السويداء ..عيد الأضحى يوم للحداد العام

الصورة الرئيسية من الانترنت
للعام الثاني على التوالي، تغيب مظاهر عيد الأضحى في أسواق وشوارع وبيوت السويداء /100/ كلم جنوب سوريا.
فمع اقتراب العيد الذي يصادف أواخر شهر أيار الجاري، صدرت العديد من الدعوات الأهلية لإلغاء جميع مظاهر العيد لهذا العام، وعدم إقامة أي احتفال أو مظاهر فرح، احتراماً لدماء الشهداء، وتقديراً لوجع كل أم مكلومة وكل طفل يتيم.
وأملت الدعوات أن تعود البسمة إلى الوجوه وتُضاء البيوت بالأمان بعد هذا الوجع الكبير.
يُذكر أن عيد الأضحى العام الماضي جاء غداة مجزرة صحنايا وجرمانا وكمين طريق الشام في براق، فكان الحرم الاجتماعي حاضراً. لكن لم يطل الوقت حتى تعرضت السويداء لغزوة تموز 2025، والمجزرة الكبرى بحق السكان المدنيين، ما ألقى بظلاله على حياة الجميع في ظل الحصار والأوضاع المعيشية الصعبة، والانسداد السياسي لأي حل.
أيام العشر
ما قبل هذه المجازر، كانت طقوس عيد الأضحى حاضرة بكل تفاصيل الحياة في المجتمع الدرزي. فما إن يقترب ما نسميه "العشر"، حتى نرى حركة نشطة في البيوت والأسواق. تُنظَّف البيوت وتُرمَّم، وتُجدول مواعيد الأفراح، وتُحضَّر الحلويات، وتُشترى الثياب الجديدة. وفي مقدمة الاهتمام بالطبع؛ مواساة الأسر التي فقدت عزيزاً كي لا تكون وحدها وتشعر بالفقد.
في هذا العام 2026، السويداء كلها مكلومة، لم يخلُ بيت من قصة أو يحمل مأساة، وفي كل عائلة غصّة.
لقد اعتاد أهالي السويداء في عيد الأضحى على مواساة العائلات التي فقدت أحبّتها بعبارة: "كان حب علينا تعيدوا مجبورين الخاطر". وهو طقس يحمل طابعاً تقليدياً متوارثاً، لا دينياً؛ لكن عيد هذا العام سيكون وقعه ثقيلاً على الجميع. فالسويداء والدروز كلهم مكسورو الخاطر، فمن يواسيهم بعد هذا الخذلان والغدر؟ من يكفكف دمع السويداء؟
الجار الأردني الذي كشر عن أنيابه وأعمل سكاكينه في الجسد الغض، بحجة "محاربة المخدرات"؟ أو الذين جهزوا غازياً؟ أو الذين يعلنون جهاراً نهاراً أن عيدهم الأكبر سيكون عند إبادة الدروز والسويداء عن بكرة أبيها؟
عشية العيد، لا تملك السويداء من أمرها شيئاً، فاختارت ما تستطيع فعله، وهو التضامن والتآزر ضمن الأسرة المعروفية الكبيرة. لا أحد بعيد عن الآخر في السويداء، كلنا أقارب. هذا هو لسان حال الجميع. لا يعرف هذا إلا من يعيشه، وليس مهماً أن يكون واضحاً ومقنعاً للجميع، فهو حقيقة معاشة، وعدا ذلك تفاصيل غير ذات شأن.
اقرأ أيضاً:
تكهّن وتخبّط
اليوم في السويداء، المدينة وقراها القابلة للحياة وغير المحتلة، لا شيء يوحي بالأمان. الخوف والترقب يتسيدان الموقف. لا أحد يعرف متى وكيف ولماذا يبدأ قصف الأحياء، أو ما يسمى خرق الهدنة، وتهطل الهاونات أو الدرونات.
لا أحد ممن يسيطر على الوضع يملك إجابة بشأن الغد. الكل في حالة تكهن وتخبط. الإشاعات تفعل فعلها، وآلاف الأسر المهجرة تتقلب على حمم هذه الأقوال.
منذ مجزرة تموز 2025، أو ما بعد سقوط النظام السابق، لم تعد السويداء هي السويداء. ثمة أمر جلل حدث أو انكسر. بات عداد القتل مفتوحاً بشهية سلطوية أكبر؛ جنائز في كل بناء وحارة، أسر بأكملها أُبيدت، بيوت احترقت ونُهبت. نتحدث عن واقع حال المناطق القابلة للحياة، وليس عن 33 قرية منكوبة خالية إلا من جثث أبنائها الذين فتكت بهم السلطة وجيشها وعشائرها.
للتاريخ
وللحقيقة، لم يسبق للدروز عبر تاريخهم الحديث أن عاشوا لحظات كهذه إلا مرتين:
الأولى في عهد أديب الشيشكلي (1949–1954)، الذي شن حملة عسكرية دامية على الجبل في كانون الثاني 1954، أسفرت عن مقتل نحو 300 مدني. وقد رفض سلطان باشا الأطرش خوض مواجهة عسكرية مع الجيش السوري، حقناً لدماء السوريين وحفاظاً على وحدة البلاد، فلجأ إلى الأردن.
ومهّد الشيشكلي لهجومه الدموي على الجبل بحملة تحريض طائفية، شملت تكفير الدروز واتهامهم بالخيانة والعمالة. ولم يكن ذلك القصف الوحشي مجرد عقوبة جماعية لجبل الدروز، بل رسالة إلى بقية المناطق وإلى الأقليات، مفادها: إما الخضوع غير المشروط، أو التدمير.
أما المرة الثانية، فكانت في تموز عام 2018 عندما غزا تنظيم الدولة "داعش" قرى في المقرن الشرقي للمحافظة، وارتكب المجازر بحق أهلها، واختطف نساءً درزيات.
بين 25 تموز/يوليو 2018 وتموز 2025، مجزرتان ارتكبهما متطرفون بحق الدروز برعاية رسمية من الأنظمة القائمة. هذه حقيقة دامغة.
فما جرى في تموز 2025 لم يكن مجرد مجزرة، بل نكبة وجودية. عشرات القرى أُحرقت، ومئات النساء والأطفال اختُطفوا، لكن الجرح الأعمق لم يكن في الدماء، بل في مشاركة السلطة وصمتها عما حدث.
كانت "الفزعات" وبعض المواقف الاجتماعية هي الأكثر إيلاماً وولّدت الصدمة، فلم يعد الانقسام سياسياً بل وجدانياً، وشعر أبناء السويداء أنهم لم يُستهدفوا كمعارضين بل ككيان ينبغي محوه، وبدأ الانفصال النفسي عن المركز، "سوريا" كما عرفوها، يأخذ شكلاً ملموساً.
ومن يومها، وكل ما جرى على الأرض في السويداء يدل على جهل سلطوي ببنية المجتمع الدرزي. شخصياً لا أعرف بالضبط من يرسم خطط الفريق الحاكم في دمشق. أمر عجيب سوء فهمهم للمجتمعات المحلية. ألا يوجد لديهم مكاتب دراسات ولا استخبارات؟ يعتمدون على عقيدتهم والدعم الخارجي، ولا يستخدمون الفهم والعقل كأداة.
من أبلغهم أن السويداء يمكن أن ينتهي ملفها "ببوسة شوارب"؟
السويداء كان وضعها أسوأ من اليوم بألف مرة عندما واجهتهم بخطاب "يا غيرة الدين".
الدروز بطبيعتهم عنيدون ومقاتلون، حتى لو فنوا عن بكرة أبيهم يتمسكون بحقهم بالكرامة، ويقدسون حريتهم.
عدو لا يعرفك هو عدو سهل
إنهم، باختصار – أي السلطة – يجهلون كل شيء عن هذا الجبل، لذلك يمكن القول: عدو لا يعرفك، هو عدو سهل مهما كان قوياً. من البديهي أن أي قائد، حتى لو كان زعيم تنظيم أو مافيا، حين يتولى حكم بلد متعدد البُنى والانتماءات، ينبغي أن يكون على دراية بسيكولوجيا هذا المجتمع الذي يحكمه. وسوريا فسيفساء فريدة، وهذا ما ميزها عبر تاريخها. لكل مجتمع خصوصيته الثقافية والاجتماعية ضمن الإطار العام.
فأنا ابن هذا الجبل، وأعرف جيداً كيف تشكلت السويداء عبر قرون، وكيف حوّل أبناؤها هذا الغول الصخري إلى جنة وأرض عامرة بالحياة. أعلم ما خاضوه من معارك دفاعاً عن كرامتهم وأرضهم، وكيف تبلورت عاداتهم وتقاليدهم، وكيف نسجوا علاقاتهم مع جوارهم، في صيغة اجتماعية تختلف في بعض تفاصيلها عن دروز جرمانا وصحنايا وإدلب.
فقد استقر الدروز في الجبل على مراحل تاريخية متعاقبة، في سياق تحولات سياسية واقتصادية في بلاد الشام. ومع الزمن نشأ مجتمع متماسك، حوّل الطبيعة القاسية إلى بيئة مستقرة، وبنى منظومة قيم قوامها التضامن الداخلي، والمرجعية الاجتماعية، وحماية الكرامة.
هذه البنية تكونت عبر تجارب وصراعات وتسويات مع السلطات المتعاقبة، من العهد العثماني إلى الانتداب الفرنسي، ثم في ظل الدول السورية المتعاقبة. والتاريخ يُظهر أن العلاقة بين المركز والجبل لم تكن علاقة إخضاع كامل ولا انفصال كامل، بل علاقة شد وجذب، قوامها التفاوض والندية الاجتماعية.
لم تستقر أي محاولة لفرض الهيمنة بالقوة استقراراً طويل الأمد، لأن المجتمع المحلي يمتلك آليات داخلية للتماسك واتخاذ القرار. هذا توصيف لبنية المجتمع، لا تعالٍ ولا فوقية. كرامة الناس وحريتهم جزء من تكوينهم الجمعي.
اتركوني مما يردد الببغاوات، بمعنى: من الشيخ الهجري والأزرق وسلطة الشرع وجمهوره. سندع كل هذا خلف ظهرنا، ونسأل: هل يجرؤ أي عنصر من الأمن العام أو ما تسمونه جيشاً – إن وقع الهجري اتفاقاً شبيهاً باتفاق قسد – على دخول السويداء؟ من يضمن لهم حياتهم إن كان أهالي السويداء غير راضين؟ إلا إذا أراد الجولاني إرسالهم لحتفهم.
صدقوني، هذا الكلام ليس تباهياً ولا افتخاراً، وكلامي أبعد بكثير عن هذا المنطق. من يعرف عقلية أبناء الجبل يدرك أن القرار في النهاية قرار مجتمع يرى في صون كرامته وحريته أولوية لا تقبل المساومة.
فالقرار لأصحاب الأرض، وأولياء الدم وهم كثر. إن لم يرض الناس باتفاق يصون كرامتهم وحريتهم واستقلاليتهم، فاعلموا أنه لا اتفاق، ولن يكون هناك اتفاق. إنهم الدروز، لمن لا يعرفون.
خسروا في معركة المزرعة ما يعادل مجزرة تموز، وإلى اليوم لم ولن ينسوا شهداء 1925.
وتريدون منهم "تبويس لحى"؟!
حصاركم الاقتصادي وإعلامكم الغبي زادا من عزلة الجبل، بينما بدأ الجيل الجديد يبحث عن حامٍ خارجي.
ومن منظور الجغرافيا السياسية، ما يجري في السويداء ليس حدثاً محلياً، بل مؤشر لانهيار الدولة السورية كفكرة. فعندما تضطر جماعة تاريخية كانت رمزاً للسيادة الوطنية إلى طلب الحماية من الخارج، فذلك يعني أن المركز فقد معناه الأخلاقي قبل أن يفقد سلطته.
ومع نزيف تموز 2025، يستيقظ سؤال وجودي:
هل ما زال هناك وطن يمكن أن يُحمى؟ أم أن الجبل سيبقى آخر مساحة من السيادة الرمزية في وطن يتلاشى؟
ليست مأساة السويداء حدثاً طارئاً في الجنوب السوري، بل فصلاً جديداً في العلاقة المأزومة بين الجغرافيا والسياسة في سوريا. فمنذ الثورة السورية الكبرى عام 1925 وحتى مجازر 2025، ظل الجبل مرآة للكرامة السورية، كما ظل اختباراً حقيقياً لفكرة الدولة.
واليوم، حين يتحول "درع الجنوب" إلى جزيرة خائفة، لا يبقى أمام السوريين سوى مواجهة سؤالهم الأكبر:
هل يمكن أن تُبنى الدولة من جديد على أساس العدالة، لا على الخوف؟
فجبل الدروز يعيد تذكيرنا بأن الجغرافيا لا تقتل، بل تكشف من يقتل باسمها.
لا أخفي سراً إن قلت إنه منذ تموز 2025 باتت ذاكرتي خالية من الأسماء والأماكن. كرهت الكثير من المفردات والأسماء، وحذفت ذواكر مخيلتي. لم يعد يعنيني من شرق المتوسط إلا بضع كلم تختزن ذكريات الطفولة والصبا.
حدث انزياح داخلي لم يستأذنني، فإذا بي مسكون بالتفاصيل، ورائحة الأمكنة تملأ أنفاسي.
منذ مجزرة تموز تبدل موضوع الحكاية، وتبدل الاهتمام، بل حدث الاكتشاف والانكشاف معاً.
باتت السويداء محور الكون بالنسبة لي، أو هي خط الاستواء. معها تتضاءل الجغرافيا، ويُختزل التاريخ إلى تموز، وكل ما حولي لا يعنيني، عكس ما عشت عليه في فضولي الصحفي.
بت خبيراً محلفاً بأسماء الشهداء والجرحى، أعرف الكثير الكثير منهم، وعالماً طوبوغرافياً بأوضاع القرى. تعنيني البيوت المحترقة والمنهوبة، ويطربني صوت فرقة كورال صالح عكون أو تالا الخطيب.