أبو حالوب... ساعي بريد المنافي

هل يحتاج ساعي البريد بالشام إلى حقيبة ودراجة هوائية كما حال ساعي بريد "بابلو نيرودا"؟
كل ما يحتاجه هو:
ـ أن يعرف اسماً لا يعرفه أحد، وطريقاً لا يظهر على الخريطة، وغرفة صغيرة في حي بعيد يسكنها شخص جاء البارحة من مدينة لم يعد يستطيع العودة إليها.
كان لهذا الرجل اسماً:
ـ "أبو حالوب"، فتى، ثم كهلاً، وفي الحالين له كرسيه في مقهى الروضة، وهو الرجل الذي يعرف من وصل، ومن ينتظر، ومن يبحث عن مَن ليؤسس للفرار من لحظة ما بين طغيانين، أحدهما في بغداد والثاني في دمشق.
يدخل العراقي إلى دمشق حاملاً حقيبة لا تبدو ثقيلة، لكنها تحمل بيتاً كاملاً، يقف عند باب المقهى، يسأل عن شخص، عن شاعر، عن صديق قديم، عن أحد سبقه إلى المنفى، لا يحتاج إلى وقت طويل، فهناك دائماً من يقول له:
ـ أبو حالوب يعرف.
لم يكن أبو حالوب شاعراً، لم يكتب قصيدة، لم يصدر كتاباً، لكن اسمه ظل يتنقل بين العراقيين الذين وصلوا إلى دمشق، كما تنتقل الرسائل التي لا تعرف طريقها إلا عبر الأيدي، فـ "أبو حالوب" عنواناً قبل أن يكون اسماً.
في مقهى الروضة، لا تجلس الأجساد فقط، تجلس المدن، تأتي بغداد في لهجة الجالسين، في أسماء الشوارع، في الحنين إلى أماكن لم تعد قابلة للزيارة.. يأتي العراق مع الذين خرجوا منه، ليس العراق الذي يظهر في الخرائط، بل العراق الذي يبقى بعد فقدان الخريطة.
على الشاشة الصغيرة في زاوية المقهى، تمر جنازة ياسر عرفات، الصوت منخفض، والمقهى أكثر صخباً من الشاشة، لكن الصورة تبقى:
ـ رجل فلسطيني يودع العالم، وفي الأسفل، حول الطاولات، يجلس عراقيون فروا من بلدهم:
لاجئ فلسطيني على الشاشة، لاجئون عراقيون في المقهى، وسوريا بينهما:
ـ لحظة واحدة تجمع ثلاثة أقدار لم تكن تعرف أنها ستلتقي.
لا أحد يعرف أن السوري الذي يشاهد اللاجئ العراقي، سيصبح لاجئاً هو الآخر، وكليهما يفرّ من طاغية، ربما ليختبئ في جوف طاغية، ولا أحد يعرف أن الطاولات التي تجمع الغرباء اليوم، ستصبح غداً جزءاً من ذاكرة الغائبين.
بين الوجوه يظهر "فرج بيرقدار"، لا يدخل المقهى بوصفه شاعراً فقط، يدخل بوصفه إنساناً يحمل أثراً لا يُرى، ربما يخبئه في القصيدة، أو في نبرة صوت وليس من صوت يحمل وجع صوته، فالذين يمرون بالسجن لا ، يخرجون منه كما دخلوا يبقى شيء من الجدران معهم، أو :
ـ شيء من الصمت، أو شيء من الأسئلة التي لا تجد جواباً، لكن الشعر، بالنسبة لمن عاش التجربة، لا يعود زينة للكلمات، يصبح دليلاً على أن الإنسان احتفظ بمساحة لم تصل إليها "هراوات" السلطة.
في مقهى الروضة، يلتقي الذين حاولت الأنظمة أن تفرق بينهم، العراقي الذي فقد وطنه، والشاعر الذي واجه السجن، والكاتب الذي يبحث عن مكان للكلمة، والغريب الذي يحتاج إلى عنوان، وفي وسط هذا كله، يجلس أبو حالوب، لا يتحدث عن التاريخ، لا يشرح معنى المنفى، ولا يكتب عن الطغيان، ما يفعله شيئاً أكثر بساطة:
ـ يحفظ الناس.
وهذا ربما هو الفعل الأول ضد النسيان، فقبل أن تحفظ القصيدة فكرة، يجب أن يبقى الشاعر موجوداً، قبل أن يكتب الروائي روايته، يجب أن يجد من يسأل عنه، قبل أن يستعيد المنفي وطنه في اللغة، يحتاج إلى شخص يقول له:
ـ أنت هنا، لم تختف.
لهذا يصبح أبو حالوب أكثر من رجل عراقي عاش في دمشق، يصبح جزءاً من جغرافيا لا ترسمها الدول، جغرافيا يصنعها البشر حين تنهار الخرائط، فالدول ترسم الحدود، أما الذاكرة فترسم الطرق.
ـ وأبو حالوب يعرف الطرق إلى الذاكرة، دون ان يعرف أنه يحفظ زمناً كاملاً
ـ لا يعرف أن الرجل الذي لم يكتب قصيدة سيصبح جزءاً من ذاكرة الشعراء، وأن الرجل الذي لم يكتب كتاباً سيصبح صفحة في كتاب المنفى.
وربما لم يكن يعرف أن الطغاة يحبون الأرشيفات التي تحمل أسماءهم، يحبون الصور الكبيرة، والخطب المملة الطويلة، والتماثيل التي نحتها نحاتون سئمون من "سادة"، ومن المعجزة أن يرحّب الصلصال بهم وهم يكشرون في وجه الزمن، لكن هناك أرشيفاً لا يستطيعون مصادرته:
ـ أرشيف الناس، رجل يدل غريباً على صديقه، أو صديق يحتفظ بعنوان صديق، أو مقهى يحفظ سرّ وجوه لن تعود.
ـ إنها هذه هي الذاكرة التي تفلت من السلطة وأجهزتها.
لا أحد في المقهى يفكر بالمستقبل، لا أحد يعرف أن الذين يشاهدون لاجئاً آخر سيصبحون بعد سنوات، جزءاً من الحكاية نفسها، فالتاريخ لا يعلن انتقاله من شخص إلى آخر، ولا يطرق الباب، كل ما يفعله أن:
ـ يدخل فجأة.
العراقي الذي يصل إلى دمشق لا يترك كل شيء خلفه، يترك البيت، لكن الباب يبقى معه، يبقى في طريقة النظر حين يدخل شخص غريب، يبقى في الصمت الذي يسبق الكلام، في الجملة التي تتوقف قبل نهايتها، وفي تلك العادة الصغيرة:
ـ أن يراقب الإنسان نفسه قبل أن يراقبه الآخرون.
في مقهى الروضة، تجلس وجوه كثيرة:
ـ كتاب، شعراء، مسرحيون، أناس دفعتهم السياسة إلى الطرق التي لم يختاروها، من بينهم "فرج بيرقدار".
لا يبدو المكان منصة ثقافية، ولا يريد أحد أن يحول المنفى إلى خطاب، هنا فقط يجلس الذين حاول الطغاة أن يختصرون حياتهم في ملف.
ـ في مقهى صغير، يستعيدون حقاً بسيطاً، أن يكون الإنسان صاحب حكايته.
أبو حالوب لا يتحدث عن كل ذلك، لا يستخدم الكلمات الكبيرة، لا يقول:
ـ ذاكرة.
ولا يقول:
ـ منفى
ولا يقول:
ـ طغيان
يمد يده فقط، يشير إلى طاولة، يدل شخصاً على شخص، ويعيد غريباً إلى دائرة البشر.
وهذا ما يجعل دوره أكبر مما يبدو، ففي زمن تحاول فيه السلطة أن تجعل الإنسان رقماً، يصبح حفظ الاسم فعلاً مهما:
ـ أن تعرف شخصاً يعني أنك تمنعه قليلاً من الاختفاء.
تتحرك الكاميرا داخل مقهى الروضة، لا تعرف أنها تحفظ نهاية مرحلة، كل ما تعتقده أنها تلتقط لحظة عادية، وهذا هو سر الصورة، أنها لا تعرف قيمة ما تحفظه إلا بعد أن يصبح غائباً.
أبو حالوب يمشي بين الطاولات، الوجوه تتحرك، الشاشة تعرض جنازة عرفات، والزمن، من دون أن يظهر، يضع يده على المشهد.
اسم الفيلم الذي يحمل تلك اللحظة هو "هبّة يك"، ليس مجرد عنوان لشريط عابر، إنه طريقة في استقبال الغريب:
ـ اقترب، تعال، هناك مكان لك.
ربما لهذا يختصر الاسم وظيفة المقهى كلها، فالمنفى يقول للإنسان:
ـأنت وحدك.
أما "هبّة يك" فيقول له:
ـ لست وحدك.
فيلم "هبّة يك"
بعد سنوات، تعود الصور، لا يعود مقهى الروضة مجرد مقهى، يصبح مكاناً فقد أهله، تعود الوجوه التي غابت، تعود الأصوات التي لم تعد موجودة، ويظهر أبو حالوب، ليس كبطل، بل كما كان دائماً:
ـ رجل يعرف أين يجد الناس بعضهم.
يموت أبو حالوب، ويظهر الفراغ الذي تركه، ليس فراغ رجل واحد، بل فراغ وظيفة، ففي كل منفى هناك أشخاص لا يحملون سلطة، لكنهم يحملون القدرة على وصل البشر ببعضهم، وحين يغيبون، تصبح المدينة أكثر برودة، ويصير المنفي غريباً، وحيداً و "مقطوع من شجرة".
الطغاة يتركون وراءهم أرشيفاتهم، صورهم، خطبهم، أسماءهم الكبيرة، لكن هناك أرشيفاً آخر لا يصلون إليه أرشيف المقاهي، أرشيف الأصدقاء، أرشيف رجل حفظ أسماء الذين أرادوا أن يبقوا مجهولين، وهو من:
ـ يكتم سرّهم.
لم يحمل أبو حالوب رسالة واحدة في يده، لكنه حمل آلاف الرسائل في ذاكرته، لم يكتب قصيدة، لكنه حفظ شعراء، لم يكتب كتاباً، لكنه حفظ فصولاً من كتاب المنفى.
كان ساعي بريد العراقيين في دمشق، ثم أصبح ساعي بريد المنافي كلها، الرجل الذي لم يعرف العناوين فقط، بل عرف أصحابها، وحين رحل، بقي السؤال معلقاً عند باب المقهى:
ـ إذا وصل غريب جديد، من سيقول له الآن:
ـ تعال، سأرشدك إلى الطريق؟
ولهذا، فإن من يريد أن يرى تلك اللحظة لا كما تُروى اليوم، بل كما كانت تمشي بين الطاولات والوجوه والأصوات، فـ "قد" يجدها في "هبّة يك".
