الأسد أبن البعث العربي... وليس صانعه

لا يمثل المشهد السوري الراهن، في عمق تجلياته السوسيوسياسية وبنيته التحليلية المعقدة، مجرد سيرة ذاتية لنظام عائلي تشكّل في لحظة تاريخية فارقة من تاريخ المنطقة، بل هو في حقيقته وجوهره الإفراز الحتمي والنتيجة المنطقية لنسق عقائدي شمولي وتراكمي تمأسس على مدار عقود طويلة تحت لافتة وشعار "حزب البعث العربي الاشتراكي".
إن الاختزال الشائع والسطحي للأزمات الفكرية والايديولوجية السورية المعاصرة، وتكثيف أبعادها العميقة في حدود "سلالة حاكمة" أو عائلة مستبدة، يغفل بوعي تام، أو بدون وعي بالآليات الحاكمة، تلك الجناية التاريخية الكبرى التي ارتكبتها الأيديولوجيا القومية الإقصائية حين تحولت من مشروع نهضوي افتراضي في وعي منطلقيها، إلى آلة قمعية صلبة ومتجاوزة للأشخاص وممتدة عبر الأجيال والمراحل الفكرية والسياسية.
لقد غادر بشار الأسد المشهد السياسي السوري تاركاً الجمل بما حمل في نهاية المطاف، ومع رحيله الفيزيائي والشخصي انهار حزب البعث كبنية تنظيمية وكجهاز إداري لنظام الدولة ومؤسساتها الرسمية البيروقراطية. إلا أن المفارقة الصارخة والصادمة تكمن أساساً في أن بنية الاستبداد العميقة وعقيدته الإقصائية المتجذرة لم ترحل برحيله بأي شكل من الأشكال؛ فالإقصاء الممنهج، والفساد المستشري، والاستئثار الأحادي بالسلطة والمقدرات، والقتل والاعتقال خارج نطاق القضاء، وإقصاء سلطة القانون وتحييد العدالة، كلّها لم تكن يوماً من الأيام حكراً جينياً أو خاصية بيولوجية محصورة على آل الأسد وحدهم، بل كانت دائماً نتاجاً وسلوكاً متجذراً لـ "عقل بعثي" شمولي تجذّر عميقاً في الوعي الجمعي والمؤسساتي للدولة والمجتمع على حد سواء، وصاغ بكل دقة سلوك ومسارات وطرق تفكير مَن تربّوا ونشأوا في دفيئته العقائدية والأمنية والمخابراتية المعتمة.
ومن هنا، فإن الإنصاف التاريخي والتحليل العلمي الرصين يقتضي حتماً إعادة تسمية هذه الحقبة التاريخية الممتدة باسمها الحقيقي والتاريخي الدقيق: إنها دون شك "حقبة حكم البعث"، الحقبة التي غاب فيها المستبد بشخصه وتأبّد فيها الاستبداد كمنهج راسخ للتفكير والممارسة والعمل.
اقرأ أيضاً:
وتكمن المعضلة السياسية والاجتماعية الأساسية في أن حزب البعث قد نجح، عبر عقود متطاولة من الهيمنة المطلقة والتحكم الكامل بجميع مفاصل الحياة، في صهر الدولة والمجتمع السوري داخل بوتقته الأيديولوجية الضيقة، مستخدماً في سبيل ذلك شتى أدوات التعبئة الشمولية والبروباغندا الممنهجة التي حوّلت العقيدة الحزبية الضيقة إلى بديل قسري عن الهوية الوطنية الجامعة والمشتركة. ومع التصدع الأخير الذي شهده الكيان السياسي، وسقوط الهيكل التنظيمي والبيروقراطي للحزب كنظام إدارة وهيمنة، تكشّفت للجميع الحقيقة الأكثر مرارة وقسوة في الواقع السوري: لقد مات الحزب فعلياً كمؤسسة رسمية وهيكل تنظيمي، لكنه عاش واستمر كـ "ثقافة" سلوكية وايديولوجية راسخة توجه وتتحكم في سلوك وممارسات النخب الصاعدة والجديدة.
إن هذه الثقافة المتجذرة تتجلى اليوم بكل وضوح وسفور في ممارسات سلطة الجولاني الرئيس المؤقت والطارئ وحكومته الحالية وأزلامه ومحيطه، الذين يسيرون بوعي كامل أو بآلية عقائدية على الخطى والمسارات ذاتها في نفي حقوق المختلف والآخر، والتعامي عن حقوق المكونات، سواء كان هذا الاختلاف مذهبياً أو قومياً أو فكرياً.
إن النخب الثقافية والسياسية والانتهازية المحيطة بـ "العهد المؤقت"، والتي تضم في صفوفها اليوم طابوراً طويلاً وممتداً من المتسلقين، والانتهازيين، والمنقلبين، و"المكوعين" الذين أتقنوا عبر السنين فن القفز السريع من المركبات والأنظمة الغارقة، لا تجد أدنى حرج أو غضاضة أخلاقية في إعادة إنتاج آليات الإقصاء والبطش والزبائنية ذاتها؛ وذلك لأن الدفيئة البعثية التاريخية لم تنتج فقط أزلام النظام السابق المخلصين له، بل طبعت وهيكلت عقول النخب الصاعدة والبديلة بآليات التفكير الشمولية والنمطية ذاتها، حيث يسود اليوم منطق التخوين الجاهز، والاستئثار بالمكاسب، ونفي الآخر المختلف وتهميشه.
إن القراءة الفلسفية المعاصرة لظاهرة الاستبداد السوري وتطوراتها البنيوية تكشف لنا عن ركيزة جوهرية وحقيقة سوسيولوجية ثابتة بان الاستبداد ليس مجرد جسد فيزيائي أو شخص مستبد يمكن التخلص منه ببساطة بقطع رأسه أو إزاحة شخصه من قمة الهرم السياسي، بل هو شبكة معقدة ومتشابكة من العلاقات الاجتماعية، والمفاهيم الثقافية، والسلوكيات اليومية الممنهجة التي تتغلغل وتتحكم في أدق مفاصل الحياة اليومية للمواطنين والمؤسسات. عندما صاغ البعث فلسفته الخاصة في الحكم والإدارة، اعتمد بشكل مطلق على نفي التعددية السياسية والمجتمعية، واختزال الوطن بأكمله وشعبه في لون واحد وتيار واحد وصوت واحد، وهي الفلسفة الإقصائية ذاتها التي يتبناها اليوم، بوعي كامل أو بدون وعي بمآلاتها، أركان وشخوص الحكم المؤقت والعهد الجديد.
ورغم انهيار أدوات الحزب البيروقراطية وتفكك فروعها ومؤسساتها، فإن "العقل البعثي" الكامن في عمق الثقافة السياسية السائدة ظل يشتغل ويمارس أدواته بكفاءة ذاتية عالية من خلال وجوه وأقنعة جديدة ارتدت مسوح التغيير، ورفعت شعارات الإنقاذ، لكنها تمارس في جوهرها أقصى درجات الشوفينية السياسية والتمييز المذهبي والقومي المقيت وهذا ما نشاهده ونسمعه من صحفيين وكتاب ومحللين يوميا على شاشات الاعلام المحسوب على الجولاني ومشروعه الطائفي.
هذا العقل الإقصائي يتغذى باستمرار على الانتهازية والزبائنية السياسية والمحسوبيات، وهي القيم الهدامة التي جعلتها النخب الانتهازية الحالية شرطاً أساسياً وجوهرياً لإعادة ترتيب المشهد السوري الجديد ومحاصرة، وتطويق أي توجّه ديمقراطي حقيقي أو حراك مدني يسعى للاعتراف بالآخر المختلف وبناء دولة المواطنة المتساوية.
بالتالي، ومن خلال هذه المعطيات، فإن الاستمرار في تسمية الحقبة السابقة بحقبة "حكم آل الأسد" ينطوي على إجحاف تاريخي كبير، وسطحية مفرطة في أدوات التحليل السياسي والاجتماعي؛ لأن مثل هذه التسميات والشخصنة تبرئ الأيديولوجيا القومية الشمولية وبنيتها الثقافية والمؤسساتية من المسؤولية المباشرة عن الدمار، وتختصر كارثة وطنية، وحضارية، وإنسانية بحجم الكارثة السورية في شخوص محددين أو عائلة بعينها. إن آل الأسد في القراءة التاريخية العميقة كانوا الثمرة الأكثر وضوحاً، ودموية، وفجاجة لشجرة البعث الخبيثة، لكن الشجرة نفسها أفرزت بالتوازي بذوراً سامة استقرت ونمت في عقول المتسلقين والانتهازيين الحاليين. وعندما ترك بشار الأسد السلطة مجبراً وانهار نظامه كلياً، تبين للقاصي والداني أن النظام لم يكن مجرد عائلة تحكم بالحديد والنار، بل كان منظومة فكرية، وأمنية، وسلوكية متكاملة تصنع الانتهازيين وتوظفهم لخدمة بقاء الاستبداد.
إن الغياب الفيزيائي والشخصي للمستبد لم يغيّر مطلقاً من حقيقة أن مَن يقودون المشهد السوري المتأزم اليوم، ورغم كل ادعاءاتهم الانقاذية وشعاراتهم الثورية البراقة، يعيدون وبحذافيرها إنتاج الممارسات والسياسات البعثية ذاتها مضافا إليها التطرف الديني الطائفي تجاه المكونات القومية والمذهبية والسياسية الأخرى في البلاد. إنهم يفعلون ذلك لأنهم ببساطة شديدة لا يملكون أي أدوات تفكير بديلة أو أطر سياسية ديمقراطية تختلف عن تلك المنظومة الإقصائية التي لُقِّنوا إياها في المدارس، والجامعات، والمعسكرات، والدفيئات المخابراتية، ولأن انتهازيتهم السياسية الضيقة تقتضي بالضرورة عزل الآخر، وإقصاء الشريك لتثبيت ركائز سلطتهم الناشئة وحمايتها من التفكك.
إن مواجهة الاستحقاق التاريخي والوطني في سوريا المستقبل يتطلب أولاً وقبل كل شيء شجاعة فكرية، وجرأة نقدية تفكك "الإرث الثقافي البعثي" والأسدي المستدام، والذي ما زال للأسف الشديد يوجه، ويحرك أداء الحكومة المؤقتة ونخبها المتسلقة والظاهرة في المشهد. لا يمكن التأسيس لمرحلة وطنية جديدة، أو الحديث بجدية عن عقد اجتماعي ومواطنة متساوية ودولة قانون، طالما أن ايديولوجية نفي الآخر وإلغاء التعددية هي الحاكم الفعلي والخفي لسلوك الحكام الجدد وأزلامهم المحيطين بهم.
إن الشفاء الحقيقي والتام من أمراض هذه الحقبة السوداء لا يتأتى بمجرد انهيار الحزب كمؤسسة، أو زوال العائلة كرمز سياسي، بل يتطلب في المقام الأول خوض ثورة ثقافية، وفلسفية، واجتماعية شاملة؛ ثورة تنقد الجذور الأيديولوجية العميقة التي شرعنت الاستبداد القومي والطائفي وجعلته مقبولاً، وتعمل على تطهير الفضاء السياسي والمدني من الانتهازيين والمتسلقين الذين يقتاتون ويعيشون على إقصاء الآخر المذهبي والقومي والسياسي.
إن الإنصاف التاريخي والمسؤولية الأخلاقية يفرضان علينا اليوم تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية والبدء بوعي جديد؛ إنها حقبة حكم البعث وثقافته المستمرة، الجناية الكبرى التي انهارت كبنية دولة وبقيت وتأبدت كثقافة مدمرة يعيد إنتاجها الانتهازيون الجدد في وعي وبنية وفكر المجتمع السوري.