كيف أعاد العالم إنتاج الاستبداد الديني في سوريا؟

بعد عامٍ كامل على سقوط بشار الأسد، لم تخرج سوريا من دائرة الاستبداد، بل دخلت طوراً أكثر تعقيداً وخطورةً، وهو إعادة إنتاج السلطة المُطلقة بصيغة دينية لا تقلّ استبداداً عن نظام الأسد، وربما تتفوّق عليه في قدرتها على التحصّن ضدّ المساءلة، فبينما استند حكم الأسد إلى الأجهزة الأمنية والقوة العارية، يستند الحكم الجديد إلى مزيج قاتِل من السلاح والعقيدة الدينية؛ حيث يُقدَّم الحاكم بوصفه ممثلاً للإرادة الإلهية وليس رئيساً قابلاً للمُحاسبة.
في 8 ديسمبر/كانون الأول 2025، دخل أبو محمد الجولاني، الذي أُعيد تسويقه رسمياً باسم أحمد الشرع، دمشق على رأس "هيئة تحرير الشام"، وقد قُدِّم المشهد في العواصم الغربية بوصفه بداية مرحلة جديدة، لكنّ واقع الأمر كان نقلاً مُداراً للسلطة عبر تفاهمات إقليمية ودولية فضّلت "الاستقرار" على الديمقراطية، و"الاحتواء" على العدالة.
ما تلا ذلك لم يكن بناء دولة، بل تقنين حُكم الغَلبة باسم الدين.
بعد عام واحد، وقفَ "أحمد الشرع" في المسجد الأموي، مرتدياً الزيّ العسكري، مُعلناً نفسه "رئيساً انتقالياً"، ومخاطباً السوريين بعبارة تختصر طبيعة النظام الجديد: "أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم".
هذه ليست جملة وعظية، بل إعلان سياسيٌّ متكامل؛ يضم: الطاعة كفريضة، والمساءلة خروج، والمُعارضة معصية. هكذا تُغلق السياسة ويُستبدل العقد الاجتماعي بتفويض سماوي.
في الوقت نفسه، شهدت دمشق عروضاً عسكرية لما يُسمّى بـ "الجيش السوري الجديد"، وهو في جوهره إعادة تدوير لميليشيات جهادية، حيث لم تكن الهتافات فيها عفوية، بل مؤشّراً على العقيدة المؤسّسة للدولة المقبلة، والتي يُمكن اختصارها بـ "حكمُ الله لا حكم البشر"، "بالروح بالدم نفديك يا شرع"، و"خيبر خيبر يا يهود".
الشعارات ليست هامشية، إنما هي رسائل أيديولوجية صريحة تُطلقها قوة باتت تُعرَّف دولياً بوصفها "جيش دولة"، في انتهاك مباشر لمفهوم الجيش الوطني الجامع.
اقرأ أيضاً:
من"سوريا الجغرافية"إلى"الوطنية السنيّة" تحولات الهوية والدولة في سوريا الحديثة
السؤال الجوهري هنا ليس: هل هذا حكم إسلامي أم لا؟ بل، هل هذا نموذج دولة أصلاً؟
الإجابة تظهر بوضوح فيما سُمّي بـ "الإعلان الدستوري"، الذي صاغته لجنة عيّنها الشرع بنفسه. نصٌّ يُلغي عملياً مفهومي المواطنة والديمقراطية، ويجعل الفقه الإسلامي مصدراً رئيسياً للتشريع دون تحديد، بما يفتح الباب أمام هيمنة التأويل السلفي الجهادي، ويشترط أن يكون رئيس الجمهورية مسلماً، في انتهاك صريح لمبدأ المساواة.
هذا الإعلان يتناقض جذرياً مع قرار مجلس الأمن 2254، الذي ينصّ على انتقال سياسي قائم على التعدّدية، والحكم الشامل، والمواطنة المتساوية، وصياغة دستور جديد بإرادة شعبية حرة. لا شيء من ذلك تحقق في سوريا اليوم.
الأخطر من النصوص هذه، هو التركيز المطلق للسلطة.
فـ "أحمد الشرع" يجمع بين رئاسة الدولة، وقيادة الجيش، ورئاسة مجلس الأمن القومي، والتحكم بالبرلمان، والإشراف على التعليم والاقتصاد والاستثمار، وإدارة المنافذ والصندوق السيادي. سوريا لم تنتقل إلى نظام جديد، بل اختُزلت في شخص واحد، على نحو يعيد إنتاج الدولة الأمنية بلبوس ديني.
وتحت هذا الحكم، جاءت الوقائع الميدانية لتؤكد الطبيعة الحقيقية للنظام الجديد، الذي لا يقلّ قمعاً عن نظام الأسد، وإن اختلفت أدواته وخطابه، ففي الساحل السوري، وقعت مجازر انتقامية بحق العلويين، وفي مناطق مسيحية، أُحرقت كنائس، وفي السويداء، سُجّلت مجازر بحق المدنيين الدروز، رافقها حصار وفرض أمر واقع بالقوة، وكل هذا وذاك موثّق.
وفي موازاة ذلك، جرت عمليات خطف ممنهجة لنساء، قوبلت بإنكار رسمي وصمت متعمّد، في مشهد يعيد إلى الأذهان أسوأ جرائم التنظيمات الجهادية.
هذه ليست "حوادث فردية"، بل نتيجة بنيوية لنظام يُقدّس السلطة ويُحصّن العنف بالدين، تماماً كما حصّن نظام الأسد عنفه بمنطق "محاربة الإرهاب".
أما من يروّج لفكرة أنّ "الشرع" قد تغيّر، فيكفي التذكير بتصريحاته العلنية، ففي مقابلة مع CNN، لم يتبرأ من ماضيه مع القاعدة، بل شكك في مفهوم "الإرهاب" ذاته، ومع ذلك، رُفعت "هيئة تحرير الشام" من قوائم الإرهاب الأمريكية في يوليو/تموز 2025، ثم شُطب اسم "الشرع" من القوائم الدولية للإرهاب بقرار من مجلس الأمن في نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
الأكثر فداحة أنّ قرار مجلس الأمن 2799 لعام 2025 أعاد التأكيد على حماية المدنيين، والمساءلة، والحكم الشامل في سوريا، وهي مبادئ تُنتهك اليوم دون أي تبعات سياسية.
ما يجري في سوريا اليوم ليس انتقالاً، بل شرعنة دولية لاستبداد ديني لا يقلّ وحشية عن استبداد الأسد، وكما فشل المجتمع الدولي سابقاً حين سمح لإيران بابتلاع دول عربية بذريعة "الاستقرار"، يُعاد إنتاج الخطأ نفسه الآن، لكن بثوب جهادي مُعاد تدويره.
تحت وهم الاستقرار، يُبنى في سوريا نظام يُحوّل القمع إلى واجب ديني، والمعارضة إلى جريمة أخلاقية، والصمت إلى شرط للبقاء.
وهنا يبقى السؤال: متى ينهار هذا الحكم؟
بل السؤال الذي ينبغي أن يُقلق العالم كلّه: من يجرؤ على معارضة سلطة قُدِّمت بوصفها ظلًّاً للإله… وبمباركة دولية؟