية، وقد تم الاتفاق مع نظام الحكم السوري الجديد على دمج قوات قسد ومؤسسات "الإدارة الذاتية" ضمن قوات ومؤسسات هذا النظام.

غير أن شكل هذا الدمج وحدوده وصيغته النهائية لا تزال موضع تفاوض ولم تستقر بصورة نهائية حتى الآن.

 

 

 

تاسعاً: النوروز اليوم — احتفال تعددي بأمل إنساني

 

على مدى الألفيات الماضية، تحوّل النوروز من طقس زراعي يُجسّد دورة الطبيعة، إلى عيد إمبراطوري فارسي، إلى مناسبة دينية زرداشتية وبهائية، وصولاً إلى رمز هوياتي في السياق الكردي المعاصر. هذا التحوّل المتراكم هو ما يجعله من أكثر الأعياد غنىً دلالياً في التاريخ الإنساني.

 

اليوم، يحتفل بالنوروز مئات الملايين حول العالم، من إيران إلى أفغانستان ومن كردستان إلى آسيا الوسطى، ومن ديانات ولغات وانتماءات سياسية شتى. وهذا التعدد ليس تشتتاً، بل هو دليل على عمق العيد وقدرته على استيعاب المعاني المتجددة في كل عصر.

 

 

 

خاتمة

 

في كل ربيع، حين تُشعل نيران النوروز في مدن وقرى إيران وعلى جبال كردستان وفي سهول آسيا الوسطى، تتجدد تقاليد احتفال تعود جذورها إلى قرون بعيدة من تاريخ المنطقة.

فهذه النار التي تُوقد احتفاءً بالاعتدال الربيعي لم تعد مجرد طقس موسمي، بل أصبحت رمزاً ثقافياً يتقاطع عنده الإرث الحضاري القديم مع تطلعات الشعوب المعاصرة إلى الكرامة والحرية والتجدد.

وعلى قمم جبال كردستان، هي ليست مجرد نار،

بل هي جذوة متأججة تحمل في طياتها عشرات القرون من الأمل الإنساني، ورسالة من العمق إلى المستقبل: مفادها أن ثمة شعباً لا يزال يؤمن بأن الربيع سيأتي، وأن الظلام مهما طال لا بد أن ينقشع.

 

إن الاحتفال بالنوروز في السياقين الكردي والإيراني الأوسع يذكّرنا دائماً بأن هذا العيد الإنساني الكبير يحمل دلالات متعددة ومتشابكة: ففيه الفرح الكوني بعودة الربيع، والإرث الحضاري الممتد لآلاف السنين، والتعبير الهوياتي المشروع لكل من يحتفل به. أما المستقبل الذي ينشده كثير من الكرد، سواء تجسّد في استقلال سياسي أو في حقوق ثقافية ومدنية مكفولة ضمن دول ديمقراطية، فهو مسار يظل رهيناً بالحوار السياسي والقانون الدولي وإرادة الشعوب.

 

 

 

 

 

المصادر والمراجع

 

1. ماكدول، ديفيد. تاريخ الأكراد الحديث. ترجمة: ستار زعيم. بيروت: دار الكشاف، ٢٠٠٤م.

McDowall, David. A Modern History of the Kurds. 3rd ed. London: I.B. Tauris, 2004.

 

2.البيروني، أبو ريحان محمد بن أحمد. الآثار الباقية عن القرون الخالية. بيروت: دار صادر، (بدون تاريخ).

Al-Biruni. The Chronology of Ancient Nations. Translated by Edward Sachau. London: W. H. Allen & Co., 1879.

 

3. الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير. تاريخ الرسل والملوك. تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. القاهرة: دار المعارف.

 

4. فردوسي، أبو القاسم. الشاهنامه. ترجمة إلى العربية: سعيد حميد. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، ٢٠٠٧م.

 

5. Tejel, Jordi. Syria's Kurds: History, Politics and Society. New York: Routledge, 2009.

 

6. Boyce, Mary. A History of Zoroastrianism. Leiden: Brill, 1975.

 

7. Izady, Mehrdad R. The Kurds: A Concise Handbook. Washington: Taylor & Francis, 1992.

 

8. United Nations General Assembly Resolution A/RES/64/253, 2010 — Declaration of International Nowruz Day.

 

9. UNESCO. Nowruz, Intangible Cultural Heritage of Humanity. Paris: UNESCO, 2009.

 

10. Romano, David. The Kurdish Nationalist Movement: Opportunity, Mobilization and Identity. Cambridge: Cambridge University Press, 2006.

 

11. البدليسي، شرف خان. شرفنامه في تاريخ الدول والإمارات الكردية. ترجمة: محمد علي عوني. القاهرة، ١٩٣٠م.

 

 

 

*ملاحظة تم إنشاء هذا البحث بواسطة نموذج الذكاء الصناعي Claude AI، بتوجيهات من معد البحث.

وتمت مراجعة وتحليل ونقد مسودته الأولية من قبل نماذج االذكاء الصناعي الأخرى:

Chat GPT, Geminai, Manus, Copilot, Grock, Perplexity, Deep Seek,

وClaude نفسه.

وبناء على ذلك، تم إنشاء النسخة النهائية من البحث، وإعادة تقييمها من قبل تشات جي بي تي، ومراجعتها وتعديلها من قبل المعد.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard