info@suwar-magazine.org

حين يتحول الصمت إلى تفويض

حين يتحول الصمت إلى تفويض
Whatsapp
Facebook Share

 

ثمة خطاب سياسي استنفد وظيفته قبل أن يستنفد مفرداته. ما زال يعيد شرح الاستبداد، والدولة، والمؤسسات، والتعدد، وكأن المشكلة السورية ما زالت تحتاج إلى اكتشاف هذه البديهيات. لكن إعادة التشخيص بعد تغير السلطة لا تنتج معرفة جديدة. والأكثر دلالة أن بعض من بنوا خطابهم السياسي في عهد بشار الأسد على رفض الاستبداد لم يتخلوا عن مفرداتهم، وإنما تخلوا عن معيارهم؛ فحين كان المستبد هو الأسد كانت الدولة قضية مبدئية، وحين أصبح الحاكم الجديد قادماً من خارج النظام السابق بدا أن تعريف الاستبداد يمكن أن يتغير بتغير اسم المستبد.

 



الاستبداد لا يصبح أقل استبداداً لأن صاحبه جاء من خارج النظام السابق، كما أن السلطة لا تصبح شرعية لأنها أسقطت سلطة كانت فاقدة للشرعية. لكن تكرار هذه الحقيقة لم يعد كافياً. السؤال السياسي الأكثر أهمية الآن هو: ماذا يحدث للسلطة الجديدة عندما تتغير الشروط التي جعلت الآخرين بحاجة إليها؟

 



فمن الخطأ افتراض أن كل دولة تعاملت مع السلطة الجديدة قررت أن تجعلها مشروعاً دائماً لسوريا. الدول لا تبني سياساتها على العواطف، وإنما على المصالح والوظائف والكلفة والمخاطر والبدائل. قد تحتاج دولة إلى سلطة تضبط مساحة جغرافية، أو تنفذ ترتيباً معيناً، أو تحتوي تهديداً إقليمياً، أو تقدم تنازلات في ملف محدد. لكن الوظيفة شيء، وتحويل صاحبها إلى شريك دائم شيء آخر. الأداة التي تكون مفيدة في مرحلة قد تصبح عبئاً في مرحلة أخرى، وقد تتغير علاقة الدول بها من دون إعلان درامي، بمجرد أن تتغير الحسابات.

 



لذلك فإن الاعتراف الخارجي ليس عقد ملكية، والتعامل الدولي ليس تفويضاً أبدياً، والدعم السياسي لا يعني أن الجهة الداعمة ستدافع عن السلطة مهما تغيرت الظروف. فالسياسة الدولية لا تعرف الحلفاء الأبديين بقدر ما تعرف المصالح المتغيرة. وما يبدو اليوم ضمانة قد يصبح غداً عبئاً إذا تغيرت الوظيفة أو ارتفعت الكلفة أو ظهرت بدائل.

 

اقرأ أيضاً:

 

                          من ذاكرة التوحيد إلى سؤال الوجود‏

                   لماذا وصلت السويداء إلى حافة القطيعة مع السلطة؟



لكن الخطر الأهم قد لا يأتي من الخارج، بل من الداخل؛ من إمكانية أن تتحول حالة سياسية مؤقتة إلى شرعية بحكم الصمت. فليس كل من يقف خلف السلطة جمهوراً قابلاً للإقناع بالمواعظ عن الدولة والمؤسسات. هناك من ينظر إليها من خلال هويتها، ومن يدافع عن الجماعة التي يعتقد أنها تمثله قبل أن يناقش أداءها. لكن هناك أيضاً أولئك الذين لم يختاروا السلطة، ولم يفوضوها، ولم ينخرطوا في خطابها، وإنما يراقبون المشهد من موقع الصمت أو الانتظار أو الخوف أو العجز.

 



وهؤلاء هم الذين ينبغي ألا يُترك صمتهم لكي يُفسَّر نيابة عنهم. فالسلطة تستطيع، مع الوقت، أن تتحدث باسم المجتمع إذا لم يجد المجتمع من يتحدث باسمه؛ ويمكن أن يتحول غياب الاعتراض إلى دليل مزعوم على الرضا، وقد تتحول قدرة جماعة منظمة على احتلال المجال العام إلى ادعاء بأنها تمثل الجميع. ومن هنا تصبح المهمة السياسية الأساسية هي منع تحويل الصمت إلى تفويض.

 



ليس المطلوب أن يتحول كل صامت إلى معارض، ولا أن يدخل كل مختلف في مواجهة مفتوحة مع السلطة. المطلوب فقط ألا يُستخدم صمته دليلاً على أنه اختارها. هناك فرق بين أن يصمت الإنسان لأنه خائف، أو لأنه ينتظر، أو لأنه لا يرى بديلاً، وبين أن يفوض. والخلط بين هذه الحالات هو إحدى الطرق التي يمكن أن تُصنع بها شرعية لم يمنحها المجتمع.

 



لهذا فإن مسؤولية القوى السياسية والمدنية التي لا تنتمي إلى مشروع السلطة ليست الدخول في سباق شعارات مع جمهورها الأكثر صخباً، وإنما منع احتكار التمثيل. وهذا يبدأ بإظهار التعدد السياسي والاجتماعي، وتوثيق المواقف، والتمييز بوضوح بين السلطة والشعب، وبين المجتمع ومن يتحدث باسمه، وبين الاعتراف الخارجي والتفويض الداخلي. فالسلطة ليست الوطن، والاختلاف معها ليس خروجاً من الوطن، والاعتراف بها من الخارج ليس تفويضاً من السوريين، والصمت عنها ليس موافقة.

 



المعركة المقبلة، لذلك، قد لا تكون معركة إسقاط سلطة بقدر ما تكون معركة منعها من أن تصبح هي المجتمع. فإسقاط سلطة يمكن أن يكون حدثاً، أما منعها من احتكار تمثيل الناس فهو عمل سياسي طويل. وإذا كان ثمة درس ينبغي ألا ننساه من التجربة السورية، فهو أن السلطة تصبح أخطر عندما تبدأ في الكلام باسم مجتمع لم يعد قادراً على الكلام باسم نفسه.

 


لا تتركوا الصمت يتحول إلى تفويض. لا تسمحوا للأمر الواقع أن يتحول إلى تمثيل، ولا للاعتراف الخارجي أن يحل محل الإرادة الداخلية. فالشرعية التي لا تأتي من الناس قد تجد أبواباً كثيرة تدخل منها، لكنها تظل تفتقد الباب الوحيد الذي لا يمكن فتحه من الخارج: باب المجتمع.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard