صناعة الرئيس: من يملك مفتاح الخزنة؟

ثمة سؤال لا يُطرح كثيراً حين نتحدث عن صناعة السلطة في العالم الثالث، أما السؤال فقد يمتد إلى أسئلة نُجمِلها بسؤالين:
ـ هل تبحث الدول الكبرى دائماً عن الحاكم القوي؟ أم أنها قد تفضّل، في بعض الظروف، حاكماً يمكن التحكم به؟
لا أقصد هنا نظرية المؤامرة الساذجة التي تقول إن عواصم العالم تجلس حول طاولة، تختار رئيساً لدولة فقيرة، ثم ترسله إلى شعبه، فمع أن هذا الاستخلاص لابد ويحمل بعض "الصوابية"، غير أننا إن اكتفينا به، فلابد أن نكون :
ـ من السذّج.. المعاتيه.
السياسة أكثر تعقيداً من ذلك، والتاريخ، في المقابل، أكثر قسوة، غير أن ثمة حقيقة مؤكدة:
لقد عرف العالم حالات موثقة دعمت فيها قوى كبرى حكاماً كانت تعرف فسادهم واستبدادهم، لأن مصالحها الاستراتيجية كانت أهم من طبيعة أنظمتهم، وعرف أيضاً أنظمة سياسية جعلت من ملفات الفساد والجريمة والثراء غير المشروع وسيلة لإخضاع النخب، أي أن القضية ليست بالضرورة أن "الخارج يصنع الحاكم"، فالأمر أكثر تعقيدا، فالحاكم يصنع فساده بنفسه، ثم يكتشف آخرون أن هذا الفساد يمكن أن يكون مفيداً لهم، فيستثمرون به، وهذه بعض الأمثلة.
موبوتو: حين يصبح الفساد أقل أهمية من الموقع:
ربما كان موبوتو سيسي سيكو، حاكم زائير، واحداً من أكثر النماذج وضوحاً، لم يكن الرجل مجهولاً لدى واشنطن، كانت الولايات المتحدة تعرف طبيعة نظامه، وكانت تعرف فساد وسوء إدارته، لكنها رأت فيه خلال الحرب الباردة حليفاً استراتيجياً مهماً في أفريقيا، وهكذا تكشف الوثائق الأميركية المفرج عنها أن دعم موبوتو ارتبط، بصورة مباشرة، بمواجهة النفوذ السوفياتي وبالحفاظ على حكومة موالية للغرب، كما تصف وثائق أخرى مشكلات الفساد وسوء الإدارة داخل نظامه.. لم يكن موبوتو حاكماً صالحاً تخفيه الدعاية، كان حاكماً فاسداً تعرف القوى الكبرى أنه فاسد، ومع ذلك بقي مفيداً، وحال موبوتو، لن يختلف في الجوهر عن الاحتضان الأمريكي لـ "طالبان" في لحظة ما، وهنا تظهر قاعدة سياسية شديدة القسوة:
ـ ليس المطلوب أن يكون الحاكم نظيفاً؛ المطلوب أن يكون مفيداً.
والفرق بين الاثنين هو المسافة التي يمكن أن تضيع فيها دولة كاملة، فمن يرسمون السياسات الدولية الكبرى، لا يكتفون بمعرفة "ما يريده الحاكم"؛ ينبغي معرفة "ما الذي يخشاه"، فالذي يخشاه هو المقود الذي يلتف على عنقه، بما يجعله:
ـ الحاكم المطيع.
وهذا بيت القصيد.
اقرأ أيضاً:
سوريا والعراق بين طاغيتين: الأول يخلع الباب، والثاني يُذيب قفله
الحاكم الذي يتمتع بشرعية شعبية واسعة يستطيع أن يختلف مع حليفه الخارجي، والحاكم الذي يستند إلى مؤسسات قوية يستطيع أن يناور، أما الحاكم الذي يعرف أن في الخارج من يستطيع فتح ملفه، أو تجميد أمواله، أو كشف علاقاته، أو إظهار جرائمه، فقد تكون مساحة استقلاله أضيق بكثير مما يوحي به كرسيه، وهنا:
ـ هنا تتحول الجريمة إلى أداة سياسية (إن كان تاريخه تاريخاً يختلط بالجريمة)، وهنا يتحول فساده (إن كان تاريخه فاسداً)، إلى عقد تبعية، وكلما توسّع صندوق أسراره، فيما مفتاح الصندوق بيد "الصانع" يتحوّل السرّ إلى سلاح بوجه الحاكم السعيد، الذي سيقود شعباً بائساً.
في التحكم بالأنظمة الدكتاتورية، ثمة قاعدة:
ـ معلومات ضارة يمكن استخدامها ضد مسؤول أو سياسي لإجباره على الانضباط السياسي، ومن بين الدراسات التي اهتمت بهذه القاعدة، دراسة تتصل بروسيا لتقدم دليلاً لافتاً على ذلك؛ فقد وجدت أن نحو ربع أعضاء مجلس الدوما بين 2007 و2021 كانت لديهم ثروات أو دخول مخفية، وأن هؤلاء النواب كانوا أكثر عرضة للضغط وأكثر ميلاً إلى دعم أجندة النظام، وتخلص الدراسة إلى أن الأنظمة الدكتاتورية قد تسمح بالفساد ثم تراقبه، لأن الفساد نفسه يصبح وسيلة لإخضاع الخصوم، وهكذا فالحاكم الفاسد، يحاط بسدنة فاسدين، لتُستكمل الدائرة:
ـ مركز دولي يصنع فاسداً، مجرماً، والفاسد / المجرم، يحيط نفسه بفاسدين / مجرمين، أما "الشاهد" فيمسك بـ "رسن" كليهما.
وهنا تصبح المسألة أخطر، فالفساد أو الجريمة لن يعودا عيباً طارئاً في النظام؛ لكنهما سيتحولان إلى إحدى آليات النظام، مما يجعل التحكّم بالنظام ممكناً، والطاعة حكمة، والعناد تهوراً، فالحاكم النظيف يستطيع أن يقول "لا"، أما الحاكم الذي يعرف أن هناك من يستطيع أن يقول له: سنفتح صندوق الأسرار، فإن كلمة "لا" تصبح أكثر صعوبة، فمن يحمل صندوق الأسرار، لا يحتاج إلى إطلاق النار، ولا يحتاج إلى إرسال دبابة، يكفي أن يفتح الصندوق، فقوة "المفتاح" أنها القوة التي لاتحتاج إلى استعمال نفسها، يكفي الجالس أمامها أن يعرف أنها موجودة، وهنا سيعود "الحاكم" المحكوم بـ "حملة مفتاح الصندوق"، ليُنتج صندوقاً يخصّه وحده، هذا الصندوق حرفته جمع المعلومات عن مخالفات وجرائم أفراد من "نخبته"، لتتحول دولته برمتها إلى "فاسدة" أو "قاتلة"، مقودها بيده، فيما مقوده بيد حامل مفتاح "أسرار الصندوق"، وكليها "مطيع" يطيعه "من تحته"، وهو يطيع من أعلى منه، ومع الصيغة العبقرية هذه تصبح الدولة تحمل اسماً واحداً.
ـ الدولة المطيعة.
وهكذا يصبح الفساد أو الجريمة، أشبه بحبل طويل، يُترك للـ "القائد المُلهَم"، "القائد المحرِر؟!!" كي يمشي به، ثم يُشد عندما يخرج عن المسار، وهذا يعيد تعريف العلاقة بين السلطة والفساد والجريمة، فالفساد والجريمة، لا يعنيان دائماً أن الدولة ضعيفة، ففي معظم الأحيان، يكون الفساد والجريمة، إحدى الوسائل التي تجعل الدولة أقوى على السكان، الذين يحملون اسم :
ـ مواطنون.
ومع الصيغة إياها ستكون "المعادلة المذهلة":
ـ حامل المفتاح يغض النظر عن سلطتك، والسلطة تغض الطرف عن فساد وجرائم نخبها، ونخبها ترد لها الجميل.
حين نضع هذه اللوحة بتفاصيلها على الجدار، لا نجد مؤامرة عالمية واحدة، ولا نجد غرفة واحدة تتحكم بكل الرؤساء، كل ما نجده، هو أن نجد شيئاً أكثر واقعية:
ـ شبكات مصالح.
دولة كبرى تريد حليفاً، نظام محلي يريد البقاء، نخبة تريد حماية ثروتها وفسادها، قاتل يريد ضمان موقعه، رجل أعمال يريد العقود، وحاكم يريد الحماية، وفي مكان ما بين هؤلاء جميعاً يوجد "صندوق الأسرار".
وحين لا يرغب أحد في فتح "صندوق الأسرار"، يصبح التحالف ما بين حاملي المفاتيح والحاكم ونخبته، أكثر إحكاماً.
وهنا ثمة أسئلة مشروعة، من بينها:
كيف يستطيع النظام الدولي أن يعيد تعريف رجل كان بالأمس خصماً إرهابياً، ثم يتعامل معه لاحقاً بوصفه شريكاً سياسياً؟
السؤال الأذكى هو:
ما الذي يجعل النظام الدولي قادراً على تحويل خصم كان بالأمس إرهابياً إلى شريك سياسي اليوم؟
والجواب ليس بالضرورة المؤامرة، قد يكون ببساطة:
ـ المصالح.
السياسة الدولية ليست محكمة أخلاقية، هي قادرة على إعادة تعريف الأشخاص عندما تتغير الظروف، عدو الأمس يمكن أن يصبح حليف اليوم، والرجل الذي كان مطلوباً يمكن أن يصبح ضيفاً في البيت الأبيض، والتنظيم الذي كان محظوراً يمكن أن ينتهي تصنيفه عندما ترى القوى الكبرى أن الواقع الجديد يتطلب ذلك، هذا لا يعني أن الماضي اختفى، بل يعني أن المصالح تستطيع أن تعيد ترتيب أهمية الماضي، وهنا تكمن المفارقة، فإذا كانت السياسة قادرة على أن تفعل ذلك مع رجل ارتبط اسمه بالقاعدة والإرهاب، فإن علينا أن نفهم أن وصف الحاكم في السياسة الدولية لا يتعلق دائماً بتاريخه وحده، بل يتعلق أيضاً بموقعه الجديد في ميزان القوى، وإذا كان ما سبق هو تلميحاً، فالتصريح يقول أن المقصود هو بالتحديد:
ـ أحمد الشرع.
وبالصيغة المتداولة، هو:
ـ الرئيس أحمد الشرع.
لكن الشرع يطرح سؤالاً إضافياً:
ـ رجل ذو ماضٍ شديد الحساسية يتحول إلى شريك دولي في لحظة انهيار نظام قديم وإعادة تشكيل المنطقة.. كيف يحدث هذا؟
وهنا ينبغي أن نترك الحكم مفتوحاً، هل تحول الرجل فعلاً؟ هل تغيرت أفكاره السياسية؟ هل أصبح مشروعه وطنياً سورياً؟ هل قطعت الدولة الجديدة فعلاً مع التنظيمات الجهادية؟ أم أن السياسة الدولية هي التي غيّرت موقع الرجل قبل أن نعرف نحن ما إذا كان الرجل قد تغير؟
هذه ليست أسئلة صغيرة، لكن المؤكد أن السياسة الدولية فعلت شيئاً واضحاً:
ـ أعادت تصنيف الرجل.
والدول الكبرى تملك القدرة على إعادة تعريف قيمة الرجل وسواه، بالأمس، إرهابي، واليوم، رئيس، لكن السؤال الحقيقي، سيبقى:
ـ من يحكم الحاكم؟
ومع السؤال تتناسل أسئلة:
من يستطيع أن يُبقيه؟ من يحميه؟ من يستطيع فتح ملفه؟ من يستطيع إغلاقه؟ ومن يستطيع أن يقول له، في لحظة ما:
ـ أنت الآن شريك.
لكن قولها لايكفي، ففي درج ما، أو في خادم إلكتروني ما، أو في خزنة جهاز استخبارات ما، أو في حساب مصرفي ما.. في مكان ما من "صندوق الأسرار"، قد توجد قصة أخرى، قصة لا يراها الجمهور.
وهنا يصبح الحكم علبة من الأسرار، وتتحول الدولة إلى غرفة مغلقة، لا أحد فيها بريء بما يكفي ليفتح الباب.
ليست المشكلة أن دولة من دول "صندوق الأسرار" لا تملك حكاماً، بوسعهم أن يكونوا خارج الصندوق، المشكلة أن ثمة بلدان أنتجت حكاماً جعلوا استقلالهم نفسه مستحيلاً، ولكن في نهاية المطاف لا يعود السؤال:
ـ لماذا اختارت العواصم الكبرى مثل هؤلاء؟
لا، سيكون السؤال:
ـ لماذا كان هؤلاء الحكام قابلين للاختيار أصلاً؟
ربما تكون السياسة الدولية أقل رومانسية مما نعتقد، هي لا تبحث على الدوام عن القديسين، ولا تبحث حتى عن الديمقراطيين، إنها تبحث عن:
ـ القابل للاستخدام.
وقد يكون القابل للاستخدام حاكماً شعبياً، وقد يكون جنرالاً، وقد يكون أميراً، وقد يكون رجل أعمال، وقد يكون قرداً في سيرك يتقن تقشير الموزة للزوار المستمتعين، وقد يكون، في لحظة ما، متمرداً سابقاً يحمل تاريخاً شديد السواد.
المعيار ليس دائماً:
ـ من كنت؟
المعيار:
من أصبحت؟ وماذا تستطيع أن تقدم الآن؟
وهنا يصبح الماضي ملفاً، وقد يصبح الحاضر صفقة، وقد يصبح المستقبل رهناً، لكن التاريخ يضع أمامنا تحذيراً أخيراً:
حين يصبح فساد الحاكم، أو جريمته، أو ماضيه، أو تبعيته، جزءاً من قيمته السياسية، لا يعود الخطر في الحاكم وحده، الخطر في النظام الذي يجد في هذا النوع من الحكام ما يحتاج إليه، فعنده:
ـ الفساد يمكن أن يتحول إلى وسيلة إخضاع، والإرهابي السابق يمكن أن يصبح رئيساً.
وهنا تكمن القاعدة الأكثر قسوة في السياسة الدولية:
ليس أخطر ما في الحاكم أن يكون عليه ملف؛ أخطر ما في الأمر أن يكون هناك من يحتاج إلى إبقاء الملف مغلقاً.
وعندها لا يعود السؤال:
من يحكم البلاد؟
سيكون السؤال:
من يملك مفتاح الخزنة؟