انتخابات بلا دولة: من التمثيل إلى إعادة إنتاج السلطة

ثمانية مقاعد من أصل 210، أي ما نسبته 3.81%. هذا هو حجم التمثيل الكردي في مجلس الشعب السوري الجديد بعد انتخابات الحسكة والقامشلي وكوباني التي جرت أمس الأحد. وقد لا يكون هذا الرقم نهائياً، إذ قد تذهب مقاعد أخرى إلى شخصيات كردية محسوبة على الحكومة او لكرد دمشق. لكن ربما ليست هذه هي القضية الأساسية.
فالأرقام السياسية لا تكتسب معناها من حجمها المجرد، بل من السياق الذي أنتجها. يمكن لشعب أن يحصل في مرحلة معينة على تمثيل أقل من حجمه الحقيقي، ثم يعوّض ذلك لاحقاً في ظروف مختلفة. ويمكن أيضاً أن يحصل على تمثيل أكبر من حجمه الفعلي دون أن يمتلك نفوذاً حقيقياً. لذلك فإن السؤال الأهم ليس: كم مقعداً حصل الكرد؟ بل: ما هي القواعد السياسية التي أنتجت هذه النتيجة؟
تاريخياً، لم تقبل الحركة الكردية بأقل من 15% باعتبارها الحد الأدنى الذي يعكس الحجم السكاني للكرد في سوريا، أي ما يقارب 32 مقعداً في مجلس بهذا الحجم. لكن الانتقال من سقف 15% إلى 3.81% لا يمكن قراءته فقط باعتباره مرونة سياسية أو تنازلاً تفاوضياً عادياً. ففي السياسة، قيمة أي تنازل لا تُقاس بما يتم التخلي عنه، بل بما يتم الحصول عليه في المقابل.
فالتنازل بحد ذاته ليس خطأً. جميع التجارب السياسية الكبرى قامت على تسويات وتفاهمات وتراجعات متبادلة. لكن الفرق الجوهري أن تلك التنازلات كانت جزءاً من معادلة واضحة: خسارة في مكان مقابل مكسب في مكان آخر. أما حين تتراجع المطالب دون وضوح في المقابل السياسي، فإن السؤال يصبح مشروعاً: هل نحن أمام تسوية مؤقتة، أم أمام إعادة تعريف تدريجية لسقف المطالب نفسه؟
وفي القضايا المرتبطة بحقوق الشعوب، لا تكون المسألة مرتبطة بالأشخاص أو الأحزاب أو القيادات بقدر ارتباطها بالنتائج بعيدة المدى. فالأفراد يتغيرون، والأحزاب تتبدل، والتحالفات السياسية تُعاد صياغتها باستمرار. ما يبقى هو ما يتحول إلى حق ثابت أو مكسب قابل للبناء عليه.
لكن حتى هذا النقاش حول النسب قد يكون نقاشاً جانبياً. فالمعضلة الأكثر عمقاً ليست في عدد المقاعد، بل في طبيعة العملية السياسية نفسها. مجلس يُعيَّن ثلث أعضائه من قبل رئيس الدولة يصعب اعتباره نموذجاً انتخابياً بالمعنى الديمقراطي المتعارف عليه. فهنا لا يصبح السؤال متعلقاً بمن فاز ومن خسر داخل الانتخابات، بل بمدى قدرة الانتخابات نفسها على إنتاج تمثيل سياسي حقيقي.
اقرأ أيضاً:
وقد يكون من الإنصاف القول إن سوريا تعيش مرحلة انتقالية، وإن دستوراً مؤقتاً وانتخابات ناقصة لا يمكن اعتبارها نموذجاً نهائياً لشكل الدولة المقبلة. هذه حجة يمكن تفهّمها سياسياً. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الإجراءات المؤقتة إلى وقائع دائمة، وعندما تصبح موازين فرضتها الحرب والتهجير وإعادة تشكيل القوى على الأرض أساساً لإعادة رسم النظام السياسي كله.
لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام الحركة السياسية الكردية اليوم لا يتعلق فقط بعدد المقاعد، بل بمنع تثبيت هذه المعادلات باعتبارها حقائق نهائية. فالحديث عن تمثيل عادل يبقى ناقصاً قبل معالجة قضايا أساسية:
- إزالة آثار التغيير الديموغرافي الذي طال المناطق ذات الغالبية الكردية خلال عقود مختلفة.
- عودة النازحين والمهجرين إلى مناطقهم الأصلية.
- إعادة قراءة الخريطة السكانية وفق واقع مستقر لا وفق نتائج الحرب.
- احتساب الهجرة الكردية الواسعة إلى الخارج، وضمان تمثيل السوريين في المهجر وحقهم في التصويت.
المعركة الحقيقية اليوم لا تدور حول عدد المقاعد داخل مجلس انتقالي، ولا حول سلطة غير شرعية مؤقتة نشأت في سياق حرب معقّد وتوازنات إقليمية ودولية، بل حول المرحلة التي تلي ذلك كله. فجوهر الصراع لم يعد مرتبطاً بنتائج صندوق اقتراع محدود التأثير، بل بمن يملك القدرة على صياغة القواعد التي ستحدد شكل الدولة في المرحلة القادمة.
وتبدأ هذه المعركة من الدستور الدائم، بما يتضمنه من ضمانات دستورية وحقوق سياسية وإدارية، مروراً بقانون انتخابي يقوم على إحصاء سكاني محايد يُنجز بعد عودة المهجّرين إلى مناطقهم الأصلية، وليس قبل ذلك. وتمتد إلى وضع آليات واضحة وملزمة تضمن تمثيل السوريين في الخارج، وعدم التعامل معهم ككتلة هامشية خارج الحساب السياسي.
وفي العمق، تبقى النقطة الأكثر حساسية هي أن أي تنازل سياسي في المراحل المقبلة يجب أن يُبنى على معادلة واضحة: مكاسب محددة، قابلة للقياس والتوثيق، لا على وعود عامة أو تسويات غير مكتملة المضمون.
ما جرى في الحسكة قد يكون مجرد محطة انتقالية، وقد يكون بداية لتثبيت معادلات جديدة. والفرق بين الاحتمالين لا تحدده نتائج هذه الانتخابات وحدها، بل طريقة التعامل معها سياسياً. فالمسألة ليست في عدد المقاعد التي حصل عليها طرف ما، بل في القواعد التي ستحدد شكل اللعبة السياسية لسنوات طويلة قادمة.
في السياسة، الخسائر الكبرى لا تبدأ عادة بخسارة مقعد؛ بل تبدأ حين يتغير تعريف ما يستحق المطالبة به.