عندما يصبح العظم آخر حامل للاسم

في الراهن السوري الذي خلّف زهاء مئتي ألف مفقود ومفقودة على طول التراب السوري، صار ملفّ المفقودين من أكثر الملفات إيلاماً للسوريين لما يحمله من أملٍ يتلاشى رويدا رويدا بأن يكون أحبتهم أحياء، فبدؤوا بالبحث عن آثارهم، في هذا المقال العلمي يأخذنا الكاتب للتعرّف على خريطة الـ DNA التي تفتح طاقة أمل لذوي المفقودين للتعرّف على رفات أحبتهم.
في الحروب والكوارث والحوادث الكبرى قد تختفي ملامح الإنسان، لكن جزءاً صغيراً من سن أو عظم قد يحتفظ بالمعلومة التي تعيد إليه اسمه، وهنا يتحوّل الحمض النووي من نتيجة مخبرية إلى حلقة وصل بين رفات مجهولة وأسرة تنتظر جواباً.
تبدأ عمليّة التعرّف قبل الوصول إلى المختبر، بدءاً من مكان العثور على الرفات، طريقة توثيقها، فصل العينات عن بعضها، وتسجيل سلسلة الحيازة كلها خطوات أساسية، حيث أنّ أي خطأ في هذه المرحلة قد يُربِك ما يأتي بعدها من خطوات، لأنّ التحليل الجيني لا يستطيع تعويض التوثيق الميداني الضعيف.
عندما تتحلّل الأنسجة الرخوة، تُصبح الأسنان والعظام الكثيفة من أهم المصادر المُحتملة لفحص الـ DNA، بسبب بنيتها الصلبة حيث أنّها قد تمنح المادة الوراثية قدراً من الحماية، لكن الزمن والحرارة والرطوبة والميكروبات تترك أثرها أيضا، وتنكسر جزيئات الـ DNA إلى قطع أقصر، وقد تنخفض كميتها إلى مستوى يجعل كلّ خطوة لاحقة أكثر حساسيّة للتلوث.
لهذا تبدأ المعالجة المخبرية بتنظيف سطح العينة وإزالة الملوثات الخارجية قدر الإمكان، ثم أخذ جزء من العظم أو السن وطحنه واستخراج المادة الوراثية، واختيار طريقة التحليل يعتمد على حالة العينة والسؤال المطلوب الإجابة عنه، وقد تستخدم بصما STR عندما تكون كمية ونوعيةDNA مناسبة، وقد تصبح تقنيات أخرى أكثر فائدة عندما تكون المادة شديدة التدهور أو عندما لا تتوفر عينة مرجعية مباشرة من الشخص المفقود.
اقرأ أيضاً:
لكن وجود إشارة جينية لا يعني تلقائياً أنّ الهوية قد حُسمت، ففي العينات التي تحتوي كمية قليلة جداً من DNA الأصلي، يمكن لتلوث صغير من البيئة أو من التعامل البشري أن يظهر بوضوح في النتيجة، لذلك تعتمد المختبرات الجادة على ضوابط سالبة، وتكرار التحليل، والفصل بين مناطق العمل، ومقارنة النتائج بمعلومات مستقلة قبل الوصول إلى استنتاج.
المرحلة الأشدّ إنسانية هي المُطابقة، فأحيانًا تتوفر عينة شخصية سابقة للمفقود، مثل عينة طبية محفوظة، وفي حالات أخرى تتم المقارنة مع أقارب بيولوجيين، وهنا بالذات تدخل مبادئ الوراثة والاحتمال: لا يبحث المختبر عن "تشابه" عام، بل يقيس مدى توافق النمط الوراثي مع علاقة قرابة محددة، ويجمع الدليل الجيني مع البيانات الأنثروبولوجية والطبية والميدانية.
تستخدم أنظمة دولية مثلI-Familia التابعة للإنتربول المقارنة العائلية للمساعدة في ربط ملفات المفقودين بعائلاتهم عبر الحدود، كما تضع إرشادات الإنتربول واللجنة الدولية للصليب الأحمر قواعد صارمة للتوثيق، أخذ العينات، إدارة البيانات، وتفسير النتائج، لأنّ الخطأ هنا لا يمسّ رقماً في تقرير، بل قد يمنح عائلة هوية خاطئة أو يحرم عائلة أخرى من جواب انتظرته لسنوات.
تزداد أهمية هذه المعرفة في المجتمعات التي عاشت الحروب والنزوح والفقد، وبالنسبة إلى السوريين مثلاً، فإنّ سؤال المفقودين والرفات المجهولة هي ملفٌ إنسانيٌ طويل، والعلم يستطيع أن يقدم فيه أدوات قوية، لكنه يحتاج إلى مؤسسات مستقلة، قواعد بيانات موثوقة، موافقات قانونية وأخلاقية، وحماية شديدة لخصوصية العائلات.
التطوّر في تقنيات التسلسل الجيني يزيد قدرتنا على قراءة كميات أصغر وأجزاء أقصر من المادة الوراثية، لكن الحساسية الأعلى تفرضُ حذراً أعلى أيضاً، فالتقنية لا تلغي الحاجة إلى الضوابط، ولا تجعل كل قراءة جينية حقيقة نهائيةـ وقيمة النتيجة تأتي من جودة العينة، ونظافة العمل، وتكرار الاختبار، والتحليل الإحصائي، وربط الدليل الجيني بكل ما هو معروف عن الحالة.
في النهاية، قد يكون ما بقي من الإنسان بعد سنوات مجرّد سن أو جزء صغير من عظم، ومع ذلك، يمكن لهذا الجزء أن يحمل معلومة تكفي لفتح باب ظل مغلقاً أمام أسرة كاملة، وعند هذه النقطة يصبح علم الوراثة أكثر من أداة تشخيصية ويصبح وسيلة لاستعادة الاسم، وتثبيت الهوية، ومنح العائلة حقها في المعرفة.
مراجع استرشادية:
- INTERPOL Disaster Victim Identification (DVI) Guide.
- INTERPOL I-Familia.
- International Committee of the Red Cross (ICRC): forensic identification of human remains.
- الأدبيات المحكمة المتعلقة بتحليلDNA المتدهور والعينات الجنائية منخفضة الكمية.
*نبذة عن الكاتب:
قاسم جميل السلومي، حاصل على ماجستير في Biotechnology/DNA Technology، وله خبرة في PCR وOxford Nanopore sequencing وتحليل العينات منخفضة الكتلة الحيوية، ويعمل في تدريس الأحياء وتنسيق البحث العلمي في قطر.