info@suwar-magazine.org

بحثاً عن الله

بحثاً عن الله
Whatsapp
Facebook Share

 

قبل أي كلام، ينبغي أن  أعتذر للقارئ، فأنا ألعب في غير ملعبي، لا أنا فقيه، ولا مؤرخ للتصوف، ولا أملك من أدوات البحث ما يسمح لي بأن أضع هذه الفكرة في قفص الوثيقة، أو أن أدافع عنها بآية، أو حديث، أو قول لشيخ من شيوخ الصوفية، وربما كان هذا وحده سبباً كافياً لأن يغلق القارئ الصفحة ويذهب إلى ما هو أكثر أماناً.

 

ـ لكن، لم لا؟ لِم لايحق لك أن تلعب في غير ملعبك؟

ـ أليست الملاعب كلها للّعب؟

وهأنذا ألعب.

ألعب بفكرة راودتني طويلاً، ولا أعرف إن كانت خطأً فادحاً أم مجرد نزوة فكرية، ولا أريد أن أستبق القارئ إلى الحكم عليها، خطر لي، ببساطة، أن الصوفية ربما كانت، من داخل الإسلام نفسه، ثورة عليه دون التناحر معه، هي وعاًء من الاحتجاج السلمي على تحويل الدين إلى سلطة وطاعة وخوف.

 

 

ربما كنت مخطئاً، وربما كانت الغريزة، أحياناً، أجرأ من الوثيقة.

لا أريد أن أثبت شيئاً، أريد فقط أن أفتح باباً وأدخل منه، وأن أسأل:

ـ ماذا حدث للدين حين ترك السيف جانباً، وأمسك بالقصيدة؟ ماذا حدث حين صار الذكر إيقاعاً، والعقيدة أغنية، والخوف عشقاً، والجسد الذي يُطلب منه أن يطيع جسداً يدور؟

 

 

هذه ليست دراسة في التصوف، وربما لهذا السبب تحديداً أكتبها، إنها محاولة للنظر إلى الصوفي من مكان آخر؛ لا من فوق سجادة الفقيه، ولا من وراء مكتب المؤرخ، بل من مقعد رجل مفتون، منذ زمن، بكل ما استطاع الإنسان أن يفعله كي يجعل حياته أقل قسوة، وأنا، في هذه الرحلة، لا أملك إلا غريزتي، فليكن ما سيكون، فالملعب واسع، وأنا دخلته متأخراً، ومن دون حذاء مناسب.. لكنني دخلت.

 

 

علي أن أدخل، لأنني إذا خرجت من كلمة "الصوفية" بوصفها شيئاً واحداً، سأكتشف أننا أمام عوالم متباعدة، صوفي دمشق ليس تماماً صوفي القاهرة، والمولوية ليست القادرية، والشاذلية ليست التيجانية، والتصوف في السنغال له وجه آخر، وفي الهند وجه آخر، الموسيقى والشعر ليسا هامشاً في هذه العوالم، صارا من وسائل المعرفة الروحية نفسها.

 

اقرأ أيضاً:

                 

       عن الخيانة والريبة: نساء شكسبير، ونساء نجيب سرور أيضاً

                       يا بنت ارقصي، تلك هي الهجرة إلى الله

 

 

دمشق وحلب: الصوفي في قلب المدينة.

لنبدأ من سوريا، لأنها ربما ستكون أقرب نقطة إلى قلب المقال أو إلى ذاكرتي شخصياً، فأنا رجل مهنته أن يتذكّر، أنا رجل يتذكّر السنبلة، ربما دون أن يسقي الزرع، وهذا لاشك يحمل بعض العيب، ومما أتذكّر:

دمشق في العصر الأيوبي والمملوكي لم تكن مجرد مدينة فيها أفراد متصوفة؛ نشأت فيها فضاءات صوفية كاملة زوايا وخوانق وأضرحة ومجالس حول الشيوخ، وتظهر الدراسات الحديثة كيف تشكلت في دمشق "جغرافيا صوفية" تركت آثارها في المدينة وفي طقوسها ومواقعها المقدسة، لم يكن يحتاج الصوفي ابن دمشق إلى بناء دولة، كان يكفيه أن يبني "حلقة ذكر"، والذكرة يتوالد إلى حلقات "حلقات شعر، حلقات سماع، وحلقات رقص"، حلقات يتجاور فيها الفقيه والأمي، والشيخ والمريد، يتجاوز كل من في تلك الحلقات، الإنسان وخوفه من الموت.

 

 

وفي سوريا خصوصاً، لا نستطيع الحديث عن التصوف من دون حلب ودمشق وموروث الطريقة المولوية، وعن مجالس الإنشاد والذكر والسماع التي تركت أثراً في الموسيقى العربية الدينية والشعبية، فهناك، لحلب عمر البطش، الذي ارتبط بالموسيقى الصوفية والقدود والموشحات، وترك أثراً بالغاً في الموسيقى الحلبية، وهذا يقودنا إلى شيء أعتقد أنه سيكون مهماً جداً خلاصته أنه  في أحيان لا نعرف أن الأغنية التي وصلت إلينا من الموسيقى العربية تحمل في أعماقها ذاكرة صوفية.. الصوفي لا يقول دائماً "أنا صوفي"، أحياناً يغني فقط.

 

 

مصر: هنا يصبح التصوف صوتاً بشرياً.

مصر حالة أخرى شديدة الأهمية، لها الشاذلية، والرفاعية، والأحمدية، والخلواتية، وغيرها، جعلت مصر واحدة من أكبر البيئات الصوفية في العالم الإسلامي، لدينا في مصر تراث هائل من الإنشاد الديني والصوفي، ثمة دراسات موسيقية مصرية اشتغلت عليها ومن ضمنها بحث لجمال سلامة أحد عمالقة الموسيقى العربية، دراسة تميز بين أنماط الإنشاد، وتدرس تسجيلات شيوخ مثل ياسين التهامي، ومحمد الهلباوي وغيرهما، إلى جانب تقاليد الطرق الحمدية الشاذلية والجعفرية والجذلية والبيومية.

ياسين التهامي؟

لا أستطيع أن أصغي إلى ياسين التهامي إصغاءً كاملاً من دون أن أتهيأ له كما ينبغي؛ أطفئ الهاتف، أغلق الباب، أترك العالم خارج الغرفة، وأشعل لفافة حشيش، بعد ذلك فقط أفهم لماذا كان الصوفيون يحتاجون إلى كل ذلك السماع.

لست مضطراً إلى أن تكون متديناً حتى تفهم لماذا يحدث شيء ما حين تسمعه، الرجل لا "يشرح" العقيدة، إنه يحوّل العقيدة إلى صوت، والصوت، في لحظة معينة، يتوقف عن كونه كلاماً عن الله ويصبح تجربة جسدية: ـالنفس، النبرة، الصعود، الانكسار، التكرار

وهنا أجد نفسي أمام السؤال الذي أعتقد أنه يمكن أن يكون من أصعب الأسئلة التي تأكل رأسي:

ـ ماذا يحدث للدين حين يتوقف عن الكلام ويبدأ بالغناء؟

 

 

 

لحظة بدأت بكتابة هذا المقال، كان دافعي تثبيت فكرة أن الصوفية هي "ثورة على الدين"، وبالتالي "الصوفية لادينية".

لقد غيّرتُ الاتجاه، فثمة ماهو أهم من اختزال الحركة بمصطلح مثقف يُحيلها إلى حركة عقائدية تشبه حزباً سياسياً يقوده "امين عام"،  فـ "اللادينية" حكم أيديولوجي يمكن أن يُرفض في لحظة ما، أما سؤال "الدين حين يغنّي"، فلا تستطيع الإجابة عنه بالفقه وحده، ستجيب عنه مستعيناً بكل موارد الحواس.

 

 

ثم نذهب إلى الرومي والمولوية:

وهنا لا يمكن أن لا ندخل "فارس"، جلال الدين الرومي لم يجعل التصوف عقيدة جديدة؛ جعله لغة للعشق، ثم جاءت المولوية، التي ارتبطت باسمه، وحوّلت الحركة إلى لغة: الدوران، الناي، الموسيقى، القصيدة، فالناي في "المولوية" ليس مجرد آلة موسيقية؛ إنه استعارة للإنسان المنفصل عن أصله.

 

 

ثم يأتي الدراويش الدوّارون، الجسد الذي يدور، وهنا أظن عليّ أن أتامل أكثر:

ـ الدين الذي كان يمكن أن يُقال فيه "أطع"، صار عند الصوفي "دُر".

"دّر" والدائرة لم تكن يوماً سوى أبدع شكل هندسي:

ـ الكوكب دائري، الجنين دائري، والجملة الموسقية في المولوية كائن يدور.

طبعاً هذه صياغة أدبية مني وليست وصفاً تاريخياً حرفياً، اما اعترافي هذا، فهو مسافة الأمان التي لاتوقعني بمشاكل مع تنابل الدينيين، وبهذا فأنا "أدور".

 

 

المولوية، والقادرية، والنقشبندية، والبكتاشية، والشاذلية، والتيجانية وغيرها ليست نسخة واحدة من التصوف؛ لكل طريقتها وتاريخها وطقوسها وعلاقتها بالمجتمع والسلطة، المتحف المتروبوليتان يعرض هذه الطرق ضمن شبكة عالمية واسعة تشمل المولوية والنقشبندية والقادرية والششتية والبكتاشية وغيرها.

 

 

 

الهند.. حين دخل التصوف لغة أخرى:

ثم تأتي الششتية في الهند، وهنا يحدث شيء شديد الأهمية ، الإسلام الصوفي يدخل إلى بيئة هندية شديدة التنوع، فيتصل بالموسيقى والشعر واللغات المحلية، ويصبح القول الروحي قابلاً للغناء الجماعي.

وهنا لا يعود السؤال: هل هذا "دين" أم "فن"؟

بل يصبح السؤال نفسه بلا معنى، لأن الصوفي دُمج الاثنين.

 

 

أفريقيا.. الصوفية التي أصبحت مجتمعاً.

في السنغال مثلاً لدينا الطريقة المريدية وأحمدو بامبا، ويمكن التوسع بمعرفتهم عبر "غوغل" فالمعلّم "غوغل" في خدمة الجميع.. وفق "غوغل" فإن بامبا كان شيخاً صوفياً، لكنه أسس أيضاً شبكة اجتماعية ودينية شديدة القوة، وواجه الاستعمار الفرنسي الذي نفاه، وما تزال الطريقة المريدية من أهم الظواهر الصوفية في السنغال، أي أن الصوفي ليس دائماً الرجل الهارب من العالم، أحياناً يبني مجتمعاً، وأحياناً يدخل السياسة، وأحياناً يصير له أتباع وسلطة ومؤسسات، وهذه نقطة ضرورية سأحاول إيضاحها، لأننا إذا أردنا أن نقول إن الصوفية "احتجاج سلمي على الدين"، فسيأتي التاريخ ويقول لنا:

ـ تمهّلوا، الصوفية ليست تاريخاً واحداً.

فيها المنعزل، والشاعر، والمغني، والفقيه، والشيخ، والسياسي، وحتى صاحب السلطة، وهذا يجعل فهمها أكثر تعقيداً.

 

 

السودان: ربما "الكنز" هناك.

هناك القادرية، والسمانية، والختمية/الميرغنية، والتيجانية وغيرها، وقد أصبحت الطرق الصوفية جزءاً عميقاً من النسيج الاجتماعي السوداني، لكن السودان يقدم لنا أيضاً دليلاً معاكساً لفكرة "الصوفية خارج السياسة"،  فالطرق الصوفية كانت قوى اجتماعية وسياسية مهمة، إلى درجة أن حكومات حديثة حاولت استثمار شبكاتها في السياسة، ثمة دراسة حديثة عن العلاقة المصرية السودانية في الخمسينيات تُظهر بوضوح كيف سعت حكومة جمال عبد الناصر إلى توظيف شبكات الطرق الصوفية في مشروع الوحدة بين مصر والسودان.

 

 

ـ يالها من مفارقة:

ـ الصوفي الذي بدأ بالهرب من سلطة العالم قد يجد نفسه، بعد قرون، جزءاً من سلطة العالم.

ثانية يا لها من مفارقة، يا لها من مفارقة، يا لها من مفارقة.

 

 

ـ ثم نعود إلى الشعر:

وهنا لابد من فتح باب آخر، لأننا حين نقول "شعراء الصوفية"، فنحن لا نتحدث عن شعر ديني بالمعنى التقليدي فقط، نحن أمام، ابن عربي، الحلاج، الرومي، ابن الفارض، هؤلاء شعراء لا يمكن فهم جزء كبير من حساسيتهم الشعرية من دون مساحات هائلة من الذاكرة والحشيش (نعم الحشيش، أقولها بكل الثقة، فقد يُعين الذاكرة على تعطيل كسلها ريثما يُصغي إلى ابن الفارض على سبيل المثال).

 

 

 

 

ـ هنا تحدث المفارقة التي أغامر بكتابتها:

ـ الفقيه يقول لك ما ينبغي أن تفعل، الشاعر يقول لك ماذا يحدث لك حين تفعل.

الفارق بين الجملتين هو تقريباً المسافة كلها بين الشريعة والتجربة، بين "الله" الجاهز، و"الله" المأمول.

لا أريد أن أقول أن "الشريعة" هنا ضد "التصوف"، فهذا غير صحيح تاريخياً؛ كثير من المتصوفة كانوا ملتزمين بالشريعة وداخل مؤسساتها، لكن يمكننا أن نقول إن التصوف، في بعض صوره، نقل مركز الثقل من القانون الخارجي إلى التجربة الداخلية، وهذا هو لبّ ما اريد قوله، لهذا لم اكتب:

ـ الصوفية مدرسة لادينية.

 

كتبت:

ـ الصوفية هي اللحظة التي حاول فيها الإنسان أن يعيش الدين من دون أن يسلّمه كله إلى المؤسسة، إلى السُلطة، إلى حرّاس ثكنة الله.

ثم نسأل:

ماذا فعل هذا الإنسان؟

ـ حوّل الذكر إلى إيقاع، والذكرى إلى مقام، والخوف إلى عشق، والعقيدة إلى قصيدة، والجسد المطيع إلى جسد يدور، والكلمة الآمرة إلى صوت يرتجف.

 

وهنا يمكنني أن أعود إلى البداية، ربما لم تكن الصوفية خروجاً من الدين، بل خروجاً بالدين من المكان الذي كان يمكن أن يتحول فيه إلى سلطة، وهذا، في ظني، أكثر قوة بكثير من إعلانها "مدرسة لادينية".

 

 

في النهاية، ربما كنت قد ذهبت بعيداً في هذه الفكرة، وربما كنت ألعب فعلاً في غير ملعبي، لكنني كلما تتبعت خطى الصوفي، من قصيدته إلى نايه، ومن حلقته إلى دورانه، ومن الحلاج إلى ابن عربي، ومن الرومي إلى ياسين التهامي، وجدت شيئاً واحداً يتكرر:

ـ الصوفي لا يدّعي أنه وجد الله؛ الصوفي يبحث عنه

وهنا، ربما، تكمن المسافة كلها بينه وبين من يتحدث باسم الله، الأول ما زال في الطريق، يسأل، ويشك، ويحب، ويغني، ويدور، أما الذي امتلك الحقيقة كاملة، فلم يعد بحاجة إلى البحث، وربما لهذا أحببت الصوفية من بعيد:

ـ لأنها أبقت الله في مكان لا تستطيع السلطة أن تضع يدها عليه؛ في القصيدة، في الموسيقى، في القلب، وفي ذلك السؤال القديم الذي لا ينتهي:

ـ أين الله؟

ثم يمضي الصوفي في البحث عنه، وربما لا يصل، سيكون دينه:

ـ طريقاً للبحث، لاقوّة مسلّحة.

ولكن يتبقّى لدي سؤال محرِج إلى حدّ بعيد:

ـ هل انا بعد ما سبق، هل انا "صوفي"؟

لا، لن تغريني الاقفاص، أنا:

ـ حشّاش.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard