الكُرد من تجربة صداقة الجبال الى وهم أخوّة الشعوب

لم تكن عبارة (لا أصدقاء لنا سوى الجبال) شذرة شعرية قيلت في لحظة يأس، ولا حكمة فولكلورية تصلح للتداول العاطفي والزمني، بل خلاصة فلسفية مكثفة لتجربة سياسية مريرة، تكررت فيها الخيانة حتى باتت نمطاً، وصارت الوعود جزءاً من أدوات الإخضاع لا من آليات الشراكة.
قالها الكُرد بعد أن اختبروا الجوار من عرب وترك وفرس، لا بعد أن أساؤوا الظن بهم، وبعد أن فحصوا مفهوم "الصداقة" بوصفها علاقة سياسية ممكنة، لا بعد أن رفضوها مبدئياً. كانت الجبال، في هذا السياق، رمزاً للثبات خارج منطق السوق السياسية، لا بديلاً شاعرياً عن البشر.
ومع ذلك، لم يتوقف العقل والتفكير الكردي عند هذه الخلاصة القاسية والتجربة التي اختزلت كل حالات الخذلان، بل اندفع -على نحو متهور وساذج مفارقا للتجربة- نحو مفهوم أكثر عماءً وتجريدا هو "أخوّة الشعوب". هنا لا نتحدث عن تناقض بسيط، بل عن انتقال من اخلاق الشجاعة الحذرة الى اخلاق التهور والمغامرة والتي تم إدخاله مباشرة في العمل السياسي، كما لو أن السياسة يمكن أن تُدار بمنطق القيم وحدها.
نادى الكُرد بأخوّة الشعوب مع مجتمعات أنكرت وجودهم، أو صمتت على سحقهم، أو برّرت اضطهادهم باسم الدولة أو الوحدة أو الأمن القومي. كان ذلك نسيانا لتاريخ معاش ومليء بتجارب الخذلان والانكار،ورهاناً أخلاقياً احمقاً على المستقبل.
اقرأ أيضاً:
أن الفلسفة السياسية المعاصرة تُعلّمنا أن القيم، حين تُنتزع من شروطها المادية والمؤسسية، تتحول من أدوات تحرر إلى خطابات معلّقة في الفراغ. فمفهوم أخوّة الشعوب، رغم جاذبيته الإنسانية، يفترض حداً أدنى من الاعتراف المتبادل، وفضاءً سياسياً يسمح بتحويل الأخلاق إلى التزام. هذا الفضاء الالزامي بالقيم الاخلاقي والانسانية في العمل السياسي غير موجود في الشرق الأوسط، حيث تُدار السياسة بمنطق الدولة الصلبة، والهوية المغلقة، والمصلحة العارية. في مثل هذا السياق، يصبح استدعاء الأخوّة أقرب إلى نداء أخلاقي أحادي الجانب، لا إلى علاقة سياسية قابلة للاستمرار.
إن المعضلة الكردية لا تكمن في فشل أخوّة الشعوب كقيمة اخلاقية، بل في إقحامها في حقل سياسي لم يعترف أصلاً بالصداقة تاريخياً. فكيف يمكن لمفهوم أعلى وأكثر تجريداً ووهماً أن يجد مكاناً له، بينما لم تجد الصداقة -بوصفها الحد الأدنى من الثقة السياسية- موطئ قدم في علاقة الكُرد مع محيطهم الإقليمي؟
لقد أظهرت التجربة أن العلاقة مع الدول والجوار لم تُبنَ يوماً على شراكة متكافئة، بل على استخدام ظرفي للقضية الكردية، ثم التخلي عنها عند أول تبدل في ميزان المصالح، السياسة هنا لا تكافئ النوايا، بل تعاقبها.
من هذا المنظور، يبدو الخطاب الكردي الأخلاقي وكأنه يسبح عكس التيار العالمي. فبينما تتعامل القوى الإقليمية والدولية مع القضية الكردية بوصفها ورقة تفاوض، أو ملفاً أمنياً، أو أداة ضغط، أصرّ الكُرد على تقديم أنفسهم كحملة قضية عادلة، لا كمشروع قوة. هذا الخيار، على سموّه، أنتج مفارقة مؤلمة: خطاب أخلاقي بلا ضمانات، وقيم إنسانية في سوق سياسي لا يعترف إلا بالربح والخسارة.
السياسة، في صيغتها المعاصرة، ليست مجالاً للأخلاق الخالصة، بل حقل صراع بين سرديات وقوى ومصالح. ومن لا يمتلك أدوات الفعل، يُطلب منه دائماً أن يمتلك فضيلة الصبر. هنا، تتحول أخوّة الشعوب من أفق تحرري إلى عبء سياسي، إذا لم تُقرن بوعي نقدي يميّز بين الأخلاق بوصفها مرجعية، والسياسة بوصفها ممارسة صراعية. فالأخوّة لا تُفرض بالخطاب، ولا تتحقق بالرغبة، بل تُبنى عبر اعتراف متبادل، ومؤسسات، وتوازنات تحميها.
إن العودة إلى مقولة "لا أصدقاء لنا سوى الجبال" اليوم لا تعني الدعوة إلى الانسحاب من التاريخ، بل إلى إعادة تعريف العلاقة بين الأخلاق والسياسة. الجبال هنا ليست نفياً للعالم، بل معياراً له: رمزاً للثبات في زمن السيولة، وللذاكرة في مواجهة الإنكار. أما أخوّة الشعوب، فلا تُلغى، لكنها تُنزع من موقع الوهم، وتُعاد إلى موقعها الطبيعي كأفق إنساني مشروط، لا كبديل عن السياسة الواقعية.
يقف الكُرد اليوم بين صداقة لم تتحقق، وأخوّة لم تجد شروطها. وبين الجبال والمجتمع الدولي، تتشكل معضلتهم الكبرى: كيف يمكن الدفاع عن القيم دون أن يتحول صاحبها إلى ضحية دائمة لها؟ وكيف يمكن أنسنة السياسة، دون الوقوع في فخ تجاهل قسوتها؟ هنا، لا يكون المطلوب التخلي عن الأخلاق، بل تحريرها من السذاجة، وإدخالها في صراع واعٍ مع الواقع، لا الهروب منه.