info@suwar-magazine.org

سوريا… من صادروا لحظة تحريرها

سوريا… من صادروا لحظة تحريرها
Whatsapp
Facebook Share

 

حين سقط نظام الأسد، لم يكن الذي انهار مجرد سلطة سياسية حكمت سوريا لعقود، بل منظومة كاملة من الخوف والقمع والإذلال. ولهذا لم يكن الفرح الذي عمّ السوريين احتفاءً بأشخاص أو جماعات أو فصائل، بل كان فرحاً بالخلاص من كابوس جثم على صدورهم نصف قرن تقريباً.

 


كانت تلك اللحظة ملكاً لملايين السوريين. كانت ملكاً للمعتقل الذي مات تحت التعذيب، وللأم التي انتظرت ابنها سنوات طويلة دون أن يعود، وللمهجر الذي حمل وطنه في حقيبة صغيرة وطاف به المنافي، وللطفل الذي كبر في المخيمات دون أن يعرف معنى البيت، وللثائر الذي خرج ذات يوم مطالباً بالحرية قبل أن تتحول بلاده إلى ساحة مفتوحة للموت والتدخلات الخارجية.

 


لكن ما حدث بعد ذلك كشف عن مأساة من نوع آخر؛ فبدلاً من أن تتحول لحظة الخلاص إلى لحظة استعادة وطن، جرى التعامل معها بوصفها غنيمة سياسية؛ فبدلاً من أن يُنظر إليها باعتبارها تتويجاً لتضحيات السوريين جميعاً، جرت محاولة احتكارها ونسبتها إلى جهة بعينها، وكأن أربعة عشر عاماً من الدم والدموع والخراب يمكن اختزالها في بضعة أيام أو في عملية عسكرية خاطفة.

 

اقرأ أيضاً:

 

                  ما تخفيه السلطة في دمشق تفضحه ممارساتها

                  سوريا.. عندما يصبح بقاء المكوّنات أقوى من بقاء الوطن


وهنا تبدأ عملية مصادرة المعنى؛ فالثورات لا تُقاس فقط بمن يصل إلى القصر الرئاسي في نهايتها، بل بمن صنع الطريق إليها. والذين صنعوا الطريق في الحالة السورية لم يكونوا تنظيماً واحداً، ولا فصيلاً واحداً، ولا زعيماً واحداً، بل شعباً كاملاً دفع أثماناً هائلة، كي يصل إلى تلك اللحظة.

 


ولهذا بدا مؤلماً لكثير من السوريين أن يتحول الفرح بسقوط الطغيان إلى محاولة لصناعة طاغية جديد، وأن تتحول لحظة التحرر من عبادة الفرد إلى إنتاج نسخة أخرى منها، وأن يصبح المطلوب من الناس أن ينسوا تاريخهم وتضحياتهم ويبدؤوا رواية جديدة عنوانها أن كل ما جرى كان تمهيداً لوصول السلطة الجديدة.



لم تكن المشكلة أن سلطة جديدة وصلت إلى الحكم؛ بل أن هذه السلطة حاولت أن تستولي على الرواية نفسها، تسعى لتكريس مقولة /مَن يحرر، يقرر/، وكأنها فعلاً حرّرت؛ حيث بدأت بتقديم نفسها بوصفها صاحبة الإنجاز الوحيد؛ وأن تتحدث باسم الضحايا الذين لم تستشرهم؛ وباسم المعتقلين الذين لم تطلق سراح ذكراهم من الألم؛ وباسم المهجرين الذين لم يعودوا إلى بيوتهم؛ وباسم ثورة لم تكن يوماً ثورتها.

 


وهكذا لم تعد القضية قضية سلطة فقط، بل قضية ذاكرة، وقضية معنى، وقضية حق تاريخي لشعب كامل في أن يروي قصته بنفسه. ومن هنا فإن أخطر ما جرى لم يكن الاستيلاء على مؤسسات الدولة، بل محاولة الاستيلاء على ذاكرة السوريين ذاتها؛ لأن مَن ينجح في مصادرة الذاكرة يستطيع أن يعيد تعريف الماضي، وأن يحتكر الحاضر، وأن يرسم المستقبل وفق الرواية التي يريدها.

 


ولهذا لم يشعر كثير من السوريين أن لحظة الخلاص قد اكتملت؛ فقد سقطت منظومة الاستبداد، لكن المعنى الذي خرجوا من أجله ظل مهدداً بالمصادرة، وأي ثمرة محتملة لانتفاضتهم عرضة لمحاولة الاختطاف، لا بالسلاح، بل بالاحتكار، وبالادعاء وبنسج سردية الوقح.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
آخر المقالات
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard