info@suwar-magazine.org

في نخبوية العمل المدني والابتعاد عن اليومي

في نخبوية العمل المدني والابتعاد عن اليومي
Whatsapp
Facebook Share

 

في هذه الأيام وحين تقلّب ألبوم مدينة قامشلي اليومي، سترى مظاهرات واعتصامات في كلّ مكان وفي تواقيت مختلفة، في القيظ والظلّ، أمام مكتب البريد وفي الشوارع المليئة بالحفر، وسترى أحدهم من كثرة الهيجان يتم إسعافه ليُجري عملية قثطرة قلبية وترى بين المتظاهرين بعض مثقفين وبعض سياسيين وأناس متضرّرين أرهقتهم الأيام وهدّهم اليأس، لكن بالكاد لن ترى ناشطين وناشطات مدنيين.

 

 

هنا في هذا المقال العابر الذي لا يدّعي الغوص، وإنما يدّعي نبش بعض التساؤلات، التي لا أدّعي معرفة إجابات عنها؛ فما هو الدور المنوط بالمجتمع المدني، أو لنقل بشيء من التحديد متناسب مع الواقع الميداني العملي؛ ما هو الدور المنوط بمنظّمات المجتمع المدني؟ والتي جادت علينا هذه السنوات بالعشرات منها، ويصل الرقم الحقيقي لها في مدينة القامشلي وحدها إلى نحو مائة منظّمة أو يزيد.

 

 

وأين هم الناشطون والناشطات وقد شحذت سنوات العمل في المنظمات المدنية خبرات العشرات منهم، وقد تلّقوا خبرات ومهارات في مجالات عدّة وصار باستطاعتهم قيادة النقاشات المعمّقة وإنتاج أوراق حول السلم الأهلي والديمقراطية ورفع الوعي وتمكين النساء وريادة الشباب وغيرها من القضايا الخطيرة والمهمّة.

 

 

أقول أين هم؟ دون أن أنأى بنفسي وإياهم عن معضلة النأي بالنفس عن اليومي، والنأي بالنفس عمّا يمسّ لقمة العيش، والخروج إلى الشوارع، لأنّ أحد أوضح أدوار المجتمع المدني هو أن يكون صلة الوصل ما بين المجتمع العام وصنّاع القرار/ السلطات، لكن ليس عن طريق المغازلة، بل عن طريق الضغط.

 

اقرأ أيضاً:

 

                         هندسة الإنسان المطيع ودمجه في القطيع

                       الكُرد من تجربة صداقة الجبال الى وهم أخوّة الشعوب

 

 

اليوم من هو المُطالب بتحريك الشارع في قضايا تمسّ الحياة الكريمة؟ إذ أنّ ارتفاع أسعار المحروقات وانعدام الكهرباء وتدني الخدمات هي تلك الأمور التي يحتاجها الناس لتقبّل الحديث عما فوقها وهي الديمقراطية والكرامة الإنسانية والحرية، ولأجل هذه العوائق والتحديات اليومية لا نستطيع التقدّم في طين التردّي للعبور صوب ما هو أسمى وأدعى لحياة كريمة، وهي العيش بحرية وكرامة.

 

 

ينسحب الأمر بجزء منه على الأحزاب السياسية وخاصة خارج السلطة، وذلك أنّها من الناحية العملية تؤدي أدوار صغيرة ضمن حيّز ما يفعله المجتمع المدني مع فارق أنّها وبضعف في البنى الفوقية والتحتية تسعى إلى السلطة وتدأب لتقاسمها أو النيل من طرفٍ منها.

 

 

مرّت الكثير من الأحداث في هذه السنوات كانت تستدعي حِراكاً على المستوى الشعبي، ولكن بقيادة المجتمع المدني والأحزاب السياسية، والآن فلنقسّم بعض المواضيع التي نرى أنّها أقرب إلى استدعاء حراكٍ حيالها.

 

 

مثلاً؛ إنّ عدم إشراك المجتمع المدني في النقاشات الجادة والمصيرية ووعي خطورة دوره كان يستدعي حراكاً على مستوى التنظير والنقاشات المركّزة المُجدية والتي تستطيع إسماع السلطات بمكبّر صوتي يجعله يلتفت، ومثلا فإنّ ارتفاع أسعار المازوت وتردّي الخدمات في بعض المنعطفات الهامة بتصاعد مُفاجئ وتأثيرها على حياة الناس، كان يستدعي حِراكاً شعبياً كبيراً يقوده المجتمع المدني بدرجة أولى وأحزاب سياسية بدرجة ثانية، وهو ما لم يحصل إلا في حدود أقلّ ما يمكن القول عنها أنّها كانت خجولة من حيث زخم المشاركة، حتى وإن كانت تجربة مهمة في التحرّك مع اليومي ومناصرته.

 

 

ومثلا؛ فإنّ عدم إشراك الأحزاب السياسية في مصير المنطقة وإقصائها والتعدّي عليها لم يُسهم في حراك على المستوى الشعبي في الشارع، وحتى لو كان المبرّر هو عدم محاولة الصدام مع السلطة، فإنّه مبرّر دفع بالإقصاء إلى أقصاه، فلم يجد صنّاع القرار لهم أنداداً.

 

 

أقول بأنّ العمل المدني وجزء من السياسي مرهون بنخبويته، والنخبة هنا في هذا السياق لا أستخدمها للحديث عما هو أسمى بالفعل بقدر ما هو نعت للنأي بالنفس، وخروج عن قضايا الحياة اليومية التي تهم الجميع والتمسّك بالقضايا المجرّدة، والتي هي على أهميتها ليس لها معنى إن كان التوجّه إليها هربا من المسؤولية الاجتماعية، وهي ربما استحضار لنكتة متداولة، والأصح أن نقول أنها نكتة مثقفين تقول: أنّ رجلاً كان يتباهى بالتفاهم الكبير بينه وبين زوجته وحين سألوه السرّ، قال بكبرياء، أترك لها القضايا الصغيرة المتعلّقة بمصروف البيت واحتياجات المنزل وكلّ ما هو يومي، وأترك لنفسي القضايا الكبرى كقضايا الحروب والمجاعات والديمقراطيات حول العالم.

 

 

ليس ما أكتبه هنا سوى انطباعات متناثرة تحتاج تمحيصا ودراسة أوفى للوقوف على الأسباب والوصول إلى توصيات ومقترحات وبناء وجهة نظر حقيقية، وإنصاف للحراك المدني والسياسي، لكنّه انطباع معجون بالاحتكاك اليومي مع كلّ هذا.

 

 

وفي كلمة أخيرة سأقول إنّ تظاهرات اليوم تكسب تأييد الجميع، فما المنطقة إلا في مرحلة انتقالية، حيث وضع العديد من المسؤولين التزاماتهم على قارعة مكاتبهم وذهبوا إلى البيت في الوقت الذي نحن فيه أحوج إلى من يتبنى المسؤولية حتى وإن كان مخطئاً، وتخرج الرسائل من أفواه الناس حول الواقع المتردّي لكنّها لا تصيبُ إدارةً ذاتية حلّت عقدها الاجتماعي مع مجتمع حكمته لسنوات – حتى وإن كان بمشاركة منقوصة – ولا تصيبُ حكومة مؤقتة نصّبت خيمتها في دمشق وكرّست مركزية تتأرجح بين عبء البعث الغابر في رؤيته المركزية وبين رغبة جامحة وشبق كبير للسلطة يستدعي التعامل مع الأطراف والثغور حتى وإن كان على كُره.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard