أنت دُرزيّ... أنت مقتول!

قد لا ندرك قيمة الحياة حتى تُصوَّب البندقية إلى رأسك، ويسألونك السؤال الشهير القاتل: "إنت شو؟"
لن يشفع لك أن تقول لهم: "أنا سوري!"
"اشو يعني سوري؟" يردّ القاتل، "إنت مسلم ولا دُرزي؟"
"دُرزيّ"، وينهال الرصاص مع صيحات "الله أكبر".
إلى ما قبل الهجوم على مناطق عدّة يقطنها الدروز، في جرمانا وصحنايا والأشرفية وقرى الريف الغربي للسويداء، في نيسان/أبريل 2025، كانت كلمة "دُرزيّ" ثقيلةً على السمع، لكنها لم تكن قاتلة.
كان لا بُدّ لسلطة الاستثمار في الكراهية من استحضار شحنة تحريض عالية التوتر، فجاء بثّ تسجيلٍ مفبركٍ نُسب إلى الدروز وتضمّن النيل من النبي محمد، وسرعان ما تبيّن زيف هذا التسجيل.
أصدرت وزارة الداخلية في سلطة الجولاني، كأداء واجب، بياناً رسمياً أكدت فيه أن المقطع الصوتي مزوّر، لكن التسجيل كان قد فعل فعله في شارعٍ موتورٍ تسكنه نزعات الانتقام والحقد غير المبرّرة تجاه الآخرين. فقد حدثت تظاهرات في عدّة مدن سورية، وتصاعد الموقف بعد تظاهرات للطلاب في الجامعات، وأيضاً في الجوامع، داعين إلى قتل الأقليات، وخاصة الدروز.
إعدادات المصنع
لم يكن التطرّف وليد اللحظة أو حديث العهد، ولا من مفرزات الثورة السورية، بل من إعدادات المصنع.
لا يمكن تصوّر التراث ماضياً منقطعاً غير متصلٍ بحياتنا، فهذا خطأ علمي ومعرفي. كما إن تصوّره مرجعاً وحيداً ناظماً لمستجدات الوقائع والأحداث خطأٌ في حقّه وفي حقّ الحاضر والمستقبل معاً.
تتعدّد واقعًا صور حضور التراث - تاريخاً وديناً وعرفاً واجتماعاً وآثاراً - لكن أبرزها وأخطرها، بلا شك، هو حضوره المصمت المنغلق لدى جماعات التطرف الديني، وفي القلب منها السلفية الجهادية وتنظيماتها التي تعتقد أن للدروز درجة عالية من الكفر إلى جانب ارتدادهم. وبالتالي، فهم ليسوا جديرين بالثقة، ولا ينبغي أن يُغفَر لهم، ولا الإبقاء عليهم أحياء، بل يجب مصادرة ممتلكاتهم واستعباد نسائهم.
لم نسمع صوتاً من السلطة أو من رجالات السنّة يُخرس هذا الجحيم. من هذا المنطلق جاءت "الفزعة" على الساحل، ثم جرمانا والأشرفية، ثم غزو السويداء.
الفكر نفسه يُحرّك آلاف المجرمين المسلّحين التكفيريين في الشوارع والجامعات، وعلى منصّات التواصل. يريدون إبادة الجميع، بالعقوبة الجماعية، وبأيّة حجّة كانت.
أما السلطة العاجزة عن بناء أيّ خطاب وطني جامع، فتقف متفرّجة ومبرّرة، منتشية بالسيطرة بالسيف.
تتردّد على الألسن حقيقة صارخة تتعلّق بتطوّر مراحل "العيش المشترك" في سوريا: من "أنت سنّي أم شيعي؟" إلى "أنت سنّي أم علوي؟" إلى "أنت سنّي ولا دُرزيّ؟" وربما قريباً، في تطوّر لافت: "أنت عربي أم كردي؟" هكذا يتدحرج الخطاب الطائفي ليشمل الجميع.
اقرأ أيضاً:
بداية قاتلة
في أواخر نيسان/أبريل 2025، بدأت الهجمات على المناطق الدرزية. كانت هجماتٍ مفاجئةً ودموية، وجرت بوتيرة متصاعدة من دون مبرّر واضح. وقد بدت في ضوء سياقها وتوقيتها وأدواتها، وكأنها مُدبّرة سلفا، بهدف صبّ الزيت على نار التوتر الطائفي، لا سيما أنها استندت إلى التسجيل المفبرك وانتشار خطاب الكراهية الطائفية على شبكات التواصل الاجتماعي، وشيطنة مكوّنات مجتمعية معيّنة، وتغذية مشاعر الخوف والانقسام.
أسفرت اشتباكات جرمانا عن مقتل 17 شخصاً، وامتدت إلى صحنايا وأسفرت عن مقتل 22 شخصاً. كان الغرض الحقيقي من هذا الهجوم هو تجريد الدروز من السلاح وإخضاعهم بالقوة لسلطة النظام الجديد.
جاءت تلك الأحداث غداة مناخٍ من التوتر المجتمعي الحادّ بعد ما جرى في الساحل السوري مطلع آذار/مارس 2025 من أحداث دامية، وتعثّر الاتفاق بين سلطة دمشق وقسد.
ترك ذلك أثراً نفسياً ومجتمعياً عميقاً أسهم في تعميق الانقسامات بين السوريين، وشكّل بيئةً خصبة لتأجيج الفتن لاحقاً.
في هذا السياق المشحون، بدا أن أيّ حادثة، ولو كانت مفبركة مثل التسجيل الصوتي، يمكن أن تتحول إلى شرارةٍ تُفجّر الوضع.
السويداء في قلب الأحداث
بعد الأحداث في جرمانا والأشرفية وصحنايا، بلغت تداعيات الاشتباكات السويداء .وكانت قرية "الصورة الكبرى" قد تعرّضت لهجومٍ مسلّح من مجموعاتٍ غير منضبطة، وحدثت العديد من الانتهاكات فيها.
مثّلت السويداء ساحة اختبار حقيقية لقدرة الحكومة الانتقالية على التعامل مع التعدّدية الداخلية والاحتواء السياسي وضبط التسلّح خارج المؤسسة العسكرية.
كما كشفت أحداث جرمانا وصحنايا هشاشة الوضع وصعوبة بناء نظام سياسي قادر على استيعاب التنوّع وإدارته، من دون الوقوع في فخّ الطائفية أو الفوضى .فالنجاح في احتواء التوترات يتطلّب أكثر من اتفاقاتٍ أمنية، إذ يحتاج إلى مشروع دولةٍ يقوم على الشراكة والعدالة والوضوح المؤسسي، بعيدًا عن منطق المحاصصة أو الاقتسام.
أيش يعني سوري؟
في تموز/يوليو، رفع منير الرجمة يديه في محاولةٍ يائسة للنجاة. لم يكن يحمل سلاحاً، ولا حتى حجراً، فقط كلماتٌ تخرج من فمه المرتجف يحاول بها إقناع قاتليه بالتراجع. قال لهم: "سوري". لكنّ الإجابة جاءت باردةً قاطعة: "أيش يعني سوري؟ دُرزي ولا سنّي؟"
تلعثم، تردّد، ثم قال بصوتٍ خافت: "يا أخي، دُرزي". فأطلق عليه المسلّح الرصاص من دون تردّد.
لم يكن ذنب منير الرجمة وتالا الشوفي وآية سلام، والآلاف غيرهم، إلّا هويتهم. الهوية التي ذهب من أجلها القتلة وسألوا عنها، قبل أن يفتحوا نيران حقدهم على النساء والأطفال والمسنين.
لم يكن هذا الفيديو حالةً استثنائية، بل واحداً من مشاهد كثيرة توثّق عمليات إعدامٍ ميدانية طائفية، وجزءاً من سلسلة عمليات قتلٍ طائفي يومي 15 و16 تموز/يوليو الماضي، داخل أحياء السويداء وقراها.
تحريض منظّم
المجزرة تبدأ بالكلمات. قبل غزو السويداء، كان التحريض ضد الدروز قد بلغ مداه.
بدأت القصة أواخر نيسان/أبريل، على أثر التسجيل الصوتي، كما انتشر مقطع فيديو لطالبٍ في جامعة حمص دعا فيه المسلمين إلى "الانتقام الفوري" من الدروز، مما أجّج "عنفاً طائفياً" في أنحاء متفرقة من البلاد.
تعالت المفردات التحريضية في الجامعات، فهرب الطلاب الدروز، وخلت الجامعات من أيّ درزيّ. ونُعت الدروز بالانفصاليين والخونة وأصدقاء إسرائيل.
كما جاءت حملات التحريض وخطاب الكراهية ضد الدروز على منصات التواصل الاجتماعي انعكاساً لحال الشارع السنّي في سوريا، فلم تصدر أيّ فتوى أو خطبة جمعة، ولم تُسجَّل أيّ ردّة فعلٍ شعبيةٍ تستنكر أو تندّد بالهجوم على السويداء، باستثناء الموقف المعلن والمتفرّد للكرد في مناطقهم.
لم يتوقف مستوى التحريض ونِسَب الكراهية عند حدٍّ معيّن. كلّ الرموز الدينية والوطنية والشخصيات الفنية والإعلامية تعرّضت للإهانة.
العديد من الحسابات التي قادت التحريض ضد الدروز استخدمت مفرداتٍ عدائية واضحة ربطت بينهم وبين "الإرهاب" و"الخيانة"، أو استخدمت لغةً طائفيةً صريحة ضمن حملاتٍ منظّمة.
أما المفردات الأكثر شيوعًا فكانت: "خونة"، "كفّار"، "عملاء"، إضافةً إلى "إرهابيين"، "باطنيّة"، "زعران"، "كلاب"، "قرود"، "جواسيس"، وغيرها.
جرح قديم
المسألة بين الدروز والسلطة المركزية في دمشق لا تتعلّق بموقفٍ ظرفيٍّ من دستورٍ أو حكومة، بل بصدامٍ مزمن بين مطالب المكوّنات بالعدالة واحترام التعدّدية، ونزعة السلطة إلى الإقصاء والاحتكار.
منذ دخول السوريين حقبة الاستقلال في أربعينيات القرن الماضي، بدأت مرحلةٌ جديدة من التوتر.فبدلاً من تكريم جبل العرب الذي قدّم أكثر من نصف شهداء الثورة السورية الكبرى، جرى تهميشه ومعاقبته من حقبة الرئيس شكري القوتلي إلى أديب الشيشكلي حيث كانت حقبته الأكثر دموية، إذ شنّ حملةً عسكرية دامية على الجبل في كانون الثاني/يناير 195، أسفرت عن مقتل نحو 300 مدني. وقد رفض سلطان باشا الأطرش خوض مواجهةٍ عسكرية مع الجيش السوري، حقناً لدماء السوريين وحفاظاً على وحدة البلاد، فلجأ إلى الأردن.
الشيشكلي مهّد لهجومه الدموي على جبل العرب بحملة تحريضٍ طائفية شملت تكفير الدروز واتهامهم بالخيانة والعمالة. فما أشبه عام 1954 بعام 2025، في مفارقةٍ دامية.
لم تكن علاقة جبل العرب مع نظام البعث أفضل حالًا. فقد استأثر حافظ الأسد بالسلطة، فأنشأ دولةً بوليسية قمعية عملت على إضعاف الزعامات الدرزية التقليدية واستبدالها بقياداتٍ طيّعة.
حين بدأت الانتفاضة السورية تتنامى في ربيع عام 2011، كان الوضع في "جبل الدروز" متأججاً، فانطلقت الاحتجاجات في السويداء. إلّا أن الأجندة السياسية المختلفة للمعارضة السورية لم ترقَ إلى توقّعات الدروز، فحاولوا اتّباع سياسة الحياد تجاه الصراع بين النظام والمعارضة، ما أثار حفيظة النظام السوري الذي رأى في هذا الموقف تهديداً لشرعيّته، سيما مع تشكيل فصائل محلّية في السويداء فرضت منعًا لأيّ تجنيدٍ إجباري لأبناء المحافظة في جيش النظام السابق.
بعد السقوط، طالب الدروز حكومة دمشق الانتقالية بدستورٍ يضمن حقوق السوريين، وهو الأمر الذي لم يتحقّق مع الوقت، تزامناً مع رفض الفصائل المحلية في السويداء والمناطق المذكورة سابقاً بريف دمشق تسليم سلاحها الخفيف والمتوسط، وحصره بيد الدولة؛ الأمر الذي فجّر أكثر من حادثة اشتباك بين هذه الفصائل وعناصر تقول الحكومة السورية إنها تتبع لفصائل خارجة عن سيطرتها.
كرّرت حكومة "الشرع" الممارسات القديمة تجاه دروز سوريا، بدءاً بحملات التكفير والتحريض الإعلامي واتهامهم بالعمالة لإسرائيل.
يجب فهم العلاقة المتوترة بين جبل العرب والنظام الجديد ضمن هذا السياق السياسي والإيديولوجي علاوةً عن تداعيات الصدامات العسكرية - المشار إليها سابقاً - بين الفصائل المسلحة التابعة للنظام، والشباب الدروز الذين حاولوا الدفاع عن بلداتهم، خوفاً على أهاليهم من التعرض لمجازر مشابهة لتلك التي وقعت في بلدات الساحل السوري. وتثبت ممارسات النظام الجديد بوضوح استمرار سياسة التهميش وتبرير العنف والاضطهاد الديني ضد الأقليات عامةً، والدروز خاصةً.
وخلال سنوات الحرب، تعرّض الدروز لأعمال عنفٍ من قِبل الفصائل الجهادية التي تتصدّر المشهد اليوم، من أبرزها مجزرة قلب لوزة في إدلب، والهجمات المتكررة على بلدة حضر في القنيطرة. ولا توحي ممارسات أركان النظام الجديد حتى الآن بتغيّرٍ جوهري في سلوكهم مقارنةً بماضيهم الجهادي، فبالرغم من الخطابات، تكشف الممارسات على الأرض عن نظامٍ سلطويٍّ عسكريٍّ قائمٍ على المركزية والطائفية والإقصاء.
كيف يمكن التأسيس لوطن سوري متماسك ومستقر، من دون مقاربة جدّية لقضية الدروز. تبدأ بالكفّ عن معاملتهم كـ"أقلية خطرة" أو "خائنة"، وتمتدّ إلى الاعتراف الفعلي بمطالبهم وهواجسهم المشروعة، فضلاً عن إعادة الاعتبار لدورهم التاريخي والمستمر في مسيرة النضال الوطني والتحرّر من الاستبداد.
كيف يمكن التأسيس لوطنٍ سوريٍّ متماسكٍ ومستقرٍّ؟ من دون مقاربةٍ جدّيةٍ لقضية الدروز، تبدأ بالكفّ عن معاملتهم كـ"أقليةٍ خطرة" أو "خائنة"، وتمتدّ إلى الاعتراف الفعلي بمطالبهم وهواجسهم المشروعة، فضلًا عن إعادة الاعتبار لدورهم التاريخي والمستمر في مسيرة النضال الوطني والتحرّر من الاستبداد.
جمر تحت الرماد
الحقيقة المقلقة أن الوضع في عموم سوريا قابل للاشتعال، ولا يحتاج إلا إلى شرارة. وهذا كفيلٌ بإشعال موجة عنفٍ ودمٍ جديدة، ما يسلّط الضوء على مدى هشاشة الوضع الراهن في البلاد.
أيّ حادثة، مهما كانت صغيرة، تُظهر سهولة زعزعة استقرار مجتمعاتٍ بأكملها بفعل شرارةٍ واحدة، وتفضح عمق التوترات الطائفية غير المعالَجة التي راكمتها سنوات الحرب وأسهمت في تغذيتها سلطة الأمر الواقع، وحملات الشيطنة الممنهجة، ودوّامات الانتقام المتكرّرة.
ولا شكّ أن الانتهاكات التي استهدفت مجتمعاتٍ علوية، رغم اختلاف دوافعها، نابعة من الجذر الطائفي نفسه الذي لا يزال يشعل فتيل عدم الاستقرار في البلاد.
ما نشهده اليوم ليس ولادةَ سوريا جديدة، بل تحوّلٌ من مواجهةِ وحشٍ قديمٍ إلى الوقوف في وجهِ مسخٍ جديدٍ أكثر غدراً.