الفيدرالية وإمكانات إعادة بناء الوحدة الوطنية في سوريا

*اللوحة الرئيسية من أعمال الفنان لقمان أحمد
يُثير موضوعُ الفيدرالية في سوريا حساسيةً خاصة، إذ ارتبط تاريخياً بمخاوف التفكك والانفصال أكثرَ من ارتباطه بفكرة المشاركة والعدالة. ويعود ذلك إلى تراثٍ طويلٍ من النزعة المركزية في الدولة السورية الحديثة، حيث جرى التعامل مع التنوع القومي والديني والمناطقي بوصفه تهديداً ينبغي ضبطه، لا ثروةً ينبغي استيعابها. وقد تعمّق هذا الإرث مع النظام الشمولي منذ سبعينيات القرن الماضي، إذ جعل من المركزية المفرطة أداةً للسيطرة والإقصاء بدلاً من أن تكون وسيلةً للتكامل والتنمية.
منذ الاستقلال، سعت الحكوماتُ المتعاقبة إلى تركيز القرار السياسي والاقتصادي في دمشق، باعتبار ذلك الضامنَ الوحيدَ لوحدة الدولة. غير أنّ هذه الصيغة المركزية تحوّلت تدريجياً إلى بنيةٍ بيروقراطيةٍ خانقة، تُهمّش الأقاليم وتُضعف قدرتها على إدارة شؤونها. ومع استيلاء حزب البعث على السلطة، اتخذت المركزية بُعداً أمنياً صارماً، إذ باتت جميع الملفات – بما فيها الثقافية والاجتماعية – خاضعةً لرقابة السلطة المركزية. وكانت النتيجة إضعافَ الروابط الوطنية، وتفاقمَ الشعور بالتهميش لدى المكوّنات غير الممثَّلة في بنية القرار.
إنّ رفضَ الفيدرالية في سوريا لا ينبع غالباً من نقاشٍ موضوعي، بل من خليطٍ من التعصّب الإثني والمذهبي والخوف من فقدان الامتيازات. فالتعصّب ليس مجرّد شعورٍ هوياتي، بل هو جهلٌ مقيم يحجب إمكانية البحث عن حلولٍ عادلة وفعّالة لإدارة التعدّدية. وبقدر ما تُصرّ السلطةُ المركزية على رؤيتها الأحادية للدولة، بقدر ما تدفع الأطرافَ إلى التفكير بخياراتٍ أكثرَ جذرية، تصل إلى حدّ الانفصال. ومن هنا، فإنّ قرارَ الانفصال – إن وقع – لا يُصاغ في السويداء أو الحسكة أو أيّ محافظةٍ أخرى، بل في دمشق، حيث ما تزال السلطةُ المركزية تُصرّ على إنكار التنوع وإقصاء الشراكة الوطنية.
الفيدرالية ليست مجرّد صيغةٍ إدارية أو تقنية، بل هي مشروعٌ لإعادة صياغة العقد الاجتماعي على أسسٍ جديدة. فهي تعترف بالتعدّدية، وتعيد توزيع السلطة والثروة بشكلٍ أكثرَ عدالة، وتحول الوحدةَ الوطنية من معادلةٍ قسرية إلى خيارٍ طوعي. ومن هذا المنظور، فإنّ الفيدرالية لا تهدّد وحدةَ سوريا، بل تؤسّس لها، لأنّها تجعلها ممكنةً عبر الشراكة المتوازنة بدلاً من السيطرة الأحادية.
اقرأ أيضاً:
الدروس من التجارب الدولية
سويسرا: حوّلت التعدّد اللغوي والديني إلى مصدرِ قوّةٍ عبر نظام الكانتونات، الذي يضمن الحكمَ الذاتي المحلي.
كندا: استوعبت الخصوصيةَ الثقافية واللغوية في كيبك ضمن النظام الفيدرالي، مما قلّل من احتمالات الانفصال وأبقى على إطار الوحدة.
العراق: رغم التحديات، وفّرت الفيدرالية في إقليم كردستان صيغةً عمليةً للاعتراف بحقوق مكوّنٍ رئيسي، الأمر الذي جعل البقاءَ في الدولة خياراً ممكناً رغم التوترات.
تُوضح هذه التجارب أنّ الفيدرالية لا تعني الانقسامَ بالضرورة، بل يمكن أن تكون وسيلةً لتعزيز الوحدة إذا ترافقت مع إرادةٍ سياسيةٍ لصياغة شراكةٍ حقيقية.
إنّ إعادةَ بناء الدولة السورية بعد عقودٍ من الاستبداد والحرب تستلزم مراجعةً جذريةً لبنية السلطة المركزية. ولا يمكن تصوّر مستقبلٍ مستقرّ من دون نظامٍ سياسي يحقّق:
- الاعترافَ بالتنوّع القومي والديني والمناطقي باعتباره جزءاً من الهوية الوطنية.
- ضمانَ المواطنة المتساوية من خلال توزيعٍ عادلٍ للسلطة والثروة.
- تمكينَ التنمية المحلية عبر منح المجتمعات القدرةَ على إدارة شؤونها.
- صيانةَ الوحدة الوطنية عبر تحويلها إلى خيارٍ طوعي يقوم على الشراكة والرضا المتبادل.
إنّ الفيدرالية، في السياق السوري، ليست تهديداً يُخشى منه، بل فرصةً تاريخيةً ينبغي اغتنامها. فهي السبيلُ إلى إعادة بناء الدولة على أسس العدالة والشراكة، وتحويل الوحدة الوطنية من شعارٍ فارغ إلى حقيقةٍ سياسيةٍ راسخة. ومن هنا، يمكن القول إنّ الفيدرالية ليست مجرّد احتمالٍ من بين احتمالات، بل شرطُ إمكانٍ لبقاء سوريا دولةً واحدةً جامعةً لمكوّناتها كافة.