حرق البيوت في السويداء عنوان مستجد على المقتلة السورية

حرق المنازل، هو ليس عقيدة، أو فكر، بل مجرد سلوك إجرامي مقيت، ردة فعل انتقامية، محاولة خسيسة للنيل من الخصم، فعل غدر، وإساءة موصوفة. قد تطول قائمة الوصف لهذا العمل الإجرامي الجبان، والذي ارتكبه مقاتلو الجولاني في تموز الماضي بالسويداء. هاجم السويداء مقاتلون ارهابيون مدججون بكل صنوف الأسلحة، وأبرزها الحقد والكراهية والطائفية، استباحوا منازل خاوية من مالكيها، والذين بنوها بالعرق والدم والشقاء، منازل تعود لسوريين من المفترض أن تجمعهم مع الغزاة الجدد رابطة الشراكة في الوطن، والإنتماء إلى عقد وثيق بالمواطنة المتساوية. إلا أن الفخ الذي أوقع الجولاني نفسه فيه، كشف مدى الكراهية، ومدى الحقد الأعمى الذي كان يغلي في صدور ميليشيا هيئة تحرير الشام التي تشكل عماد الجيش والأمن العام في البلاد.
لماذا نقفز إلى تيمة حرق البيوت، ونتجاهل كل أساليب القتل والتدمير والسبي والاغتصاب المنظم الذي مارسته ميليشيا الجولاني في السويداء؟
لأن حرق البيوت عنوان مستجد على المقتلة السورية الجديدة، كنا بنهب البيوت وتدميرها وقصفها ومحوها، حالياً أضاف السلطويون الجدد صفة إجرامية جديدة إلى ممارساتهم، وهي حرق المنازل، وتحويلها إلى رماد، يتطاير مع ريح السلطة المؤذي، ويخفي جريمة بشعة غير موجودة سوى في قواميس شركات التأمين.
في منطقة (اللوا)، هكذا يطلق أهالي السويداء على الريف الشمالي للمحافظة، وكذا في الريف الغربي للجبل، تحتل ميليشيا الجولاني نحو 36 قرية، جردها المقاتلون من مظهرها التقليدي، كقرى تضم منازل ريفية الطابع، بعمرانها البسيط، وانتشارها العشوائي ـ المنظم، وجمال حجارتها التقليدية التي تقاوم كل مظاهر البيتون المسلح. القرى التي أحرقها المقاتلون الارهابيون عقب سرقتها وتعفيشها وقتل من تبقى من سكانها، دليل على حجم التعبئة العقائدية التي ضختها قيادات سلطة الجولاني في نفوس مقاتليها، عقيدة تقوم على ثالوث الاغتصاب والقتل والحرق، فيما يأتي فعل السرقة وصفة النهب تكملة للجريمة، بل مجرد تفصيل بسيط في المعركة. نعم معركة مع جدران منازل تخبىء ذكريات أسرة، وضحكة طفلة، وتعب سنوات طويلة حتى تمكن الأهالي من تشييد بيت بسقف، وظل يتكىء إليه الأطفال في مواجهة التوحش المهول في الحياة.
اقرأ أيضاً:
معركة مع الأثاث، مع دلال القهوة، مع أواني المطبخ، مع حيطان مرسوم عليها بمحبة، مع جدران تتخللها أبواب واسعة للمضافات تقول للزائر:"أهلاً وسهلاً"، معركة مع صوت شيخ بشوارب ينادي على القادم من بيعد:"تفضل"، يقدم له الغذاء والماء، ويسبقهما بفنجان قهوة عربية، دلالة الثقة والاحترام والكرم والترحيب.
معركة مع الورود التي تزين مدخل كل بيت، مع الشجر الذي يفيء إليه أهالي الدار، مع شتلات الحبق التي تنشر عطراً يملاء الفضاءات. معركة حامية الوطيس ضد ألعاب الأطفال، وكتبهم ودفاترهم وحقائبهم المدرسية. معركة أشد قسوة مع شهادات جامعية معلقة في صدر كل مضافة، تزين البيوت بالعلم والمعرفة، وصور قديمة لأجداد وقادة وزعماء كسلطان باشا الأطرش والرئيس جمال عبدالناصر والمعلم كمال جنبلاط، تضفي نوعاً من الانتماء السياسي.
معركة مع تنور الخبز، مع العجين الذي ينتظر سيدات الجبل أن تخبزه، معركة مع مساكب الخضار، لسد الرمق، وخزانات مياه تروي الظمأ. معركة مع كل بئر ارتوازي يعيد الحياة لقرى على أطراف البادية، يهاجمها التصحر، ويقضمها الجراد.
ولماذا هذه العركة مع الحجر والأسمنت؟
هي مجرد محاولة للقضاء على العمران البشري في السويداء، والذي طالما تغنى ساكنوا الريان، بتنويرهم وسعيهم الدائم لإقامة دولة عدالة وقانون، ووطن مساواة وحريات. أن لاتستطيع قتل أهل الجبل الذين قاوموا بشراسة، فتنتقم من حجارة بيوتهم، وزرائب حيواناتهم، هو عمل غير مسبوق في العصر الحديث، هو إحياء لجرائم قديمة، ارتكبت عندما لم يكن يتوفر لدى الغزاة أدوات التدمير الشاملة، وأسلحة القصف القاتلة.
أكلت النيران نحو 12 ألف منزل حسب تقديرات أولية، لكنها مست شغاف قلوب الكثيرين، خاصة الذين وجدوا بيوتهم وفقاً للصور التي حصلوا عليها مجرد دخان يعلو في السماء. هل تظنون أن المجرم اكتفى بالحرق؟ لا، أرسل الصور الى أصحاب البيوت، وفيديوهات تعبر عن عمق المأزق، عن كنه الجريمة، عن جوهر الفاعل. استقووا بالنار والحرائق، فالنار تمحو، والنار لاتترك أثراً للجرائم، لكنها ـ أي النار ـ هي الجريمة بحد ذاتها.
بكت النسوة كل من قتل على يد ميليشيا الجولاني الهمجية، لكن المآقي لم تستطع حبس دموع الرجال عند مشهد فظيع، مشهد حرق البيوت، والذي هو حرق للقلوب، وتهشيم للذوات، وتحطيم للإرادة، وكسر للخواطر، بل هو الدمعة الأخيرة التي يحتفظ بها كل انسان ليذرفها على أغلى ما لديه.
لايوجد في السويداء سوق للعقارات، ولاتوجد مهنة (دلال البيوت)، ويتمسك الجبليون ببيوتهم بصلابة، حتى البيوت المهجورة تبقى شواهد حية في ذاكرتهم. يسأل شاري البيت في السويداء عن جيرانه، قبل أن يتوارد لذهنه ثمن البيت، يسأل عن التآلف والمحبة والتعاون في الحي والبناية، قبل أن يسأل عن مساحة البيت. المساحة هنا فضاء من العلاقات الانسانية، قبل أن تقاس بالمتر المربع، وثمنها هو حجم المحبة والالتزام الأخلاقي، وليس بالدولارات. لذلك تقوم عمليات البيع والشراء على مؤشرات انسانية وأخلاقية، ولاتستند إلى قانون العرض والطلب.
البيت بالنسبة لأهل الجبل هو بمثابة وطن مصغر، يختزلون فيه كل القيم النبيلة، ويرون فيه أفقاً للأمن والأمان، وملاذاً للسكينة والسلام، وحدوداً مقدسة. تجد العصافير الهاربة من توحش الطبيعة ملاذها في البيوت الجبلية لتبني أعشاشها، لا أحد يجرؤ على الاقتراب منها، حتى القطط الجائعة تبتعد عنها. في بيوت الجبل، وجد الهاربون من ظلم النظام البائد ملاذهم، حيث لم تُنصب خيمة، ولم تُطرد عائلة نازحة، ولم يُمس مهجر بسوء، في محاكاة تاريخية بأن الجبل كان ملاذاً للهاربين من بطش الاحتلالين العثماني والفرنسي والدكتاتوريات السورية اللاحقة.
فشل الجولاني في الجبل، كغيره ممن هاجموا الجبل سابقاً بعقلية الغازي، وذهنية الثأر. بدد الفرصة الوطنية الجامعة، بأن أرسل غزاته للقتل والاغتصاب والسرقة والمس بكرامات الناس، بددها بالإجرام كعقيدة يتيمة يكتنزها، لذلك حرق كل شيء، حتى مراكب العودة قرر حرقها، وصاح في لحظة الخسارة أنه "وقع بالفخ". وقع بالفخ مرتين، الأولى عندما استرق الضوء الأخضر من الخارج ليدمر السويداء، والثانية عندما وجد في الجبل سوريون لايقهرون، وغير مستعدون للرضوخ، هناك لم يستطع الجولاني أن يقرأ ما يصوغه الجبليون من فلسفة بسيطة لحياتهم "الموت بكرامة أو العيش بكرامة"، ربما هذه المفردة "الكرامة" جديدة على قاموس الجولاني، المتنقل من فصيل إرهابي إلى أخر. والكرامة بالسويداء مرتبطة وثيقاً بالمنازل والبيوت، صحيح أن بعض البيوت أُحرقت، لكن الكرامة هناك زادت، ونجت السويداء من الإبادة.