موسم الزيتون في السويداء: ظلال من المرارة والغياب

في ريف السويداء، لم يعد موسم الزيتون طقساً لجني المحصول وعصره، بل مرآةً لفقدٍ. هناك، تختلط رائحة التراب برماد البيوت، ويغدو القطاف فعلاً رمزيّاً لمقاومة الغياب أكثر من كونه موسمَ حصاد. بين مرارة الطعم ومرارة الواقع، تكتب الأشجار ما تبقّى من الحكاية، شاهدةً على الأرض التي تُسرق مرّتين: مرّة بالقوة، ومرّة بالنسيان.
ينتظر أهالي الريف الشمالي والغربي في محافظة السويداء، في مثل هذه الأشهر من كل عام، موسم قطاف الزيتون. يترافق القطاف مع شهر "المونة"؛ حيث تُجفَّف عصائر الطماطم والعنب على الأسطح بعد أن تُعرّض للشمس لتكثيفها وتخزينها لاحقاً.
يعتمد الأهالي على شجر الزيتون واللوز والعنب، فلا يكاد بيت في الأرياف يخلو من شجرة واحدة على الأقل. ويُعتبر الزيتون شرياناً أخضر يقاوم التصحر وتراجع القمح والمحاصيل البعلية، ومصدراً للرزق كما للانتماء.
اقرأ أيضاً:
لكن تموز الفائت كان أثقل من كل مواسم الجفاف السابقة. لم تجف الأرض فحسب، بل انكسرت أرواح ساكنيها. كانت منازل القرى خالية من أصحابها، وأسقفها التي اعتادت أن تفوح منها رائحة المونة صارت فارغة إلّا من رماد. شمس تشرين التي كانت تنضج عناقيدها، طبخت هذه المرة بترابها أجساد أبناء الريف الذين سقطوا في الاجتياح الأخير حين اقتحمت القوات الحكومية والعشائر المسلحة القرى الشمالية والغربية من المحافظة، مخلفة وراءها بيوتاً متفحمة وجثثاً لم تنل حتى ترف دفنها.
تزامن ذلك مع حملة إعلامية رسمية حاولت تصوير الخراب بوصفه "إعادة ترميم". فقد نشرت صفحة "محافظة السويداء" التابعة للسلطة الانتقالية مشاهد من داخل القرى المهجّرة، ظهر فيها المحافظ مصطفى البكور يتجوّل بين الأنقاض برفقة أشخاص مجهولين على أنهم "يستعدون لعودة الأهالي إلى قراهم". تلقّف أبناء المنطقة تلك المشاهد بسخطٍ وغضبٍ عارم، واعتبروها عبثاً بذاكرة المكان وطمساً لمعالم الجريمة.
وفي الوقت نفسه، تداول ناشطون تسجيلاً صوتياً يكشف تورّط شخصيات مرتبطة بالسلطة الانتقالية في عمليات سرقة منظّمة للمشاريع الزراعية في القرى المهجّرة، ولا سيما المزرعة والثعلة والدور. التسجيل وهو مكالمة بين "أبو مروان زياد المرعي" أحد أعوان السلطة والمنحدر من مدينة حلفايا، و"أم محمد" صاحبة ورشة لقطاف الزيتون في خربة الورد أظهر تنسيقًا مباشرًا مع "العميد نزار الحريري" لتسهيل دخول ورشات تعمل تحت غطاء رسمي مزعوم، مُنحت أوراق مرور لتجني محاصيل الزيتون في أراضٍ نزفها أصحابها قسراً. كان المشهد كله أشبه بموسمٍ يُقطف فيه الوجع بدل الثمار.
الكاتب والروائي ممدوح عزّام، ابن قرية تعارة في الريف الغربي، كتب يومها على صفحته: "المحتلون سرقوا الموسم كله، وحرموا أهل القرى من لغة الله." هكذا تحوّل موسم الزيت إلى موسم نهبٍ مقنّع. السلطة تحصد ما لم تزرع، وتدّعي الإصلاح وهي تمارس الخلع؛ خلع الأرض من أهلها، والشجرة من ذاكرتها.
أنا واحد من أبناء ذلك الريف. أنتمي إلى قرية "الصورة الصغيرة"، الواقعة في منتصف المسافة بين دمشق والسويداء. الزراعة هي المصدر الرئيسي للدخل كما في سائر القرى. زرع أبي بجانب بيتنا أشجار الزيتون والتفاح والمشمش، وإلى جوارها زيتونة ضاربة في بازلت المكان، كأنها أحد أعمدة القرية الأثرية. غرسها جدّي قبل أن يزرع أبي في رحم جدّتي. كانت الزيتونة تتوسّط الحديقة كالأكثر حكمة في مجلس الأشجار. سمّاها والدي "أم سليم" على اسم جدّتي، وفاءً لعنادها وصلابتها. أصيبت جدّتي بالزهايمر، فحملت عنها الزيتونة ذاكرتها وتجاعيد المكان.
في السادس عشر من تموز، اقتُلعنا من بيوتنا كغصنٍ، غضٍّ يأبى الفطام من زيت الأرض. سرنا نجرّ وراءنا ذاكرة مثقوبة، تَنِزّ منها الحكايا والتفاصيل. كانت "أم سليم" آخر من لوّح لنا بصمتها. ولا نعلم حتى الآن إن كانت ما تزال تتوسّط الحديقة كقلبٍ نابض في رمادها، أم غدت شاهداً مزروعاً على نسيانٍ يشبه ما فعل الزهايمر بجدّتي؟.
في مثل هذا اليوم من كل عام، كان أبي يجمع حبّات الزيتون المتساقطة على الأرض، يضعها في وعاء ويرشّ عليها الملح الخشن. يغسلها ويكرّر العملية أياماً، ثم يجلس إلى مائدته الصغيرة ليأكل وجبته السنوية وكأنها نضجت على مهلٍ طوال العام. كنت أشاركه الوليمة وأتذمّر من "شرش المرار"، فيبتسم ولا يُلحّ عليّ بتناولها. ذلك الطقس كان سؤالاً مؤجلاً، أو لغة يتقنها أبي بطلاقة، بينما كنت أتلعثم في ألف بائها.
كبرتُ وأنا أعتقد أن المرارة عيبٌ في الطعم، ثم أدركت لاحقاً أنها نضج المعنى في ذواتنا، وعرقُ الأرض في أفواهنا، وأنها ما يجعل الزيتون صادقاً.
هذا هو أوّل موسمٍ للزيتون بعيداً عن قريتي المتفحّمة. حاولت أن أُعيد الطقس كما كان، فاشتريت كيلواً من الزيتون من أحد محالّ البقالة في المدينة التي لجأت إليها، وأضفت إليه الملح كما كان يفعل أبي. لكنني أدركت سريعاً أنني لا أعيش الطقس حقًّا، بل أمثّله أمام مرآة الغياب. لم أنتظر حتى ينضج الزيتون كما كنت أفعل في البيت. استيقظت صباحاً وتوجهت إلى الوعاء، أمدّ يدي إلى أول حبّةٍ كطفلٍ يرتدي ثياب العيد للمرة الأولى. أتناولها كأنني ألتهم قريتي في لقمةٍ واحدة، كأنها جرعة من الأدرينالين تُنعش القلب بعد ما أذبله الغياب. أحتسي الشاي بعدها ببطءٍ، لأُخفف وخز الذاكرة في فمي، لكن المرارة تبقى كفعل مقاومة ضد النسيان.
أدرك اليوم أننا لا نحب الأرض لأنها جميلة، بل لأنها أول ما مسّنا من العالم. و أن المرارة ليست نقيض الحلاوة، وأن الحواس ليست نوافذ على العالم، بل جسور إليه. نحن لا نرى الأرض فقط، بل نلمسها ونشمّها ونتذوّقها. وما نُملّحه لا نُحصّنه من الفساد فقط، بل من الغياب أيضاً.
لقد كان والدي يمتلك الشيفرة التي توصله بجذر التراب. الآن فقط أفهم أنه لم يكن يحب الزيتون بقدر ما كان يحب الطريق التي تسلكها المرارة من الفم إلى القلب، ذلك الممر الذي يشبه حبل السُرّة.
الانتماء لاذع كما الذكرى، لكنه الطعم الوحيد الذي يُبقيك حيّاً في ذاكرة الأرض. كل ما لامسناه في الطفولة — حتى الطعم والرائحة — يستمر فينا كجغرافيا داخلية لا تموت.