هشاشة الدولة بين الإقصاء والمظلات الإقليمية، لماذا تحتاج سوريا إلى جبهة وطنية جامعة؟

في قلب الشرق الأوسط المتقلب، تتصارع القوى المحلية والإقليمية على النفوذ والشرعية، بينما يبقى السوريون، بكل مكوناتهم المتنوعة، في مواجهة مباشرة مع هشاشة دولتهم الوطنية. مع صعود سلطة ذات خلفية إسلامية جهادية ونزعات إقصائية، أصبح السؤال الأساسي، كيف يمكن حماية التنوع الوطني وإعادة بناء الدولة قبل أن تتحول سوريا إلى ساحة لتجاذبات الخارج؟
في هذا السياق، يطرح نموذج "نظام نتنياهو" الإقليمي مثالاً على إدارة المصالح وتوازن القوى، لكنه يؤكد أيضاً أن الحل الاستراتيجي الحقيقي لا يكمن في الاعتماد على مظلات خارجية، بل في تأسيس جبهة وطنية سورية جامعة تحمي جميع المكونات وتعيد للشرعية الوطنية معناها الحقيقي.
تشهد المنطقة منذ أكتوبر 2023 تحولات عميقة دفعت بعض دوائر التفكير إلى الحديث عن إعادة تشكيل النظام الإقليمي، وبرز في هذا السياق توصيف "نظام نتنياهو" كما تناوله كتاب Das System Netanjahu للمؤرخ والصحفي Joseph Croitor، بوصفه نمط حكم يتجاوز شخص بنيامين نتنياهو إلى شبكة تحالفات أيديولوجية وأمنية تعيد تموضع إسرائيل في قلب الإقليم. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه سورياً ليس ما إذا كان هذا "النظام" يتكرّس إقليمياً، بل كيف ينبغي للسوريين، بكل مكوناتهم القومية والدينية، أن يتعاملوا مع تحولات كهذه في ظل هشاشة الدولة الوطنية، وصعود سلطة ذات خلفية إسلامية جهادية ونزعات إقصائية.
هشاشة الدولة الوطنية تصبح خطراً مضاعفاً عندما تترافق مع سلطة عقائدية ترى نفسها ممثلة للحقيقة لا لمجتمع متنوع. فالدولة الهشة تعاني أصلاً من ضعف الشرعية وتآكل المؤسسات وانقسام المجتمع، وإذا أضيف إلى ذلك مشروع سياسي اختزالي يعيد تعريف الشرعية بوصفها التزاماً أيديولوجياً لا تعاقداً اجتماعياً، فإن فكرة الدولة الحديثة نفسها تتعرض للتآكل. في هذه الحالة يتراجع مفهوم المواطنة المتساوية أمام الانتماء العقدي، ويُعاد تشكيل المجال العام وفق منطق الغلبة لا الشراكة، ما يدفع المكونات المختلفة إلى البحث عن ضمانات خارج الإطار الوطني.
اقرأ أيضاً:
سوريا وانفجار الإقليم، من تصادم المشاريع إلى ضرورة الدولة الديمقراطية اللامركزية
في هذا المناخ يصبح التفكير في مظلة خارجية أمراً مفهوماً. فإذا كانت السلطة المركزية إقصائية، فقد يبدو منطقياً البحث عن توازن إقليمي يحدّ من تغولها. ومن هنا قد يظهر تقاطع مصالح ظرفي مع إسرائيل بقيادة نتنياهو، باعتبارها قوة براغماتية تتحرك وفق حسابات أمن قومي واضحة وتُجيد إدارة علاقاتها مع أنظمة المنطقة من منطلق المصالح لا الشعارات. غير أن هذا المنطق، رغم واقعيته الظاهرية، ينطوي على مخاطر استراتيجية عميقة.
إسرائيل تتحرك ضمن عقيدة تقوم على منع التهديد وإدارة الردع وتفكيك مصادر الخطر دون الانخراط في إعادة بناء الدول المنهارة. هي ليست مشروع رعاية سياسية للأقليات، ولا يمكن أن تكون بديلاً عن عقد وطني جامع داخل أي دولة. قد ينشأ تقاطع مصالح تكتيكي، لكن تحويله إلى تحالف استراتيجي ضامن للحقوق يعرّض أي مكوّن سوري لفقدان شرعيته الوطنية وربط مستقبله بتحولات السياسة الإسرائيلية الداخلية، وهو رهان هش بطبيعته وقابل للتبدل مع تغير الأولويات.
المشكلة الجوهرية ليست في غياب راعٍ خارجي، بل في غياب توازن وطني داخلي. التجارب التاريخية تؤكد أن الأقليات لا تُحمى بتحالفات أمنية عابرة، وأن الديمقراطية لا تُستورد من خلال تقاطع مصالح استخباراتية، وأن الدولة المستقرة تُبنى عندما تتحول المكونات إلى شركاء متساوين في عقد سياسي جامع. السلطة الإقصائية قد تظن أن التشدد يعزز السيطرة، لكنها في الواقع توسع دائرة الرفض وتدفع المجتمع نحو مزيد من التفكك، بينما يتعمق الانهيار الاقتصادي وتتكرس العزلة الدولية.
من هنا تبرز الحاجة إلى بناء جبهة وطنية سورية للمكونات، لا تقوم على الخوف المتبادل بل على الاعتراف المتبادل، ولا على منطق الحماية الخارجية بل على منطق الشراكة الداخلية. جبهة تُقرّ صراحة بالتعدد القومي والديني والثقافي في سوريا، وتتبنى لامركزية سياسية وإدارية دستورية تمنع احتكار السلطة، وتؤكد حياد الدولة تجاه الدين والهوية، بحيث يصبح أي اعتداء على مكوّن اعتداءً على الجميع، وأي نزعة إقصائية شأناً وطنياً عاماً لا قضية فئة بعينها. في هذا الإطار يمكن الانفتاح على القوى الإقليمية والدولية وفق منطق المصالح الوطنية السورية، لا وفق منطق الارتهان لمحاور متقابلة.
قد يتشكل في الإقليم نظام جديد تتموضع فيه إسرائيل بقوة، وقد تتغير موازين القوى بين طهران وأنقرة وتل أبيب، لكن الثابت أن السوريين إذا لم يبنوا إطارهم الوطني الجامع فسيبقون موضوعاً لتجاذبات الآخرين لا فاعلين فيها.
إن الرهان على أي نظام إقليمي كضامن لمستقبل أي مكوّن سوري هو رهان قصير الأمد وعالي المخاطر، أما الرهان الاستراتيجي القابل للحياة فهو بناء جبهة وطنية عابرة للهويات تنتج عقداً اجتماعياً جديداً، وتحول التعدد من مصدر خوف إلى مصدر قوة، وتؤسس لدولة تستمد شرعيتها من مواطنيها جميعاً، لا من توازنات الخارج ولا من عقيدة فئة واحدة.