من "اتفضلي ياست" إلى "اتستري ياحرمة"

ليس من النادر أن تنهزم الحركات السياسية أو العسكرية أمام خصومها الخارجيين، فذلك جزء مألوف من التاريخ البشري، لكن ما يثير الانتباه حقاً ليس الهزيمة أمام العدو، بل ذلك النوع من الحركات التي تبدو وكأنها تُهزم من داخلها قبل أن تُهزم خارجياً.. حركات تتآكل في بنيتها الداخلية، وتعيد إنتاج الانقسام في صفوفها، حتى يصبح العنف موجّهاً نحو الذات بالقدر نفسه الذي يُوجَّه نحو الخارج، وكأنها، في لحظة ما، تتحول من مشروع صراع مع الآخر إلى بنية صراع مع النفس، بما يجعلها "تأكل أبناءها"، ذلك هو تاريخ "الحركات الجهادية"، وقد تكون تشققات "القاعدة" مثالاً أكثر وضوحاً عنها.
هذه الظاهرة لا يمكن اختزالها في أخطاء قيادية أو ظروف طارئة أو اختراقات أمنية، رغم حضور هذه العناصر في بعض الحالات، فالتكرار الواسع لهذه الديناميكية في بيئات مختلفة، ومن سياقات تاريخية متباينة، يوحي بأننا أمام نمط بنيوي أكثر عمقاً، يتعلق بطبيعة التنظيم ذاته، وبالمنطق الذي يؤسس شرعيته الداخلية.
الحركات الإسلامية الجهادية، تُظهر هذه الإشكالية، لا لأنها وحدها تعاني منها، بل لأنها تكشفها بأقصى درجات الحدّة، غير أن المقصود هنا ليس الإسلام بوصفه ديناً، ولا الحركات الإسلامية بوصفها طيفاً واسعاً ومتعدداً، بل نمط محدد من التنظيمات العقائدية المغلقة التي تبني شرعيتها على احتكار الحقيقة، وتمنح نفسها سلطة تعريف الإيمان والانحراف، والشرعية واللاشرعية، والانتماء والخروج عن الصف المؤمن.
في هذا النمط، لا يكون الاختلاف اختلافاً في الرأي أو الوسائل، بل يتحول سريعاً إلى مسألة تمس جوهر الشرعية نفسها، فمن يمتلك تعريف الحقيقة يمتلك حق الإقصاء، ومن يمتلك حق الإقصاء يملك إعادة تشكيل الجماعة، وهكذا ينتقل الخلاف من المجال السياسي إلى المجال الوجودي، ومن إدارة الاختلاف إلى إعادة تعريف من يحق له الانتماء أصلاً، وفي كليهما تحضر "الفتوى"، ويحضر "الفقه"، ويتدخل الله في شؤون البشر، بما يجعله "شهيداً" في فقه جماعة أو "قتيلاً" لجماعة من الفقه المضاد، ولكل منهما "يقينه المغلق"، ومن أكثر اللحظات دلالة على طبيعة هذا اليقين المغلق، تلك التي يتحول فيها الخطاب الديني نفسه إلى أداة لإدارة الصراع الداخلي، ففي بيئات "احتكار الله"، لا يُستخدم التكفير فقط في مواجهة الخصم الخارجي، بل يمتد تدريجياً إلى داخل البنية نفسها، بحيث تصبح الفتوى جزءاً من هندسة الانقسام لا مجرد توصيف فقهي له، وبالوسع التدليل على هذا من التاريخ القريب للحركات الجهادية، بما يقدم أمثلة واضحة على ذلك، وإن اختلفت السياقات والظروف:
ـ الساحة الأفغانية وما تلاها، شهدت تشكلاتها التنظيمية حالة من التنازع حول الشرعية الدينية والسياسية بين فصائل خرجت من رحم التجربة نفسها، ثم أعادت تعريف بعضها بعضاً خارج دائرة "الشرعية" أو داخل "دائرة الانحراف"، ففي السياق العراقي بعد 2003، بلغ هذا المنطق ذروته حين تحولت الخلافات التنظيمية إلى صيغ دينية تُعيد تصنيف الفاعلين أنفسهم داخل هرمية الإيمان والبراء، فثمة من يقيم زواجاً شرعياً مع الله، وثمة من يكتفي بالمساكنة، فيما سنعثر على من يعلن طلاقه مع كليهما، بحيث لم يعد الخلاف متعلقاً بالوسائل أو الأولويات، بل بحدود الانتماء العقدي ذاته.
في الحالة السورية، ظهر نمط مشابه ولكن أكثر تشظياً، حيث لم تعد خطوط الفصل بين التنظيمات مستقرة، بل متحركة، يعاد رسمها باستمرار وفق متغيرات ميدانية وأيديولوجية، وقد أدى ذلك إلى إنتاج سلسلة من الأحكام المتبادلة بالإقصاء، بحيث لم يعد "العدو" محصوراً في الخارج، بل أصبح حاضراً داخل البنية الجهادية نفسها، سواء بين التنظيمات أو داخل التنظيم الواحد في لحظات الانقسام.
اقرأ أيضاً:
الأهمية التحليلية لهذه الظاهرة لا تكمن في مضمون الأحكام الفقهية بحد ذاتها، بل في الوظيفة التي تؤديها، فالفتوى هنا لا تعمل كأداة تفسير للنص، بل كأداة لإعادة توزيع الشرعية داخل المجال السياسي المغلق، دون نسيان أنها لا تجيب عن سؤال "ما الحكم؟"، بقدر ما تعيد تعريف سؤال "من يملك حق القول بالحكم؟"، وبذلك تتحول إلى آلية فرز داخلية، تُستخدم لتثبيت الانقسام أو شرعنته أو تسريعه، وهنا يتضح أن التكفير الداخلي ليس انحرافاً طارئاً عن البنية، بل نتيجة منطقية لنظام معرفي يعتبر الحقيقة واحدة، ويجعل من الاختلاف تهديداً لها لا تنوعاً داخلها، ففي اللحظة التي تصبح فيها الحقيقة غير قابلة للتعدد، يصبح الاختلاف خطأً في الجوهر، وليس مجرد اختلاف في الفهم، وعند هذه النقطة، تتداخل السياسة بالفقه، والتنظيم بالعقيدة، بحيث يصبح كل خلاف تنظيمي قابلاً لإعادة صياغته بلغة دينية حاسمة.
هنا، يمكن القول إن الفتوى في هذه السياقات تؤدي وظيفة "إغلاق المعنى"، أي تحويل التعدد الواقعي إلى تصنيف نهائي، يحدد مواقع الأفراد والجماعات داخل بنية مغلقة من اليقين، وكلما اشتدت الحاجة إلى ضبط الانقسام الداخلي، ازدادت قابلية هذا النظام لإنتاج مزيد من التصنيفات الإقصائية، لا بوصفها خروجاً عن الأصل، بل بوصفها محاولة لحماية الأصل نفسه من التشظي.
من هنا تنشأ المفارقة الأساسية:
ـ حركات ترفع شعار وحدة الأمة، لكنها تنتهي عملياً إلى إنتاج انقسامات داخلية متكررة، وهي الصيغة التي يتوقع الكثيرون (وانا منهم)، أن تعمم نفسها على تلك الفصائل الجهادية في سوريا، وهي الفصائل التي كلما زاد عددها قلّ شأنها، ولهذا أسبابه، فمنطق الوحدة، حين يُبنى على احتكار الحقيقة، يتحول إلى آلية لإنتاج التفكك، فالوحدة هنا ليست تعددية متصالحة، بل تطابق قسري، وأي اختلاف يُقرأ باعتباره تهديداً لبنية الحقيقة ذاتها.
ـ وإذا ما حدث هذا (وسيحدث) فلابد أن يحدث على النحو التالي:
مع الزمن، تتسع دائرة الشك داخل التنظيمات.. تبدأ بالخصم الخارجي، ثم تمتد إلى الحلفاء، ثم إلى القيادات، ثم إلى الأعضاء العاديين، وفي كل أزمة، يُعاد تعريف "النقاء" بشكل أكثر تشدداً، ما يستدعي الجدال حول ماركة صباغة اللحية ومدى حف الشاربين أو إطلاقهما، بما يؤدي إلى انكماش مستمر في البنية الداخلية لهذه الفصائل، وهكذا لا يُحل الخلاف، بل يُعاد إنتاجه على مستوى أكثر حدة، عبر إعادة فرز، ليأخذ تسميات مختلفة، تسميات ما بين:
"نقي" و"منحرف"، "مؤمن" و"مشكوك بإيمانه"، وصولاً إلى "العصمة" و "الزندقة"، وكله ما قبل الوصول إلى الاستيلاء على "الدولة".
ما بعد الاستيلاء على الدولة ، كما في أفغانستان الأمس وسوريا اليوم، سنكون بمواجهة أسئلة أكثر صخباً، وربما اكثر دموية من الصخب، ما يستدعينا للتمييز مابين "التنظيم" والدولة"، فهذا النمط لا يمكن فهمه، دون هذا التمييز، ما بين"التنظيم" ما قبل الاستيلاء على "الدولة"، و"التنظيم" مابعده، ولنحاول تحديد ما أمكن:
ـ التنظيم العقائدي المغلق يقوم على التجانس والانتماء الطوعي، ويستمد قوته من الانسجام الداخلي العالي، أما الدولة، فهي كيان غير اختياري، يجمع المختلفين سلفاً، ويُجبر على إدارة التعدد لا إلغائه، مع إضافة أن التنظيم يقوم على "الولاء والبراء"، فيما الدولة تقوم على "القانون".
ـ "التنظيم" يبحث عن "المؤمن"، بينما "الدولة" تدير "المواطن".
ـ التنظيم يعيش في لحظة "الحرب"، بينما الدولة لا تستمر إلا في "السلم".
ومن هنا تنشأ الإشكالية الجوهرية:
ـ حين يحاول التنظيم العقائدي الانتقال إلى الدولة دون إعادة تعريف ذاته، فإنه يصطدم ببنية اجتماعية لا تقوم على التجانس، بل على التعدد البنيوي في المصالح والثقافات وأنماط الحياة، وتصبح الأدوات التي أنتجت "قوة التظيم" في الحرب غير كافية لإدارة المجتمع.
في هذا السياق، يظهر ما يمكن تسميته بـ"حضارة السوق"، وتلك حال "الحالة السورية"، ففي الحالة السورية، بوصفها بنية تاريخية مدينية تشكلت عبر قرون من التبادل التجاري والحرفي والصناعي، فالسوق ليس مجرد مكان اقتصادي، بل مؤسسة اجتماعية تنتج نمطاً من القيم:
ـ الاستمرارية، الثقة، التفاوض، والسمعة، وهي قيم لا يمكن أن تعمل في سياق القطيعة الدائمة أو تحويل كل اختلاف إلى خصومة نهائية:
ـ السوق لا يحتاج إلى"مؤمن"، السوق يبحث عن "الزبون" وربما سيكون من اكثر أمثلة الأسواق تضرراً في بلد مثل دمشق، هو سوق "اتفضلي ياست"، السوق الذي ليس بالوسع استبداله بسوق "اتستري ياحرمة"، مع ملاحظة الأجواء الاحتفالية في هذا السوق لنساء يبحثن عن "بدلات الرقص"، وخزائن الموضة الحديثة التي لن تكون إلاّ على التضاد من "أسواق الساطور" وفضيلة "بالذبح جيناكم".
السوق هنا، بوصفه بنية اجتماعية، يعلم أن استمرار العلاقة، مع الزبون أعلى شأناً وأهم من انتصار"الشيخ العرعور" على مصممة الأزياء "كوكو شانيل"، فإذا ما خسر اليوم، فلن تعني خسارته نهاية المعركة، بل إمكانية إعادة التفاوض عليها، ومن هنا تتشكل أخلاق مدينية غير مكتوبة، قوامها البراغماتية اليومية، وإدارة التعدد بدل القضاء عليه، وفي هذا الفضاء، لا يمكن للاقتصاد أن يعمل في ظل اليقين المطلق، بل في ظل تفاوض دائم بين مصالح متباينة.
هذا النمط من الحياة ينعكس على البنية الاجتماعية الأوسع في المدن، حيث تتشابك مصالح التجار والحرفيين والموظفين ورجال الدين في شبكة معقدة من العلاقات التي تتطلب استقراراً نسبياً، وقواعد قابلة للتوقع، ومجالاً عاماً لا يُختزل في هوية واحدة، وهكذا تنتج المدن المدينية ثقافة تميل إلى التسوية أكثر من الحسم، وإلى التوازن أكثر من الإقصاء، فالمدينة (أيّ كانت)، لابد وتكون طاردة "للعقائد"، إن لم تتصالح العقائد مع حقائق المدينة، وإذا لم يحدث هذا التصالح، فأحدهما سيأكل الآخر، وإلاّ كيف تشتعل الحروب الأهلية؟
التنظيم العقائدي يقوم مهما زيّن واجهته، على منطق مختلف جذرياً، فهو لا يرى في المجتمع شبكة مصالح متعددة، بل ساحة يجب إعادة تنظيمها وفق تصور واحد للحقيقة (تصوره هو)، وبالتالي، فإن التعدد لا يُفهم بوصفه بنية اجتماعية، بل بوصفه خللاً ينبغي تصحيحه، وهنا ينشأ التوتر البنيوي بين "حضارة السوق" التي تتغذى على التعدد، و"أيديولوجيا التنظيم" التي تميل إلى تقليصه وصولاً إلى "حبسه" في عمامة أو جلباب أو منبر.
في لحظات الحروب، او ما بعد استيلاء التنظيمات الجهادية على السلطة، يمكن لهذا التوتر أن يُخفى مؤقتاً، فالحرب تُنتج ثنائيات حادة تبسّط الواقع إلى "صديق"و"عدو"، ما يمنح التنظيم تماسكاً ظاهرياً، وربما "نشوة انتصار"، اكثر شبهاً بـ "الحَبَل الكاذب"، تغيب عنه الدورة الشهرية، ويشتهي البطيخ في غير مواسمه، لكن نشوة الحَبَل هذه، وذاك التماسك ينهاران فور الانتقال إلى إدارة الحياة اليومية، إلى إدارة الدولة، حيث تصبح الأسئلة أكثر تعقيداً:
ـ كيف تُدار المصالح المتعارضة؟
ـ كيف يُنظم الاختلاف دون تحويله إلى صراع تناحري دائم؟
وكيف تُبنى مؤسسات تتعامل مع مجتمع لا يمكن اختزاله في هوية واحدة؟
هنا تتضح حدود النموذج التنظيمي، فالأدوات التي تنجح في التعبئة لا تنجح في الإدارة، واليقين الذي يمنح القوة في الحرب يتحول إلى عبء على الدولة، والتمييز الحاد بين "نحن" و"هم" يصبح غير قابل للاستمرار حين يصبح الجميع داخل الإطار السياسي نفسه، أي داخل "الدولة".
هذا التوتر لا يمكن فهمه دون الانتقال إلى طبقة أعمق تتعلق ببنية "اليقين" ذاته داخل النفس البشرية، فالتنظيم العقائدي ليس مجرد كيان سياسي، بل هو أيضاً آلة لإنتاج اليقين، واليقين، في جوهره، ليس مجرد موقف معرفي، بل حاجة نفسية وأنتربولوجية، فالإنسان، في سياقات عدم الاستقرار، يميل إلى البحث عن سردية مغلقة تمنحه تفسيراً شاملاً للعالم، ذلك أن التعدد يفرض عبئاً معرفياً ونفسياً، لأنه يعني أن الحقيقة موزعة، غير محتَكَرة، وأن القرار مفتوح، وأن المعنى غير مكتمل،أما اليقين المطلق فيقدم راحة مؤقتة:
ـ كل شيء واضح، وكل اختلاف يمكن تفسيره ضمن إطار واحد، ولابد أن يعفيه "يقينه" هذا من أن يُفكّر، أو يُشغّل عقله، ولهذا قالها المعرّي: "الناس اثنان، عاقل لادين له، وديّن لاعقل له"، ولم يكن المعرّي ليقصد إهانة رجال الدين، بقدر ما كان يدرك بأن "يقينهم"، يُعفيهم من إجهاد أدمغتهم، وكلنا على علم بأن إجهاد العقل يُقصّر العُمر، ليريح يد الله من التدخل في قصفه.
لكن إراحة العقل هذه ليست دون اثمان، وقد تكون اثمانها دموية وقاتلة، فكلما ازداد اليقين صلابة، تقلصت القدرة على تحمل الاختلاف، وما يبدأ كحاجة نفسية إلى المعنى، يتحول إلى بنية إقصائية، لأن اليقين حين يُرفع إلى مستوى الحقيقة النهائية، يصبح كل اختلاف معه تهديداً وجودياً.
من هنا يمكن فهم التنظيم العقائدي المغلق بوصفه بنية لإنتاج اليقين المكثف، فهو لا ينظم السلوك فقط، بل ينظم رؤية العالم نفسها، وهذا ما يمنحه قوة في لحظات التأسيس، لكنه يضعف قدرته على التكيف حين يصطدم بواقع متعدد لا يمكن اختزاله، وسيتظهّر ذلك لحظة الانتقال من "كهف العقيدة"، إلى "فضاءات الدولة"، وفي صيغة الدولة، ثمة احتمالان لاثالث لهما:
ـ إما أن تأكل العقيدة نفسها، وإما أن تأكلها الدولة.
وسينطبق هذا ليس على الحركات الجهادية الإسلامية وحدها، وإنما سيطال كل "عقيدة" تدّعي الفضيلة، وتصاب بـ "الحَبَل الكاذب"، ولنا في نهايات "الستالينية" مثالاً ساطعاً عن تلك الهزيمة التي ألحقتها سندويشات "ماكدونالد"، وبناطلين "الجينز" بـ "الرفاق السوفييت" وبـ "الرفيق الأعلى"، فقد فرض انتصار الدولة على العقيدة، نقل جثمان جوزيف ستالين من جوار ضريح ف.ا. لينين في الكرملين، إلى مقبرة بجوار سور الكرملين خلال حملة إزالة تمجيد ستالين، صاحب العقيدة التي لايصيبها الملل لامن فوقها ولا من تحتها.
كل ذلك حدث، ويحدث، وسيحدث في حروب هذه التنظيمات مع "السوق الكافر" و"الدولة" وقد كبّلتهما العقيدة وانتهكتهما، ولكن كيف سيكون حال العقائد مع نفسها؟
ستكون الانقسامات الداخلية، وفي هذا المستوى، فالانقسامات الداخلية ليست مجرد خلل تنظيمي، بل نتيجة طبيعية لبنية تُحوّل الاختلاف إلى تهديد وجودي، فكل مراجعة تصبح اختباراً للهوية، وكل اختلاف يتحول إلى مسألة إيمان، وكل انقسام يُعاد إنتاجه بوصفه معركة على الحقيقة ذاتها.
كل ما سبق من كلام، لايدّعي الـ "حتمية التاريخية"، كما لا يدّعي حكماً نهائياً على تجارب بعينها، بل إطاراً لفهم التوتر البنيوي بين ثلاثة مستويات:
ـ التنظيم العقائدي، والدولة الحديثة، والمجتمع المديني القائم على "حضارة السوق".
بين هذه المستويات الثلاث، يتحدد مصير الانتقال من الجماعة إلى الدولة، ومن اليقين المغلق إلى التعدد القابل للإدارة.
ولعل السؤال الأهم الذي يبقى مفتوحاً هو:
ـ هل يمكن تحويل التنظيم العقائدي المغلق إلى فاعل داخل مجتمع متعدد دون أن يفقد منطقه الداخلي بالكامل؟ أم أن هذا التحول لا يتم إلا عبر إعادة تعريف جذرية لمفهوم الحقيقة والسلطة والانتماء نفسه؟
هذا السؤال، كان قد أجاب عنه "الخليفة عبد الملك بن مروان" عندما وصله خبر أن الخلافة آلت اليه وكان يقرأ القران، فما الذي فعله؟
رمى القرآن جانبا وقال: "هذا آخر عهدنا بك.. هذا فراق بينى وبينك"، ذلك أن الرجل كان يميّز ما بين "العقيدة" و "الدولة"، فالعقيدة التي قد تأخذك إلى "جنّات" الآخرة، قد تقود الدولة إلى "جحيم الدنيا".
إن الإجابة عن هذا السؤال ليست نظرية فقط، بل هي ما تحدد، في العمق، مصائر التحولات السياسية في مجتمعات خرجت من الحروب الطويلة، وما إذا كانت قادرة على إنتاج دولة، أم ستظل عالقة بين منطق " التنظيم " ومنطق "السوق.. الدولة".
وسيبقى السؤال:
ـ أيهما سينتصر، سوق "اتفضلي ياست"، أم عقيدة "اتستري ياحرمة"؟
هو السؤال المطروح اليوم، أكثر من أيّ يوم سواه على بلد مازال يحمل اسم:
ـ سوريا.