info@suwar-magazine.org

حي التضامن الدمشقي... قصة لم تنتهٍ

حي التضامن الدمشقي... قصة لم تنتهٍ
Whatsapp
Facebook Share

 

                  

حي التضامن الدمشقي الذي دخل المحافل الدولية والإعلام العربي والعالمي بعد انكشاف المجزرة الشهيرة باسم "امجد يوسف وشركاه"، الحي المنسي الذي يقع جنوب دمشق ضمن حزام العشوائيات التي تحيط بدمشق والمدن السورية.

 

 

ما تزال عقارات الحي تسمى في السجلات العقارية بـ"بساتين الشاغور"  والشاغور حي دمشقي قديم ضمن السور، أي إن أراضي الحي كانت بساتين يملكها أهل الشاغور، البساتين أصبحت مجرد كلمة في السجلات العقارية فيما أصبح الحي المزدحم بالكتل البيتونية المتلاصقة  اسمه حي التضامن.

 

 

يسكن الحي كما بقية العشوائيات سكان من كل أنحاء سوريا، الشارع الذي يقع أول الحي شمالا يسمى بشارع نسرين، تسكنه أغلبية تنتمي إلى الطائفة العلوية، فيما يسكن الأجزاء الأخرى باتجاه الجنوب حتى قرية يلدا بريف دمشق خليط يشكل السنة أغلبية فيه، منهم نازحون من الجولان السوري المحتل، وتركمان، وديرية (منحدرون من مدينة ديرالزور) وأدالبة (من ادلب) وبعض الدروز والإسماعيلية.

 

 

مع اندلاع الثورة السورية في شهر آذار 2011 انخرط كثيرون من سكان التضامن في فعاليات الثورة في مظاهرات كانت تشهدها شوارع الحي، سرعان ما تأتي  قوات الأمن التابعة لنظام الأسد لقمعها، ثم بدأت مجموعات من شباب مدنيين يأتون من شارع نسرين يشاركون قوات الأمن في قمع المتظاهرين بدفع وتمويل من نظام الأسد، وما لبثت السلطة ان نظمتهم في مجموعات مسلحة أسمتهم باللجان الشعبية بداية، ثم تحولوا إلى "قوات الدفاع الوطني" لاحقاً، وأصبحت لها هيكلية قيادية كقوات رديفة لقوات النظام بقيادة "فادي صقر" الغني عن التعريف.

 

اقرأ أيضاً:

 

                   عام على مجازر السويداء… العدالة شرطاً لبقاء الوطن

       الوطن بين الميثاق والخيانة... في الذكرى السنوية الأولى لمجزرة السويداء

 

 

الإخوة الأعداء

عمار س (45 عاما) انضم إلى إحدى هذه المجموعات مع شقيقه احمد، وهو في الوقت نفسه موظف حكومي، ولأنه من أبناء الحي، فهو على معرفة جيدة بكثير من شباب الحي الذين خرجوا ضد النظام، ثم تحول الكثيرون منهم لاحقا إلى وحدات "الجيش الحر" الذي تشكل من شباب الحي يدافعون عن المتظاهرين بوجه قوات النظام و"الشبيحة"، وهم القوات الرديفة لجيش النظام.

 

 

كانوا يتواجهون على نقاط تماس الحي بعد تقسيمه بين النظام والجيش الحر، وهم يعرفون بعضهم ويربط بعضهم صداقات وذكريات مع "الأعداء الجدد" .

 

 

ما حدث لاحقا إن  محمد ش وهو احد أصدقاء عمار ومجايليه  ممن انخرطوا مع الجيش الحر مع إخوته ، واستشهد ثلاثة من إخوته في معارك الحي، ثم هجر مع من بقي من مقاتلي الجيش الحر إلى الشمال بعد استيلاء النظام على الحي عام 2018.

 

 

بعد سقوط النظام في 8 كانون الأول عام 2024 عاد محمد مع المقاتلين في عملية "ردع العدوان" إلى حيه "التضامن" وبدأت عمليات تصفية لبعض عناصر النظام من سكان الحي.

 

 

يقول عمار: "بعد سقوط النظام بشهرين جاءني اتصال هاتفي من رقم غريب قال انه محمد، وبدأ يهددني باني شبيح، وانه يمهلني ثلاثة أيام لأترك الحي، وإلا فانه سيقوم بتصفيتي، علما إنني تطوعت لمدة عامين فقط حتى 2013، ثم تركتهم والتحقت بعملي الحكومي، وكان سبب انخراطي هو خوفي من تهديدات المؤيدين الذين أعيش بينهم  ولم أشارك في أي معركة، ولم أقم بأي اعتداء على احد."

 

ويضيف: "حاولت التواصل مع بعض وجهاء الحي  ممن يعرفون محمد ويعرفونني  لتهدئة الخواطر، علما إن محمد ورفاقه اختطفوا أخي خلال المواجهات وقتلوه وهم يتصلون بنا ليسمعونا صوته وهم يقتلونه،  ونشروا صورته على صفحات التنسيقيات بأنهم اعدموا الشبيح."

 

 

والآن، بعد أن سقط النظام ـ يضيف عمار ـ نقول رحم الله كل من قُتٍل في هذه الحرب ومنهم أخي، وعفا الله عما مضى، وليس لنا ثأر مع احد. لكن محمد إصر على موقفه بعد أن تمكن احد أقاربه من جمعنا في منزله بضمان منه أن لا يتعرض لي بأي أذى، وحاولنا تهدئته دون جدوى سوى انه مدد المهلة إلى أسبوع إن لم اخرج من الحي بعده فسيقوم بقتلي.، الأمر الذي أجبرني على ترك الحي مع عائلتي وانتقلت إلى ضاحية في ريف دمشق، ولم أتجرأ بعدها على الاقتراب من الحي.

 

 

تمكننا من التواصل مع السيد محمد ش الذي أكد "أن عمار كان متطوعا مع احد أجهزة الأمن خلال بداية الثورة، ويتحمل هو ورفاقه مسؤولية مقتل إخوتي وأبناء عمي، ولا استطيع رؤيته في الحي ودم أبناء عائلتي في رقبته ورقاب كل من شارك في قوات النظام."

 

 

وأكد "أنه أعطاه فرصة لأنه ربما لا يكون على علاقة مباشرة بمقتل أقاربه وإخوته أولاً، وكرمى لتدخلات بعض الوجهاء من أبناء الحي، لكنه لا يتحمل وجود شبيحة في الحي بعد أن حررنا سوريا منهم، وخاصة إن الكثيرين من هؤلاء لم يتم اعتقالهم ومحاكمتهم، حتى قائد الدفاع الوطني فادي صقر ما زال حراً بحماية الحكومة الجديدة، وهو ابن حي التضامن، وشارك في كل الجرائم أو كان مسؤولاً عنها، وقد خرجنا في مظاهرات بعد التحرير لأنهم جاؤوا بفادي صقر إلى الحي بحماية الأمن العام،  وطالبنا بمنعه من دخول الحي وإلا لن نتركه يخرج حياً."

 

 

يقول محمد بصوت حازم "أني وكل ثوار التضامن لن نقبل بوجود شبيح واحد في الحي، وان لم تقم السلطة الجديدة بمحاسبتهم سنحاسبهم نحن، وما زلنا ننتظر أن تقوم بواجبها في اعتقالهم وتقديمهم للمحاكمة، لكن لصبرنا حدوداً."

 

 

بلاد الخوف والريبة

ما زال الخوف يسيطر على كثيرين من أبناء الحي من سكان شارع نسرين خصوصا لان الكثيرين منهم كان احد أبنائه أو أقاربه منخرطا مع قوات النظام  في الحرب التي استمرت حتى سقوط النظام.

 

 

العدالة الانتقالية بخطواتها البطيئة تترك المجال واسعا أمام " اصحاب الحق" "أولياء الدم" ممن فقدوا أهلهم وأحبابهم، ونهبت بيوتهم ودمر الكثير منها وما زالت أجزاء واسعة من الحي مدمرة نتيجة قصف قوات النظام للحي.

 

 

وفي لقاء مع ورشة عمل لصحفيين سوريين بتاريخ 18/6/2026  أكد السيد احمد حزرومه عضو هيئة العدالة الانتقالية  "إن الهيئة باشرت عملها منذ حوالي ثمانية شهور عبر ست مسارات أساسية الأول مسار كشف الحقيقة والثاني مسار العدالة والمساءلة الذي يستلزم قانونا خاصا للعدالة الانتقالية لان قانون الجنايات المعمول به (القانون 49) فيه ثغرات كثيرة ولا يعرف الانتهاكات الجسيمة وقد اعددنا مسودة قانون العدالة الانتقالية وهو بحاجة إلى إقراره من مجلس الشعب حين ينعقد ويصبح بيئة قانونية مناسبة لإنشاء دوائر قضائية ومحاكم خاصة بالعدالة الانتقالية (تحقيق، إحالة، جنايات، نقض).

 

 

المسار الثالث هو مسار رد الاعتبار والإنصاف وجبر الضرر، والرابع حفظ الذاكرة الوطنية، والخامس ضمان عدم تكرار ما حدث من خلال إصلاح المؤسسات، والسادس مآل العدالة الانتقالية وهو تحقيق السلم الأهلي وبناء مجتمع متماسك.

 

 

وأضاف: "بدأنا من الصفر، وقد ركزنا على مبدأين: استقلالية الهيئة،  ومركزية دور الضحايا والاستماع إليهم في كافة مناطق البلاد، وقد التقينا مع الضحايا او المتضررين في أكثر من محافظة. وبالنسبة للجنة كشف الحقيقة فقد بدأت التحقيقات حسب الأولويات وفي المجازر الكبرى تحديدا.

 

 

ونحن نحتاج إلى بيئة قانونية للبدء بالإجراءات القانونية بحق الموقوفين وعددهم كبير، وبالتالي فان المحاكمات الجارية حاليا لا يمكن تسميتها بعدالة انتقالية كونه لم يقر قانون لها بانتظار انعقاد مجلس الشعب."

 

 

نار تخطت الرماد

 النيران التي بدأت تشتعل في مناطق مختلفة من سوريا عبر مظاهرات واحتجاجات في أكثر من محافظة ومدينة وقرية مثل محافظات (حلب، ديرالزور، اللاذقية، إدلب) على خلفية عودة قياديين في شبيحة الأسد والميليشيات الإيرانية بحماية السلطة دون أن تنالهم أي محاسبة، أو وجود متهمين بارتكاب انتهاكات والتعاون مع أجهزة امن النظام السابق لم يتم محاسبتهم.

 

 

كما ازدادت الهجمات الطائفية على الأحياء التي تقطنها غالبية علوية في دمشق (حيي عش الورور قرب برزة ومزة86) إضافة إلى توزيع مناشير تحريضية على سكان أحياء دمر وحي الورود وشارع نسرين، مع تهديدات بالاعتداء عليهم من قبل محرضين يجدون في عدم محاسبة المجرمين تربة خصبة لنشر أفكار الكراهية والعنف الطائفي الذي يعمم أوصاف التشبيح والإجرام على طوائف بكاملها.

 

 

فهل سيسارع النظام الجديد في خطوات البدء بتنفيذ العدالة الانتقالية قبل أن يفلت زمام الأمور من يدها ويندفع الناس إلى اخذ ثأرهم بأيديهم خارج القانون، وربما تتحول الأمور إلى حرب جديدة لا سمح الله لأن حلقات الثأر لا تنتهي؟

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard