info@suwar-magazine.org

سوريا وانفجار الإقليم، من تصادم المشاريع إلى ضرورة الدولة الديمقراطية اللامركزية

سوريا وانفجار الإقليم، من تصادم المشاريع إلى ضرورة الدولة الديمقراطية اللامركزية
Whatsapp
Facebook Share

 

لم تعد الأزمة السورية شأناً داخلياً يمكن احتواؤه ضمن الحدود الوطنية، بل تحوّلت إلى عقدة مركزية في منظومة عدم الاستقرار الإقليمي. إن استمرار تفكك الدولة وتعدّد مراكز القوة غير السيادية جعلا من سوريا بؤرة مفتوحة لاحتمالات الانفجار، بما يهدد بامتداد الاضطراب إلى لبنان والعراق، بل وحتى إلى تركيا نفسها، في إطار ما يمكن توصيفه بـ "الدومينو الجيوسياسي"  الناتج عن الترابط الأمني العميق في الإقليم.

 

 

إن التحذير من "انفجار سوريا" لا ينطلق من منطق التهويل، بل من قراءة واقعية لطبيعة المنطقة بوصفها فضاءً مفتوحاً لتداخل الصراعات، حيث تؤدي التدخلات الخارجية وتصادم المشاريع الإقليمية إلى إعادة إنتاج عدم الاستقرار المزمن. فبدلاً من دعم مسار وطني سوري جامع، جرى التعامل مع البلاد كساحة نفوذ، الأمر الذي قوّض فكرة الدولة، وعمّق الانقسامات المجتمعية، وأبقى الصراع مفتوحاً على احتمالات التصعيد.

 

 

السياسة التركية في سوريا

وفي هذا السياق، تبرز السياسات الإقليمية التركية في عهد رجب طيب أردوغان مثالاً على مخيال سياسي توسّعي مأزوم، يستدعي الإرث العثماني بوصفه أداة لتبرير التدخل، لا بوصفه تجربة تاريخية ينبغي تجاوزها. إن هذا "الهاجس العبثي" لإحياء دور فوق وطني، عبر توظيف الدين والهويات العابرة للحدود، لم يسهم في استقرار سوريا ولا في استقرار الإقليم، بل أسهم في تعميق الصراع وتوسيع دوائر الاضطراب، بما قد يرتد، في نهاية المطاف، على الأمن الداخلي التركي نفسه.

 

 

غير أن نقد تصادم المشاريع الإقليمية يظل ناقصاً ما لم يُقترن بتحديد البديل السياسي. فالخروج من منطق الانفجار لا يكون عبر موازين القوة العسكرية أو صفقات النفوذ، بل عبر إعادة بناء الدولة السورية على أسس دستورية جديدة، قادرة على استيعاب مجتمع متنوع قومياً ومتعدد دينياً وثقافياً، من دون إقصاء أو هيمنة أو إنكار للحقوق.

 

اقرأ أيضاً:

 

                   كيف أعاد العالم إنتاج الاستبداد الديني في سوريا؟

 

                             من هيمنة المركز إلى سيادة المواطن

 

الفيدرالية واللامركزية في سوريا

إن جوهر الأزمة السورية هو أزمة بنية الدولة المركزية الاستبدادية التي فشلت في إدارة التنوع، وأنتجت القمع والانفجار. وعليه، فإن اللامركزية، أو الفيدرالية، لا تمثل خطراً على وحدة البلاد، بل تشكّل الإطار الدستوري الضروري لصون هذه الوحدة على أسس طوعية وديمقراطية. فهي آلية لتنظيم التنوع وتوزيع السلطة والثروة بعدالة، ضمن دولة سيادية واحدة، موحّدة، قائمة على مبدأ المواطنة المتساوية وسيادة القانون.

 

 

وفي هذا الإطار، لا بد من الاعتراف الدستوري الصريح بأن سوريا دولة متعددة القوميات، لا دولة قومية أحادية. ويقتضي ذلك ضمان الحقوق اللغوية والثقافية لجميع المكوّنات القومية، بما يشمل الاعتراف باللغات القومية واستخدامها في التعليم والإدارة المحلية والإعلام، ضمن الوحدات اللامركزية أو الأقاليم، بوصف ذلك حقاً دستورياً لا منّة سياسية.

 

 

كما أن بناء الدولة الديمقراطية اللامركزية يفترض حياد الدولة الديني الكامل، وضمان الحريات الدينية وحرية المعتقد والضمير، والمساواة التامة بين المواطنين، بصرف النظر عن الدين أو المذهب. فاللامركزية تتيح إدارة أكثر حساسية للتنوع الديني والثقافي، من دون فرض نموذج أحادي من المركز، ومن دون تحويل الدين إلى أداة للهيمنة أو الإقصاء.

 

 

ولمنع تحويل اللامركزية أو الفيدرالية إلى مدخل للتفكك أو لإعادة إنتاج الاستبداد ، لا بد من تثبيت ضمانات دستورية واضحة، في مقدمتها وحدة الدولة السورية وسيادتها، وحصر السياسات السيادية بالسلطة المركزية، واستقلال القضاء الدستوري بوصفه الحكم بين المركز والأقاليم، ومنع أي شكل من أشكال التسلّط أو الهيمنة الفئوية، وضمان خضوع جميع السلطات والمؤسسات لسيادة الدستور والقانون ضمن إطار الدولة الواحدة.

 

 

في المحصّلة، إن استمرار التعامل مع سوريا كساحة صراع إقليمي هو وصفة مؤكدة لانفجار طويل الأمد، لا يهدد السوريين وحدهم، بل يهدد استقرار المشرق بأسره. أما التعامل معها بوصفها دولة مركزية في التوازن الإقليمي، فلا يمكن أن يتحقق إلا عبر دعم مشروع وطني سوري ديمقراطي، تعددي، لامركزي، يستند إلى مشروعية الشعب بوصفه مصدر جميع السلطات، ويقطع مع أوهام التوسّع والهيمنة، لمصلحة أمن إقليمي قائم على احترام السيادة والتنوّع والاستقرار المستدام.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard