info@suwar-magazine.org

التاريخ لا يتكرر.. وإنما الإنسان يُعيد تدوير حماقاته

التاريخ لا يتكرر.. وإنما الإنسان يُعيد تدوير حماقاته
Whatsapp
Facebook Share

 

التاريخ لا يعيد نفسه ولا بأي شكل من الأشكال، هذه العبارة التي تبدو كأنها خلاصة حكمة أو نظرية معرفة، تحتاج إلى شيء من التشكيك وإعمال الظن فيها ديكارتياً.

 

فالتاريخ لا يعود بالفعل ذاته، ولا بالوجوه ذاتها، ولا بالوقائع أو الأحداث في صورتها القديمة الكلاسيكية. لكنه يترك وراءه أنماطاً أو لنقل إرثاً من الخوف والرغبة والانتقام. سرعان ما تعيد المجتمعات البشرية إنتاجها كلما عجزت عن فهم أسبابها وديالكتيكها الذاتية. لا تتكرر الأحداث بقدر ما تتكرر الذهنية ذاتها التي صنعتها، ولذلك لا يكون الماضي مجرد سجن مغلق، وإنما احتمالات مفتوحة لإعادة ارتكاب الحماقة نفسها بأسماء جديدة ورايات مختلفة.

 

 

وفي المشهد السوري ترسم التجربة صورها الواضحة لهذا السياق. لا تبدو المسألة مرتبطة بإمكانية عودة ديكتاتورية "بشار الأسد" كشخص مجرم جينوسايدي مختل عقلياً. فالأفراد، مهما طال ظلهم، مصيرهم ونهايتهم محتومة، وينتهون. السياق التاريخي الأخطر هو أن تنشأ الحاجة إلى "بشار" آخر، إلى سلطة شبيهة ومماثلة له تختبئ خلف الخوف من الفناء، من الإلغاء، إلى جماعة ترى في احتكار القوة والعنف والاستبداد ضمانًا لوجودها وديمومتها. إلى أغلبية تشرنق ذاتها داخل طائفية تتعامل مع الدولة المدنية العصرية بوصفها غنيمة حرب تاريخية، لا على أنها عقداً دستورياً مشتركاً بين مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات والامتثال أمام القانون.

 

 

قد يغيب الحاكم المستبد لكن شروط ظهوره وتجليه تظل حاضرة تتغذى من نزيف الذاكرة الجريحة ومن الرغبة في الانتقام والثأر ومن وهم أن خلاص الجماعة أو الطائفة لا يتحقق إلا بإخضاع الجماعات الأخرى. هنا تكمن المفارقة السورية فقد سقط الاستبداد من قصر الشعب، بينما بقى في اللغة والثقافة وفي المخيال والارث الجماعي، بقي في طريقة النظر إلى المختلف.

 

 

قد تتغير أسماء السجون والمصحات العقلية ولكن لا يتغير المنطق الذي يبررها، وقد تُرفع شعارات العدالة والحرية والمساواة وحقوق الانسان، لكن تغدو الغاية منها أحياناً تبديل مواقع الضحية والجلاد لا تأسيس معيار وطني ودستوري و قانوني واحد يحمي الجميع.

 

اقرأ أيضاً:

 

                              الأسد أبن البعث العربي... وليس صانعه

                           هندسة الإنسان المطيع ودمجه في القطيع

 

 

إن الذين طالبوا ويطالبون بالحرية لأنفسهم، ثم يبررون اليوم القمع والظلم والمجازر الواقعة على خصومهم، لا يخرجون من دائرة الاستبداد والجينوسايد؛ إنهم يعيدون توزيع أدواره على وجه الدقة.

 

الطائفية ليست مجرد انتماء ديني أو اجتماعي أو فئوي، بل تصبح خطراً سياسياً حين تتحول إلى آلة لتفسير القوانين المدنية على أساس أخلاقي، وتصبح مرجعية للتاريخ وللتشريع وإدارة الدولة والجيش، وتصبغها بهويتها الضيقة والخارجة عن منطق التنظيم والتعايش والحياة المعاصرة. عندها لا يعود المواطن إنساناً له حقوق ومسؤوليات، وإنما ممثلاً إجبارياً لجماعته، محكوماً بتاريخ لم يختره، ومطالباً بدفع ثمن جرائم لم يرتكبها ولا علاقة لها بها.

 

في هذه اللحظة يتراجع العقل السياسي ومنطقه أمام غريزة الحشد والقطيع، وتصبح المظلومية رأسمالاً حاضراً للاستثمار، ويصبح الخوف مادةً خاماً لصناعة الطاعة العمياء. هكذا تُبنى الاستبداديات الجديدة من حجارة المآسي القديمة.

 

 

إن أبشع وأمسخ ما يمكن أن يتجلى بعد انهيار نظام قمعي ديكتاتوري هو أن تُعرّف الجماعة التي تحتكر الانتصار أن العدالة تعني امتلاك حق الانتقام وتشييد عدالتها الخاصة. فالعدالة التي تتحول إلى ثأر باسم المؤسسة السياسية تفقد جوهر معناها ومبررات وجودها، وتعيد إنتاج العنف والقمع والإلغاء والإقصاء.

 

 

لا يمكن بناء وطن على فكرة أن جماعة ما تستحق الدولة لأنها عانت أو ظُلمت أكثر، أو لأنها دفعت ثمناً أكبر، أو لأنها ترى نفسها صاحبة الحق الأصلي على أساس عددي. الوطن ليس جائزة تمنحها الحرب لمن استطاع أن يدفع ثمناً أكثر ولمن بقي في المعاناة فترة أطول، بل الوطن هو فضاء دستوري وقانوني ومدني وأخلاقي مبني على فكرة المواطنة، وليس على فكرة الطائفة، ولا يستقيم ذلك إلا حين يصبح الحق سابقاً على الهوية، وحين تكون الدولة أقوى من العصبية وأضعف من أن تتحول إلى سيد على مواطنيها.

 

 

 

إن سوريا احتاجت وتحتاج، قبل أي دستور أو انتخابات أو ترتيبات للسلطة، إلى قطيعة تاريخية عميقة مع فكرة الجماعة الحارسة للحقيقة. لا تمتلك أي جماعة أو طائفة أو قومية أو حزب في سوريا تفويضاً أبدياً لحكم الآخرين، ولا توجد جماعة بريئة بصورة مطلقة أو مذنبة بصورة جماعية مطلقة. المسؤولية فردية، والحقوق عامة، والذاكرة التاريخية لا ينبغي أن تكون خزان وقود لحرب لا نهائية. الاعتراف بالألم، بالمظلومية، بالإقصاء، بالتهميش، لا يعني تحويله إلى امتياز سياسي، والوطن إلى غنيمة حرب، ومحاسبة المجرمين والقتلة والمتورطين لا تعني تجريم جماعات بأكملها.

 

 

قد لا يعيد التاريخ "بشار الأسد"، لكن الطائفية قادرة على صناعة بشارها الخاص، وبنفس الأيادي التي ترفع شعارات الثورة والكرامة. لذلك لا يُقاس التغيير بسقوط اسم أو رمز أو نظام ديكتاتوري، بل بقدرة المجتمع على منع الشروط والممكنات التي تجعل إعادة إنتاج النظام السابق ورموزه ونمطه قابلاً للتحقق.

 

 

فالمستبد ليس فرداً فقط ولا جماعة، وإنما علاقة بين خوف يتم استثماره، وجمهور يتم تعبئته، ومؤسسات تُفرَّغ من غاية وجودها، ووعي بشري يقبل أن تكون الحرية حكراً على من يشبهه. وحين لا يتغير هذا كله، يصبح سقوط الطاغية مجرد استراحة قصيرة قبل أن يولد طاغية آخر من رحم الحماقة نفسها.

 

ولعل سؤالنا الحقيقي هو: بأي منطق يُحكم السوريون؟ فاستبدال الحاكم من دون استبدال العلاقة بين السلطة والمجتمع، من خلال تعزيز قيم الديمقراطية ونظامها الإداري والسياسي، ومن دون الإيمان بمنطق الدولة العصرية المدنية واستقلالية السلطات وكتابة دستور يترجم الواقع الديمغرافي المتنوع الحقيقي، يشبه تغيير قناع في مسرحية لا يزال النص ذاته.

 

 

الديمقراطية ليست صندوق اقتراع وهمياً، كما أن الدولة المدنية القانونية ليست مظاهر إعلانية واحتفالية ومواكب سيارات. إنهما تدريب طويل على قبول الخسارة والألم وتجاوزه، وعلى حماية الخصم حين يكون ضعيفاً، وعلى الاعتراف بأن الاختلاف اللغوي والعرقي والديني والطائفي ليس مؤامرة، وأن المعارضة ليست خيانة داخلية.

 

 

 

والمجموعات التي لا تحتمل خصومها في لحظة القوة لن تحميها في لحظة الضعف، وسيكتشف متأخراً أن القوانين التي صفق لها ضد الآخرين ستصل إليه ذات يوم، والقوانين التي صُفِّق لها لنصرة بشار الأسد وديمومة بقائه مثال حي.

 

 

إن الخروج من المأزق لا يمر عبر محو الذاكرة الجمعية، بل عبر تحريرها من توظيفها سياسياً. الذاكرة التي تبحث عن الإنصاف، عن العدل، يمكن أن تؤسس للسلام وتخلق مبررات التعايش، أما الذاكرة التي تبحث عن الانتقام والثأر وديمومة الخصام، فإنها تحتاج إلى نزيف لجرح مفتوح كي تبرر وجودها.

 

لذلك لا بد من عدالة لا تنتقي ضحاياها، ومؤسسات لا تسأل المواطن عن طائفته قبل أن تسأله عن حقه، وخطاب عام يرفض التعميم كما يرفض التقديس.

 

فالسلم الأهلي ليس هدنة بين جماعات مسلحة، وإنما اقتناع يومي بأن حياة الآخر ليست تنازلاً مني، وأن كرامته لا تنتقص من كرامتي. عندها فقط يصبح ممكناً أن يتحول التاريخ من مخزن للحماقات إلى مدرسة للحكمة، وإلا فإن السوريين، وهم في طريقهم يحاولون دفن ماضيهم، قد يدفنون معه فرصة المستقبل، ثم يكتشفون أن القبر الحقيقي لم يكن نهاية الطاغية، بل مختبراً لإعادة تدويره من جديد بصورة أكثر قسوة ووضوحاً.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard