info@suwar-magazine.org

حين تُقتل الضحية مرتين

حين تُقتل الضحية مرتين
Whatsapp
Facebook Share

 


لم تكن المأساة التي حلّت بالسويداء مجرّد سلسلة من المجازر، على فداحتها، بل كانت بداية مأساة أخرى أكثر خطورة وأعمق أثراً. كانت جريمة أخرى تُضاف إلى جرائم القتل والحرق والنهب. كانت جريمة اغتيال الحقيقة وتشويه الوعي.

 

 فبعد أن هدأ صوت رصاص، بدأ ضجيج السرديات؛ وبدلاً من أن يُجاب عن أسئلة طبيعية حول: من أجرم؟ ومن خطف؟ ومن هجّر؟ ومن أحرق القرى وانتهك الكرامات؟، تحوّل النقاش إلى تبريرات لا تقل وحشية عن الجريمة نفسها.

 


في تلك اللحظة، تجاوزت القضية حدود السويداء، ولم تعد تخص أبناءها وحدهم؛ بل أصبحت اختباراً أخلاقياً لسوريا بأسرها. فمن طالتهم يد الغدر في بيوتهم من أبناء السويداء، رفعوا أصواتهم مناشدين العالم ألا يجعل من ضحايا الإجرام متهمين. ومن قتلهم رصاص الغدر من أبناء السويداء كانوا أنفسهم قد رفضوا إرسال أبنائهم ليشاركوا الجزار في جرائمه بحق من كانوا يعدّونهم إخوة لهم. وحرائر السويداء اللواتي تجرأ أشباه الرجال على اختطافهن، كنّ ممن ملأن شوارع سوريا بالزغاريد صبيحة سقوط الجزار، احتفالاً بانتهاء عهد الاستبداد.

 


ما جرى في السويداء كان اختباراً أخلاقياً لجميع السوريين؛ اختباراً لمدى قدرتهم على رفع الصوت في وجه مستبد جديد يفتك بأجساد إخوتهم. جزّار يستخدم اليوم الشعارات نفسها التي استخدمها نظام الأسد لتبرير القتل والقمع والظلم؛ جعل من المجازر ضرورة أمنية، ومن التعذيب إجراءً سيادياً، ومن سفك الدماء ثمناً لا بد منه تحت شعار "حماية الوطن".

 

اقرأ أيضاً:

 

                       مجلس الشعب أم مجلس الشرع؟

                      سوريا… من صادروا لحظة تحريرها


إن أخطر ما ارتكبته سلطة "هيئة تحرير الشام" لم يكن جريمة الإبادة الجماعية وحدها، وإنما السردية التي تحاول عبثاً بناءها فوق أنقاض البيوت المدمرة والقرى المحروقة؛ فقد أدرك الطغاة الجدد أن الدم الذي يلوّن وجوههم سيدينهم، لكنهم اعتقدوا أن الرواية قد تنقذهم. لذلك، فهم لا يسعون إلى نفي الجريمة بقدر سعيهم إلى إعادة صياغة السؤال حولها؛ فلم يعد النقاش يدور حول هوية القاتل، بل حول سلوك الضحية، ولم تعد المجزرة هي القضية، بل الأسباب التي يُراد تبريرها بها.

 


إنهم يسعون عبثاً إلى نقل مركز الثقل من الجلاد إلى الضحية، ومن الدم المسفوك إلى الهوية السياسية والاجتماعية لمن سُفك دمه. وهدفهم في ذلك إقناع من يتسيّدون عليهم، وإقناع العالم بأن الضحية هي المُدانة، وأنها هي من مهّدت الطريق لقتلها. وهنا بدأ الانهيار الأخلاقي الحقيقي لمن تبنّى رواية تلك السلطة ومن أيّدها؛ لأن المجتمعات لا تسقط عندما تُرتكب الجرائم فحسب، بل عندما تتعلّم كيف تبررها، أو تتواطأ معها بالصمت، أو تبحث لها عن أعذار سياسية أو أمنية أو أيديولوجية. فالجريمة التي تجد من يبررها لا تنتهي بانتهاء ضحاياها، بل تتحول إلى قاعدة أخلاقية تهدد الجميع.

 


الذين يرددون هذه السردية يعتقدون أنهم يسيئون إلى السويداء. لكنهم، في الحقيقة، يهدمون بأيديهم الأساس الأخلاقي الذي استندوا إليه يوماً وهم يطالبون العالم بالاعتراف بما جرى لهم، ويقوّضون المعيار الذي قامت عليه مطالباتهم بالعدالة.

 

وبذلك يثبتون، من حيث لا يشعرون، أن القضية لم تكن عند بعضهم رفض الاستبداد بوصفه مبدأً، وإنما رفض المستبد عندما كان خصماً، والقبول به عندما أصبح حليفاً. فالمعيار الذي يبرر جريمة اليوم هو نفسه الذي كان يرفض جريمة الأمس. ومن يقبل اليوم بأن تُفسَّر المجزرة أو تُخفَّف مسؤولية مرتكبيها لأي ظرف أو أي ذريعة، إنما يمنح الشرعية ذاتها لكل الروايات التي استخدمها بشار الأسد عندما برر قتل مئات الآلاف من السوريين.

 


لقد قال الطاغية الأسد يوماً إنه يحارب الإرهاب، وها هم أتباع سلطة الجولاني، ومؤيدوها، والصامتون عن إجرامها، يعيدون إنتاج المنطق نفسه. وقال إنه يحمي الدولة من التفكك، وها هي سلطة هيئة تحرير الشام تدفع، بإجرامها وفسادها، نحو تفكيك الجغرافيا والمجتمع معاً. ما الذي تغيّر إذاً؟ وهل يختلف المنطق باختلاف من يستخدمه، أم أن الجريمة تفقد قبحها حين يتغير اسم مرتكبها؟

 


إن قبول هذا المنطق اليوم لا يسيء إلى السويداء وحدها، بل يُسقط المعيار الأخلاقي الذي لا تقوم العدالة إلا عليه. ومن يهدم هذا المعيار لن يستطيع غداً أن يطالب العالم بالاحتكام إليه عندما يكون هو الضحية. فالعدالة ليست موقفاً سياسياً، بل مبدأ لا يقبل التجزئة؛ وإما أن تبقى الجريمة جريمة، بصرف النظر عن هوية القاتل أو الضحية، وإما أن يتحول تاريخ السوريين كله إلى سوق مفتوحة للروايات المتنافسة، حيث تنتصر القوة على الحقيقة، وتُقاس العدالة بميزان المصالح لا بميزان القانون والأخلاق.

 


لعل أكثر صور هذا الانقلاب الأخلاقي فداحة أن السلطة التي تدفع الناس اليوم إلى تبرير ما جرى في السويداء، لم تجد غضاضة في أن تمد يدها إلى موسكو؛ المدينة التي ارتبط اسمها، في ذاكرة السوريين، بالفيتو الذي حمى الاستبداد، وبالتدخل العسكري الذي غيّر مسار الحرب، وبالمشاركة السياسية والعسكرية في واحدة من أكبر المآسي الإنسانية في العصر الحديث.

 


ليست المشكلة في إقامة العلاقات بين الدول، فالمصالح قد تفرض مساراتها، وإنما في أن تُباع ذاكرة الضحايا بثمن أول مصافحة، وأن يُطلب من السوري أن ينسى من شارك في مأساته، بينما يُلام من يطلب النجدة لإنقاذ حياته. فأي مفارقة أخلاقية هذه التي تجعل التقارب مع من ساهم في المأساة فعلاً سياسياً مشروعاً، بينما تصبح استغاثة الضحية شبهة تستحق الإدانة؟

 


إن أخطر ما يمكن أن تفعله أي سلطة ليس أن تريق الدم، فالتاريخ مليء بالقتلة، وإنما أن تنجح في تحويل المجتمع إلى شريك في تبرير القتل، وأن تقنع الناس بأن العدالة انتقائية، تُمارس ضد الخصوم، وتُعلَّق عندما يكون الجاني قريباً من السلطة أو من الهوية السياسية السائدة.

 


وعند هذه النقطة، لا تكون السويداء وحدها هي الخاسر. يخسر أولئك الذين خرجوا يوماً مطالبين بالحرية والكرامة وسيادة القانون، لأنهم فرّطوا بالمعيار الذي منح قضيتهم قوتها الأخلاقية. وتخسر الأمهات اللواتي انتظرن أبناءهن أمام أبواب السجون، ويخسر المفقودون الذين ابتلعتهم المعتقلات، ويخسر الغرقى الذين ابتلعتهم البحار، ويخسر الذين دفنتهم البراميل تحت الأنقاض. فالعدالة التي تُستثنى منها ضحية واحدة، لن تحمي أي ضحية أخرى.



وحين ينجح القاتل في إقناع الناس بأن الضحية تستحق مصيرها، لا تُقتل الضحية مرتين فحسب… بل يُقتل المعيار الأخلاقي الذي يحمي الجميع. وعندها، لا تكون المجزرة قد انتهت… بل تكون قد بدأت من جديد.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard