info@suwar-magazine.org

الحركة الكردية في سوريا بين نقد الذات وإعادة تعريف الدور

الحركة الكردية في سوريا بين نقد الذات وإعادة تعريف الدور
Whatsapp
Facebook Share

 

أيّ حركة سياسية لا تُخضع تجربتها لمراجعة نقدية جادّة تبقى أسيرة صراعاتها الداخلية، وتعيد إنتاج أزماتها بدلًا من تجاوزها. فالنقد الذاتي لا يقتصر على الاعتراف بالأخطاء أو تصحيح بعض المسارات، بل هو عملية أعمق تهدف إلى إعادة التفكير في الأسس والرؤى التي قامت عليها التجربة، ومدى قدرتها على مواكبة التحولات.

 

 

 

تبدو الحاجة ملحّة أمام "الحركة الكردية في سوريا" لإجراء مراجعة شاملة تتجاوز الحسابات الآنية والظرفية، لتصل إلى طرح السؤال الجوهري: ماذا تريد هذه الحركة لنفسها ضمن المشهد السياسي السوري؟ وما الدور الذي تسعى إلى لعبه في رسم مستقبل البلاد؟

 

 

إن إعادة تعريف هذا الدور تتطلب الانتقال من منطق الفعل المرتبط بردود الأفعال والصراع، إلى منطق الفعل السياسي القائم على المبادرة وصياغة المشاريع. وهذا بدوره يستلزم بلورة مشروع سياسي متكامل، لا يقتصر على البعد القومي، بل يشمل رؤية واضحة لشكل الدولة السورية، ونظامها السياسي، وخياراتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

 

 

كما تفرض هذه المرحلة ضرورة إجراء مراجعة تنظيمية داخلية عميقة، تطال البُنى الحزبية وآليات العمل واللوائح التنظيمية التي تجاوزها الزمن، ولم تعد منسجمة مع متطلبات المرحلة الراهنة. وفي هذا الإطار، تبرز مأسسة العمل السياسي كضرورة ملحّة لأي عملية تغيير في الواقع السياسي الكردي السوري، بما يضمن بناء حامل اجتماعي فعّال، ويعزّز تمثيلاً سياسياً أكثر تماسكًا وقدرة على التفاعل مع المتغيرات في سوريا والمنطقة.

 

 

 

الحركة السياسية الكردية في سوريا ما تزال تفتقر إلى إطار مؤسسي صلب يعمل بعقلية الدولة والمؤسسات، إذ لا تزال كثير من بنيتها قائمة على تحالفات هشة تُدار بمنطق حزبي ضيق، كما أن المتغيرات الراهنة تفرض تحديات مفصلية، تجعل من القدرة على التكيّف شرطاً للبقاء والتأثير، وإلا فإن التراجع خارج دائرة الفعل السياسي يصبح احتمالاً قائماً.

 

اقرأ أيضاً:

 

                        الكرد بين التمثيل الحقيقي والتزييف السياسي

 

 

فمع اندلاع الثورة السورية عام 2011، كان يُعوَّل على هذه الحركة أن تلعب دوراً أكثر فاعلية في المشهد السوري الجديد، غير أنها لم تتمكن من الاضطلاع بهذا الدور بالشكل المطلوب، ما أفسح المجال أمام صعود وتوسّع نفوذ "حزب الاتحاد الديمقراطي ( PYD)"  الذي استطاع ترسيخ حضوره السياسي والعسكري في مناطق واسعة.

 

 

 

ورغم أن الحركة السياسية الكردية ظلت تعمل ضمن إطار سياسي بالأساس، وتتسم بطابع غير عنفي، وتبتعد عن خيار العسكرة، إضافة إلى امتلاكها قاعدة جماهيرية معتبرة وحضوراً مؤثراً داخل "الوسط الكردي"، فإن هذا الثقل الاجتماعي لم يُترجم إلى تأثير سياسي يتناسب مع حجمها وإمكاناتها.

 

 

كما أن الحركة السياسية الكردية في سوريا اتبعت في الغالب مقاربة تقوم على تجنب التصادم المباشر مع  " PYD" والتعامل مع هذا الملف بمنطق سياسي حذر يراعي التوازنات القائمة. غير أن هذا الخيار، رغم صحته من حيث المبدأ، لم يُواكَب بتطوير كافٍ في أدوات الفعل السياسي والتنظيمي، بما يتيح لها تعزيز حضورها أو توسيع هامش تأثيرها.

 

 

وقد انعكس هذا القصور، إلى جانب ضعف المبادرة السياسية وعدم استثمار الفرص المتاحة، على مجمل الواقع السياسي الكردي، وأسهم في تراجع الدور الذي كان يمكن أن تضطلع به هذه الحركة، وفي إضعاف قدرتها على التأثير في مسار الأحداث خلال السنوات الماضية.

 

 

ولا تكتمل هذه العملية من دون الانفتاح على "القوى السياسية الوطنية الديمقراطية"، عبر بناء شبكة من التحالفات السياسية القادرة على نقل الحركة الكردية من حالة التمركز الذاتي إلى فضاء وطني أوسع. فالتشبيك السياسي، وخاصة في سياق أي عملية انتقال سياسي مستقبلية، سيجعل من التحالفات ولا سيما الانتخابية منها أداة أساسية لتعزيز الحضور والتأثير في مجمل الحياة السياسية السورية.

 

 

إن الانخراط في الفضاء الوطني الأوسع يشكّل أيضاً مدخلاً لتبديد مخاوف الآخرين، وتعزيز الثقة المتبادلة، بما يرسّخ دور الحركة الكردية كشريك أساسي في بناء مستقبل سوريا.

 

 

فالحركات التي لا تُحدّث أدواتها، ولا تنتقل إلى العمل المؤسسي، ولا تنفتح على شراكات وطنية، تعجز عن مواكبة التحولات، مهما كانت قوة حضورها في الواقع.

 

 

إن مستقبل الحركة الكردية في سوريا لا يتوقف فقط على ما حققته من مكاسب او دورها في الماضي، بل على قدرتها على تحويل هذه المكاسب إلى مشروع سياسي قابل للحياة، منفتح على الشراكة الوطنية، وقادر على الاندماج في إطار حل سوري شامل، والمساهمة الفاعلة في صياغة ملامح سوريا المستقبل.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard