المشاريع المتعارضة... تُحوّل سوريا إلى مشاع سياسي (2 )

المشروع المتوارث للتدمير
قد يصعُب استيعاب درجة حقد الأسدية على السوريين ليترك لهم هذا الميراث؛ فمشروعها بالإجرام والطغيان لم يسقط برحيلها؛ ويبدو أن هنالك أشواطاً أمام التحرير الحقيقي. رحل المجرم شخصاً وبقي فكراً في مَن أوكِل إليه الطعن في الظهر وتشويه الثورة الحقيقية، وبإكمال مهمة معلّمه بشعارات مختلفة وأدوات جديدة. ولو توفرت وسائل الأسد نفسها لما توانى عن استعمالها؛ فلو امتلك الجولاني البراميل والكيماوي لكانت أولى وسائله في التدمير والإجرام. حتى مصطلحات الأسد لا تزال حاضرة أمام السوريين، وها هي الأبواق تستعمل عبارة "الصبر الاستراتيجي" لتغطّي ارتهان زعيمها وتنازلاته أمام اسرائيل.
إنها المنهجية نفسها، وهي السياسة نفسها في تقديم مصلحة البقاء في السلطة على المصالح الوطنية. لا شيء جديد في نهج مَن اعتاد العمالة. إرهابي بمنصب رئيس يستدعيه الأتراك، ويستدعيه الروس، ويستدعيه البريطانيون والأمريكيون لإملاء أوامرهم عليه وإلزامه بتقديم التنازلات أمام مشاريعهم، البارحة في موسكو لإقرار حقوقهم عليه عندما فتحوا الطريق أمامه للوصول إلى دمشق، واليوم في واشنطن لتنفيذ أوامر ترمب ومشاريعه الاستراتيجية في سوريا. وقد يكون غداً في طهران للاستنجاد بهم. كل ذلك مبرر بالنسبة له وبالنسبة للقطيع المنقاد خلفه، وليس المهم سوى ذلك الكرسي، حتى لو كانت الفاتورة تشظّي البلاد.
مشروع الاستبداد الجديد الذي يقوده الجولاني ولد ميتاً. وبالرغم من تصريحات شكلية داعمة، فهو محاصر بمصالح دولية وإقليمية متضاربة؛ لا يعرف ما ومَن يجب أن يرضي منها ليطيل فترة بقائه في السلطة. مشروع حوّل سوريا إلى مشاع وبؤرة للفوضى والإرهاب، وأعاد تدوير أدوات الأسد ذاتها؛ فالقتل أسهل وسيلة لفرض الوجود، ومبررات القتل جاهزة. والتنازل أفضل وسيلة للبقاء، ومبرراته جاهزة. لكن سرديته باتت مهترئة، وحتى ذبابه الالكتروني وشبيحته والمنافقين من حوله، باتوا غير قادرين على تلميع صورته.
مشروع بدأه الجولاني بمنهج سلفه في الإخضاع القسري، فظنّ أن الاعتداء على الأقليات وعلى السوريين وعلى حقوقهم سيرسّخ الخوف والرعب داخلهم. وسيحقق له سطوة عليهم. لكن السحر سينقلب على الساحر، فقد وصل مشروع الجولاني إلى لحظة المصير. اليوم، وفي واشنطن، يوقّع على تعهده بمحاربة رفاق دربه. لكن؛ هل بالفعل لا يعرف الأمريكيون أن الجولاني هو جزء من الإرهابيين المطالَب بمحاربتهم؟ هل لايعرف الأمريكيون أن الجولاني لا قدرة له على محاربة هؤلاء؟ بالطبع لا، فهم يدركون جيداً أن المعركة هي معركة للتخلّص من الطرفين. أما الجولاني، فهو يدرك ذلك، ويوقّع مرغماً على قرار انتحاره، فالذي سيعلن الحرب ضدهم هم ورقة رابحة بيد من يريد المزيد من الدمار لهذه البلاد.
مشروع حرب ضارية يوضع فيها عشرات الآلاف من المتطرفين أمام سلطة متطرفة إرهابية تشبههم؛ فيما تنظر الأطراف الدولية لهذه المحرقة التي ترمي بها من تريد التخلص منهم، وتدفع الجغرافيا السورية ويدفع السوريون الضريبة الأكبر. تلك المخاليق الإرهابية تحتاج لمعالجة دولية، فيما تختار الدول التخلّص منهم في سوريا التي لا تزال غارقة في بحر الدماء منذ 14 عاماً.
اقرأ أيضاً:
ما الذي فعله السوريون ليعاقبوا بهذا الابتلاء؟ ما حدث في سوريا طوال الأعوام السابقة من قتل وتهجير ومجازر، سيكون صغيراً أمام ما هو قادم على سوريا والسوريين؛ سيكون ضئيلاً إذا ما تم مقارنته بإجرام وإرهاب سلطة الجولاني وإجرام وإرهاب الجهاديين والمتطرفين.
ثبات المشروع الوطني
جوهر المشروع الوطني هو التشاركية بين المكونات كافة لبناء دولة مدنية تعددية، وبناء شرعية قائمة على إرادة السوريين و ليس على المشاريع والأجندات الخارجية؛ لكنه لا يزال معطلاً نتيجة البيئة السياسية والأمنية التي فرضها وجود سلطة الإرهاب، وما قامت بارتكابه من هدم للروابط الاجتماعية بين السوريين نتيجة المجازر الطائفية التي ارتكبتها بحقهم.
لا يزال أيضاً هذا المشروع معطلاً نتيجة التغييب المتعمّد لأي هيكلية سياسية مدنية تجمع المكونات السورية وتمثّل تطلعاتهم. فبدلاً من أن تدعم الأطراف الدولية تشكيل مثل هذه الهيكلية، وجهت دعمها لسلطة إرهاب تحقق مصالحها وأجنداتها الاستراتيجية في سوريا.
بوجود مثل هذه الهيكلية الوطنية، لن يكون هنالك مبرر لبقاء أي قوات عسكرية أجنبية في سوريا؛ أو إبقاء عقوبات أمريكية وأوروبية؛ أو أي مبررات لمخاوف أمنية إقليمية أو خارجية. لكن، مع وجود سلطة الإرهاب في الحكم؛ هنالك العديد من الذرائع للتدخل في مصير السوريين. والذرائع للتقسيم والتحالفات التي لن تصب في مصلحة البلاد، بل بمصلحة من يديرها وينفذها.
ليست الإشكالية في غياب البديل الوطني الجامع، بل في تغييبه؛ فمشروع هذا البديل لا يتوافق مع مشاريع الدول الخارجية التي تنفذ أجنداتها من خلال سلطة الإرهاب. البديل الوطني لن يقدم السيادة كتنازل للبقاء في سلطة؛ ولن يحوّل سوريا إلى مغناطيس لجذب المقاتلين الأجانب؛ ولن يعيد تكرار منهج الطغيان القديم في تسخير العسكر لحماية سلطته.
لقد مرت سنة منذ سقوط نظام الأسد، ولم يتغير في سوريا سوى الشعارات، وبينما يزداد التهميش والإقصاء وهدم كيان الدولة. يجاهد الأبواق والإمعات للتغني ببعض الانتصارات الوهمية، و لتبرير القمع والمجازر بشعارات الوحدة والسيادة. فيما يقف السوريون بين مطرقة سلطة الإرهاب، وبين سندان المشاريع الخارجية.
السوريون؛ هم أصحاب الحق الأصيل في تقرير شكل وطبيعة نظام الحكم السياسي الذي يحقق طموحاتهم، ويحفظ حقوقهم؛ فالمشروع الوطني السوري لا يمكن أن يقوم على صيغة مفروضة من الخارج، أو صيغة مفروضة من طرف داخلي واحد. إنه مشروع استدامة للكرامة والحرية، قائم على ضمان الحقوق السياسية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية لكل مكون من المكونات، وقائم على توحّدهم بهوية واحدة ضمن نظام لامركزي سياسي مرتبط بميثاق وطني يحدد جميع ثوابت العيش المشترك.
المشروع الوطني السوري ينطلق من الشرعية الوطنية، وهو ما لم يمتلكه الجولاني. ينطلق من مجلس حكم انتقالي تشاركي يجمع على هدف واحد؛ ينطلق من دستور مدني يمنح السلطة للشعب، وليس من إعلان دستوري يمنح السلطة للفرد مجدداً؛ ينطلق من التعددية والتشاركية وليس المحاصصة؛ ينطلق من فصل الدولة عن أية أجندات طائفية أو سياسية؛ ينطلق من تحييد المؤسسات العسكرية والأمنية عن تنفيذ أجندات السلطة في ترسيخ الاستبداد. لهذا، فإن المشروع الوطني السوري ثابت وواضح ولا يحتاج للتأويل، ولا يحتاج للتنازلات.