التنوّع الموسيقي في سوريا يُجسّد غِنى المجتمع وتعدّد هويّاته الثقافية

*اللوحة الرئيسية من أعمال الفنان لقمان أحمد
قبل الحديث عن التنوّع الموسيقي في سوريا، أودّ الإشارة إلى أهميّة الجغرافيا السياسية التي تشكّلت تاريخياً عبر تحوّلات سياسية، والتي ساهمت في هذا التنوّع الموسيقي.
تشكّلت الجغرافيا السياسية لسوريا الحالية بعد "اتفاقية سايكس – بيكو"، التي قسّمت التركة العثمانية المتنوّعة اللغات والثقافات، وتنوّعت معها البيئة الاجتماعية وأعرافها وعاداتها وتقاليدها (كلٌّ بحسب انتمائه العرقي أو الديني أو المذهبي... إلخ). لكن بالعودة إلى الشكل السياسي ما قبل هذا الاتفاق الدولي، نجد أنّ الجغرافيا السورية كانت جزءاً أساسياً من منطقة بلاد الشام، التي تضمّ أربع دول، والمتجاورة مع عدّة مناطق هي: بلاد النيل، حوض البحر المتوسّط، بلاد الأناضول، بلاد الرافدين، وشبه الجزيرة العربية.
هذه الجغرافيا المترامية والمتنوّعة والمتّصلة بالعديد من الأقاليم فرضت أهمّيتها، ما جعلها ملتقى لطرق التجارة والحج، حيث أصبحت بعض مدنها حواضر مهمّة على الطريق التجاري القديم "طريق الحرير". وإلى جانب أهمّيتها لقوافل الحجّ الإسلامي والمسيحي، التي ساهمت في تبادل الثقافات والموسيقى، بل وأحياناً العادات والتقاليد (على مبدأ التأثّر والتأثير)، كانت قوافل الحجّ والتجارة ترافقها أنواع من الموسيقى أو الشعر أو حتّى الابتهالات الدينية.
أعود للموضوع الأساسي "التنوّع الموسيقي في سوريا" مع شرح ما سبق لأنّه قد تظهر بعد الموسيقات المتشابهة بعدّة أماكن حتّى وقتنا الحالي كمثال (أغنية يا محلا الفسحة التي تم تداولها في منطقة الاسكندرية وكذلك منطقة الساحل السوري) . فالجغرافيا الحالية لسوريا لا زالت متجاورة مع بلاد الأناضول، بلاد الرافدين و حوض المتوسط. وبناء على ذلك وضعت بعض العوامل الأساسية لتنوع الموسيقا التي ارتبطت بالمجتمعات المتنوّعة المتواجدة في هذه البقعة والتي تناغمت فيما بينها بسبب التأثر والتأثير(وأكثر مثال على ذلك هي في منطقة الجزيرة السورية)

1 - سأبدأ من طبيعة التضاريس في سوريا حيث التضاريس الجغرافية في سوريا تتنوّع ما بين البحر والساحل والجبل والنهر و السهل والبادية والصحراء .
2 - تنوّع الغطاء النباتي تبعاً للتنوع التضاريسي السالف ذكره ما بين الجبال المشجرة وكثافة غاباتها كجبال الساحل وما بين الجبال الجرداء أو الصخرية كالجبال المحيطة بدمشق الجرداء أو الصخرية . وأيضاً ما بين الأنهار التي تمّر بالمناطق المشجّرة وتتنوّع على ضفافها المزروعات والأشجار وحتّى الأعشاب التي وُظّفت للصوت وتحسينه (شربها تساهم بليونة للحبال الصوتية و راحة المعدة) وما بين الأنهار التي تمرّ في مناطق شبه جرداء أو تزرع الحبوب فقط كالرقة، الحسكة وديرالزور. وهذا التنوّع ساهم أيضاً بتنوّع صناعة الآلات الموسيقية حسب المواد الأولية المتوفرة.
3 - التنوّع المجتمعي في سوريا والتي تضمّ تنوعات كثيرة، فكما نعلم مرّت على سوريا حضارات، دويلات، إمارات وشعوب كثيرة منها شبه انقرضت ومنها انقرضت ومنها مستمرة: الآراميين، الآشوريين، الكرد، الكلدان، العرب، التركمان، الأرمن، الجركس، القرباط، أرناؤوط.
إنّ هذا التنوع بكافة جزئياتها منذ القدم حتّى التاريخ الحالي أكسب هذا البلد تنوّع موسيقي هائل لكن للأسف لا زالت مسألة البحث العلمي الأكاديمي بحاجة للكثير من الفرق البحثية للخوض في هذا الغمار.
إنّ التنوّع في هذه المجتمعات المتداخلة فيما بينها خلقت تنوّعاً في ممارسة الطقوس، العادات، التقاليد الاجتماعية، المناسبات، الأعراس، والمآتم بالإضافة لتنوع الأديان. حيث الكثير من المناسبات الدينية تحولت الى طقوس ثقافية واجتماعية.
فمثلاً، يوجد لدى الكُرد نوعٌ من الغناء في المآتم يُسمّى "لوراندن"، وفي بعض المناطق الكردية في الجزيرة يُسمّونه "ديروك" (dîrok)، وتعني "الرثاء". عندما يموت شخص ما و قبل أن يغسلوا المتوفى تجتمع النسوة حول الجنازة و يبدأون بالرثاء بشكل غنائي مترافق مع البكاء، وهنا تتناوب النساء بشكل عفوي فيما بينهن بتناول هذا الرثاء وخاصة إذا كانت التي ترثي هي والدة المتوفى أو زوجته، فمع الرثاء يكون البكاء قوياً لدرجة أنّ المرأة التي ترثي لا تستطيع إتمام الرثاء من شدّة البكاء على المتوّفى فتضطر إحدى النسوة أن تتابع الرثاء على نفس اللحن ولكن كلمات ارتجالية (غالباً ما تكون أقرب إلى السجع رغم أنّ هذه النسوة لا يملكن معرفة بالجملة الموسيقية و لكن تواتر الحزن يترافق بايقاع موزون).
بالمقابل هناك "اللوراندن" الأمهات للأطفال والتي تغنّي للطفل لكي ينام و التي تعادلها بالعربي "الهدهدة" فمن أشهر أغاني الهدهدة بالعربي هي أغنية " يالله تنام يالله تنام لأدبحلك طير الحمام " لفيروز التي قيلت و نقلاً بأنّها أغنية هدهدة من منطقة معلولا أو قريب منها) و يتواجد هذا الشكل من الغناء عند الأرمن والشركس وغيرهم .
اقرأ أيضاً:
ويتضمّن التنوع لهذه المجتمعات المتواجدة في هذه البقعة الجغرافية من خلال ممارسة طقوس أخرى كثيرة تلك التي مارسوها ولا زالوا والتي أساسها يعتمد على الغناء والعزف والرقص والدبكات في المناسبات مثل: القدوم من السفر، الخروج من السجن، الولادات، الأعياد، الأعراس، الذهاب إلى الحج، طقوس حمّام السوق، طقوس نهاية المواسم الزراعية.
مثلاً في "نهاية المواسم الزراعية" بعد أن ينتهي صاحب الأرض الغني من حصاد محاصيله نجده يحتفل بالانتهاء طبعاً قبل بيعها على الأغلب (عندنا كانوا يجلبون الطبّالين والزمارين ويحتفلون مع توزيع بعض النقود). أمّا في المناطق الشرقية بحلب (يجلبون الحجيّات ويحتفلون بانتهاء الموسم) و هذه الطقوس مرهونة بحسب المنطقة والقرية.
وطقس آخر وهو "صناعة العرق المثّلث وتقطيره" في مناطق طرطوس وأرياف حمص تكون صناعته محليّة خاصّة جدّاً ولكن أثناء تقطيره تطول السهرة ويحضرها من القرية الأشخاص المهتمّون بهذا الطقس وتصبح جلسة سمرمترافقة مع عملية التقطير وحيث ينجلي الغطاء عن الحاضرين والمندمجين مع هذه الطقوس فتخرج أحاسيسهم و مكنوناتهم بعد أن يزول عنهم سلطان العقل ليحل محلّه سلطان النشوة. لتتحوّل إلى جلسة عفوية تقودها أغاني الطرب.

4 - التنوّع اللغوي: ضمن هذا التنوّع من المجتمعات المتداخلة والتي يكون أساسها تنوّع اللغة واللهجات المحلية مثل ما نعلم منها المتقاربة ومنها المتباعدة واللغات منها أيضاً متقاربة و متباعدة وهذا له علاقة بالغناء و كيفية مدّ الحروف والكلمات التي تناسب اللهجة الفلانية أو اللغة الفلانية فمثلاً في الغناء العربي تتصدّر بعض الكلمات الأغاني مثل : "يا ليل يا عين" فله شكل موسيقي طربي بحلب واضح و كلمة "يا يابا" لها شكل غناء جبلي واضح في منطقة الساحل أو مناطق الغاب. أمّا في الغناء الكردي يستعملون مفردة: "تاوو دلوو " و أيضاً استعمال كلمة " ليه ليه " وهي نداء للمؤنث و " لو لو " وهو نداء للمذكر.
5 - التنوّع الديني: وهو مرتبط بالتنوّع البشري و المجتمعات المتواجدة في سوريا عبر التاريخ و"الموسيقى الدينية" لها دور واضح وحيوي في كلّ الطوائف والأعراق والإثنيات الموجودة في سوريا، فهذا الشكل الغنائي و الموسيقي بعضها خرج من أماكن العبادة و المعابد إلى ممارستها بالنشاطات الاجتماعية و الثقافية ((المهرجانات المحلية و حتى العالمية أحياناً)) وليس دائماً بينما بالمقابل عند الأتراك و الإيرانيين تحوّلت الى المشاركة بالمهرجانات أو إقامة نشاطات خاصّة لنمط غنائي ديني والذي تحول إلى حالة ثقافية (( في تركيا الموسيقى العلوية خرجت من النطاق الديني والمناسبات الدينية إلى حضور قوي و فعّال موسيقيّاً وأصبحت تدرّس في الأكاديميات والمعاهد وحتّى تتواجد بألمانيا الكثير من معاهد تعلّم العزف الباغلمى والتي هي دينية بحتة.
وكذلك الأمر في إيران أصحاب الطرق الصوفية يجتهدون بشكل أكاديمي واحترافي و عندنا هناك من اشتغل عليها سابقاً ضمن سوريا و حلب تحديداً كـ : المنشد "حسن حفّار" الذي حوّل الأناشيد الدينية و الأذكار الى شكل طربي، وحتّى "صباح فخري" اشتغل بهذه الطريقة في البدايات. و قبل 2011 تواجدت فرقة اسمها "أبو شعر" للإنشاد الديني تشارك في المهرجانات السورية بالمقابل أيضاً التراتيل المسيحية بإختلافاته ((كلّ طائفة لها خصوصية بالتراتيل و ممارسة طقوسها التي منها شرقي بحت ومنها غربي بحت، خرجت من نطاق الكنيسة وأصبحت تشارك في الكثير من الفعاليات في السنوات الأخيرة ما قبل 2011 و بعد 2011)).

فالتنوّع الديني له تأثير واضح في كلّ المجتمعات لأنّ الكثير من المناسبات الدينية تحوّلت إلى اجتماعية في الأعياد مثل عيد الفطر وعيد الأضحى وعيد رأس السنة وأعياد الميلاد التي تحوّلت الى مناسبات اجتماعية فكانت تمارس في المعابد وتحوّلت في أماكن كثيرة كالبيوت والساحات والصالات المختلفة وجلسات السمر ضمن التنوع الاجتماعي القائم في أي مكان مثلاً.
وهناك بعض من الطوائف بقيت على كلاسيكيتها ولم تخرج من نطاق المناسبة الدينية البحتة الأيزيديين والإسماعيليين والمرشديين وحتّى منها كانت لا تستطيع الإجهار بها مثل الإيزيديين والمرشديين إلّا ضمن نطاقها (البيت أو القرية أو مكان عبادتهم مثلاً) ومنها لا تعمل على الإجهار لخصوصيتها أو سريّتها أو بعض من سريّتها كالدروز ولكن لها حضور قوي ولم تتحوّل إلى حالة موسيقية معلنة، كما المولوية أو الدراويش أو النقشبندية وغيرها. طبعاً حتّى بالأديان كانت تتواجد بعض الفروقات بين المدينة و الريف.
6- الآلات الموسيقية: تُرافق التجمّعات البشرية لممارسة الموسيقى إن كانت مع ممارسة الموسيقى الدينية، فـ "الذِكر والموالد" ترافقها الدفوف والصانجات المعدنية أمّا "التراتيل الدينية" كانت سابقاً فقط تعتمد على الصوت والكورال مع أدوات القدّاس. منذ أكثر من 100 عام دخلت آلة الأورغان إلى أغلب الكنائس التي تعتمد على التراتيل الغربية التي تم جلبها من الفاتيكان و مؤخراً أدخلوا آلات موسيقية أخرى كالبيانو والكونتراباص وفي الموسيقى الإيزيدية فلا زالوا يعتمدون على الشبابة والطبلة .
هنا نودّ تسليط الضوء على الآلات الموسيقية الأكثر استعمالاً في سورية ما بين المدينة والريف: ففي المدن تتصدّر مجموعة آلات التخت الشرقي الأساسية التالية: عود - قانون - ناي - طبلة والرق - البزق.
أمّا الآلات الموسيقية المستعملة بالأرياف: الطبل - الزمر - المجوز - الدف - الشبابة - الطمبور الصغير( جوررة ) - الطمبور الكبير - الربابة و هذه الآلات تستعمل بشكل فردي أغلبها ليست مثل المدن باستخدام جماعي أو فرقة موسيقية.