إعادة تعريف الدولة في سوريا ما بعد الصراع

يمتلئ تاريخ الدولة الحديثة بصراع مستمر بين مركز يسعى لاحتكار القرار وبين أطراف تناضل من أجل الاعتراف والتنوع. ويتفاقم هذا الصراع حين تتحول السلطة المركزية إلى بنية مغلقة تعمل خارج أي شرعية تعاقدية، وتستعيض عن المشاركة السياسية بالقهر الأمني وبإنتاج سرديات تُقصي المختلف وتُجرّمه.
وفي التجربة السورية الراهنة، تظهر هذه الديناميكية بوضوح في شكل السلطة الانتقالية اللاشرعية التي برزت بعد انهيار النظام السابق، حيث تعرف نفسها بما تسمى "سلطة الاكثرية الطائفية"، وتعيد صياغة الوطنية والهوية السورية الطبيعية وفق تصور أحادي يهمّش المكونات غير المنسجمة مع رؤيتها السياسية والدينية والثقافية.
تؤكد الفلسفات المعاصرة والنظريات السياسية والقوانين الحقوقية الحديثة أن الشرعية لا تستمد قوتها من السيطرة على الأرض أو العنف المنظم، بل من التوافق الاجتماعي القائم على عقد دستوري يضمن الاعتراف المتبادل بين الدولة ومواطنيها. وبغياب هذا التوافق، يتحول احتكار القوة إلى أداة للإقصاء، ويُعاد تعريف الاختلاف بوصفه تهديداً وجودياً. هكذا تبرز سياسات وسلوكيات ودوافع السلطة الانتقالية اللاشرعية نفسها في الساحة الوطنية السورية، وعلى اعتبارها استمراراً لنهج مركزي سابق يُهمّش حقوق المكونات المختلفة، ويواجه مطالبها بخطاب تعبوي يشيطن اختلافها ويحور حقوقها ومطالبها الطبيعية ويشكك في ولائها لوحدة الاراضي السورية.
وفي ظل هذا المنظور الأحادي للهوية، يغدو كل اختلاف ثقافي أو سياسي أو قومي مادة لإنتاج صراع جديد، بينما يتحول التنوع الطبيعي في المجتمع السوري إلى مشكلة تحاول السلطة حلّها بالقوة بدل استيعابها "ارتكاب مجازر في الساحل السوري وفي حمص بحق المكون العلوي وكذلك مجازر في مدينة السويداء بحق المكون الدرزي وكذلك الجرائم التي ارتكبت وترتكب بحق المكون الكردي من قبل الفصائل المعارضة في عفرين وقراها وتل ابيض وراس العين وتشريد سكانها الاصليين من المكون الكردي و التي اصبحت فيما بعد جزء من جيش هذه السلطة المؤقتة.
ومن هذا المنطلق، ترى الشعوب السورية ان هذه السلطة لا تكتفي بتصنيفهم كخصوم سياسيين واصحاب حق، بل تسعى إلى إعادة تشكيل هويتهم وفق تصورها الطائفي الضيق للانتماء الوطني، ما يجعل المواطنة السورية مرتبطة بالتماهي مع خطابها الرسمي لا يسمح لهم بالنقد أو الاختلاف.
اقرأ أيضاً:
وتكشف هذه التجربة السورية أن السلطة اللاشرعية المؤقتة، التي يُفترض أن تعمل كجسر مؤقت بين الفوضى والاستقرار، و في غياب الرقابة القانونية والشعبية وبسبب الفساد والمحسوبيات والتفرد في القرار تحولت إلى دوائر مغلقة من النفوذ. فغياب المؤسسات المستقلة يسمح بتمدّد الهيمنة السياسية والدينية، ويحوّل الدولة إلى أداة لخدمة توجه واحد. بذلك يصبح العنف خطاباً للشرعية، وتتحول الهوية إلى سلاح لتعريف العدو الداخلي، فيما يفقد المجتمع إمكانياته الطبيعية لبناء عقد اجتماعي تشاركي.
في مواجهة هذا الانغلاق، تبرز المكونات المهمشة بوصفها أكثر من جماعة مطالبة بحقوق سياسية ، إنه موقف وجودي ومصيري، يرفض احتكار الهوية. فالدفاع عن الاختلاف في سوريا ليس سعياً إلى امتيازات، بل محاولة لحماية المجتمع من الانصهار القسري. إن تمسك هذه المكونات بحقها الوجودي في الشأن الثقافي والسياسي والقانوني والاداري هو دفاع عن مفهوم الدولة نفسها، الدولة التي لا يمكنها البقاء إلا باعترافها بتعدد أبنائها.
ومن هنا تبرز فكرة النظام الفدرالي الديمقراطي كخيار ليس لتقسيم البلاد، بل لإعادة بناء الدولة على أسس تشاركية. فالفدرالية ليست مشروعاً انفصالياً كما تقدمه وتشيطنه غالبية السرديات الرسمية والاعلامية والثقافي في سلطة احمد الشرع المؤقت، بل نموذجاً لإدارة التنوع من خلال توزيع السلطة ومنع تمركزها في يد مركز واحد. إنها صيغة تسمح للمحافظات والاقاليم المناطقية والمكونات بالمشاركة الفعلية في صنع القرار، وتوفر آليات رقابة محلية تحدّ من الفساد والتفرد، وتحول السلطة من جهاز فوقي إلى شبكة مؤسساتية تعتمد التوازن والتوافق.
أن تجارب الدول الحديثة التي اعتمدت الفدرالية ـ كألمانيا وأمريكا وسويسرا وكندا وحتى دولة الامارات العربية المتحدة ـ تُظهر أن الوحدة التي تُبنى على المشاركة أقوى وأكثر استقراراً من الوحدة التي تُفرض بالقوة. فالفدرالية لا تضعف الهوية الوطنية، بل تؤسس لها على قاعدة الاعتراف بالخصوصيات، وتحويل التنوع إلى مصدر قوة ومنافسة إيجابية بين الأقاليم لا إلى صراع وجودي.
مع ذلك، تتعرض فكرة الفدرالية في ادبيات وسرديات وخطاب سلطة الامر الواقع في دمشق لشيطنة مقصودة ومتعمدة منها ومن يعمل ويكتب ويصرح في فلكها ، حيث تُقدَّم لجمهورها المُضَلل على أنها مشروع تقسيم أو تهديد لوحدة البلاد. غير أن هذه القراءة والرؤية المشوه ة والمشيطنة - كما يراها الشعوب والمكونات السورية ـ لا تهدف لحماية وحدة سوريا بقدر ما تهدف لحماية مركزية "هوية الدولة" التي تتيح للسلطة التحكم المطلق في القرار. فالفدرالية، بوصفها نظاماً يحدّ من الهيمنة، تُفهم في خطاب السلطة كخطر لأنها تعيد تشكيل العلاقة بين المركز والأطراف، وتجعل السلطة خاضعة لتوازنات ديمقراطية لا لإرادة طرف واحد.
إن الصراع والفوضى الراهن في الداخل السوري تكشف أن المشكلة ليست في وجود مركز للدولة فقط، بل في مركز لا يرى إلا نفسه، ويشتغل ضمن تصور يختزل الأمة السورية في رؤية وأمة وطائفية وقومية واحدة. والحل لا يكون عبر إعادة إنتاج السلطة بشكلها السابق، بل عبر إعادة تعريف الدولة نفسها. دولة تقوم على التعددية الديمقراطية، على الدستور الذي يضمن ويعترف بالحقوق السياسية والثقافية واللغوية للجميع، وعلى تداول السلطة، وعلى نموذج سياسي يجعل المشاركة ضمانة لا منّة، والاختلاف شرطاً لا قيداً.
إن تبنّي نموذج فدرالي ديمقراطي قد يشكل فرصة تاريخية لسوريا كي تخرج من دوامة الصراع والفوضى وعدم الاستقرار. فالفدرالية تمنح المكونات حق إدارة شؤونها دون المساس بوحدة البلاد، وتخلق نظاماً سياسياً يمنع الهيمنة، ويحد من الفساد والتفرد، ويؤسس لاستقرار يقوم على الاعتراف، لا على الإخضاع. بهذا المعنى، يصبح تبني الفدرالية خطوة نحو إعادة بناء الدولة الحديثة على أسس تعاقدية صلبة، وتحويل التعددية من عبء سياسي إلى نعمة وطنية تفتح أبواب مستقبل أكثر عدلاً وكرامة لجميع السوريين.