شتان بين المحرّضين على الدماء والمحرّضين على الإنسانية

ليست الثورة السورية فقط ما اختُطف من قبل السلطة الحالية، بل أن البنية السلطوية العنيفة التي تقتل ضحاياها، ثم تعزّي بهم، تختطف الرأي العام أيضاً، وتحوّل الإعلام إلى معول لهدم الوعي، وتخرجه من وظائفه في كشف الانتهاكات وحماية المجال العام من الانزلاق نحو العنف والاحتراب؛ وتحوله إلى أداة استبداد وتضليل ممنهج وتعيد من خلاله تشكيل الواقع على مقاسها لا على مقاس الحقيقة.
سقط الاستبداد الأسدي، وسيطر أحمد الشرع ( الجولاني) على السلطة؛ وبما أن كلا الشخصين ينتميان للمنهج الواحد، فلم تشهد سوريا قطيعة مع بينة الاستبداد الإعلامي، بل تم إعادة إنتاجها بصيغة جديدة تناسب سردية السلطة المؤقتة. ماكينات إعلامية ممولة، وقنوات ومنصات، وشخصيات صحفية فاقدة للضمير والإنسانية؛ تعرف نفسها والكلُّ يعرفها. انطلقت لتنسج سردية مكررة تكاد تتطابق مع سردية نظام الأسد؛ تشوّه الحق والحقيقة، وتمجّد القتلة، وتدين الضحايا، وتصوّر كل صوت معارض على أنه جزء من مؤامرة تستهدف القائد الجديد، وتصوّر المدافعين عن وجودهم كعصابات خارجة عن القانون، مقابل تقديس رئيسهم المستعد لبيع كل ما يمكن بيعه في سبيل البقاء في كرسي السلطة.
سردياتهم الملطخة بالدماء، لا تكتفي بتشويه الوقائع، بل تمارس قلباً أخلاقياً للحقائق؛ فتمجّد من يسفك دماء الأبرياء وتنسب الوطن إليه، بينما تهاجم الذين اختاروا الموت بشرف أمام آلة قتل وإرهاب جديدة. ومن هنا، يبدو أن الإعلام والإعلاميين المأجورين هم أفضل وسيلة لدى السلطة المؤقتة كبديل عن شرعيتها المفقودة، ولغسل أثار الدماء عنها؛ فهي سلطة بعيدة عن الواقع الذي يفضح زيفها؛ سلطة محكومة بمحتوى مشوّه وزائف على منصات التواصل الاجتماعي وليست محكومة بالمؤسسات؛ سلطة محكومة بخطاب تحريضي ممنهج وليس بالعدالة. ولكن على الأرض، فإن الواقع، وبعناد الحق والحقيقة، يفضح دوماً هذا التزييف، ويكشف الانتهاكات المستمرة، ويعرّي فساد وإجرام أرباب هذه السلطة ومرتزقتها ممن باعوا ضميرهم لصالحها.
اقرأ أيضاً:
الإعلام حين يختار ضحيته: قراءة في تقرير واشنطن بوست عن السويداء
الصراع في سوريا ليس صراعاً على السلطة. إنه صراع على الوعي. صراع الإنسان الحر ليتمسك بحريته أمام إرهاب جديد؛ صراع الإنسان ليحافظ على وجوده أمام منهج تكفيري يفتي بقتله؛ صراع بين الحرية والقمع؛ و صراع بين الإنسانية والوحشية. وفي هذا الصراع، اختار بعض الإعلاميين أن يكونوا شركاء في التزوير، وشركاء في الجريمة. اختاروا أن يكونوا شركاء في غسل الدماء عن أيدي القتلة الذين أحرقوا أهلهم وهم على قيد الحياة، وقتلوا الوطن كرمى الغريب وجيوبهم.
هنالك أيضاً من الإعلاميين من اختار أن يكون محرّضاً. لكن؛ ليس محرّضاً على أبنائه وذويه وأبناء وطنه. اختار أن يكون محرّضاً للحفاظ على الإنسانية. اختار أن يقف مع ميزان فاصل بين الصدق وضجيج التخوين والاتهام بالعمالة. أولئك ليسوا موظفين في بلاط السلطة، بل حرّاس للمعنى، يصدحون بكلمة الضمير الحي، ويتكلمون بلسان الناس ووجعهم وليس بلهجة المموّلين. وظيفتهم نقل الحقيقة كما هي، ولا يبتلعون لسانهم عندما يتعلق الأمر بمصالحهم المادية أو منافعهم الشخصية. أولئك الأوفياء لقسم قطعوه على أنفسهم أمام الله وأمام الإنسانية بأن يكون الإعلام بالنسبة لهم موقفاً أخلاقياً قبل أن يكون مهنة ومسؤولية وطنية قبل أن يكون منصة.
هؤلاء قلّة من الأوفياء الذين لم يحرّضوا على الكراهية، ولم يستثمروا في الدم، بل كان تحريضهم نبيلاً وموجهاً نحو الكرامة وحرية هذا الشعب الذي تخلّص من مستبد ليجد نفسه أمام مستبد آخر. هم قلة من الأوفياء الذين يحرّضون الوعي لكي لا ينكسر، ولكي لا تُدجّن الحقيقة مجدداً، ولكي لا يتم استبدال الحرية بالخوف وترهيب. تحريضهم دعوة مفتوحة للصمود والإيمان، بأنه عارٌ على حضارة سوريا العظيمة أن يختطفها ثلة من (الإرهابيين) مهما اختلفت مللهم وانتماءاتهم.
أيها المحرّضون على الأخلاق والإنسانية وحرمة الوطن؛ أنتم، يامن تتمترسون عند كرامة الإنسان والوطن؛ يا من تعرفون أنفسكم، ونعرفكم، والحق يعرفكم؛ يُعاب عليكم اليوم أنكم تزيّنون خطابكم مصلحياً بمصلحة السوريين لا بمصلحة فئة منهم. ويُعاب عليكم اليوم أنكم تسجلون نقاطاً سياسية لصالح التاريخ الصحيح وليس لأبطال وهميين. ويُعاب على كل إعلامي حر وشريف منكم أنه لم يُدنّس مهنة الإعلام بالمال المأجور ودماء الأبرياء، فينقل حكاية كل السوريين، بكل تناقضاتهم وألامهم وحقم في أن تُروى حكايتهم دون تشويه. ووسيلتكم في ذلك هي النطق بالحق، لأنكم تدركون أن الكلمة الصادقة-وإن كانت هادئة- أقسى على المستبد من بنادق العالم أجمع.
لا تحتاج الحقيقة التي يصدح بها الإعلاميون أصحاب الضمير إلى مجهود للتزيين، بل لكلمة بسيطة وسلسة قريبة من الناس، وليس لشعارات فارغة تنسج الوهم وتشيطن أصحاب الحق. إنهم يترافعون عن الشعب السوري، وعن المظلومين والمنسيين، أمام محكمة الرأي العام، حيث لا حصانة إلا للحقيقة. يقفون خصوماً لكل من باع ضميره، ثم لم يكتفِ بخيانته الشخصية، بل قرر أن يُجنّد الآخرين لبيع ضمائرهم أيضاً، من أبواق وصحفيين مأجورين حوّلوا الإعلام إلى سلعة، والوطن إلى مادة دعائية.
هؤلاء ليسوا على الحياد، لأن الحياد أمام الظلم، انحياز مقنّع. هم منحازون بوضوح للإنسان، وللحرية، وللحق في رواية القصة كما وقعت، لا كما أرادها أصحاب القوة. وبهذا الانحياز الأخلاقي، يثبتون أن الكلمة، حين تخرج من ضميرٍ حر، لا تموت، وأن الحقيقة، مهما حوصرت، تجد دائماً من يحملها دون خوف، ودون ثمن، ودون خيانة.