info@suwar-magazine.org

امتلاك منزل ليس رفاهية... الحرب تحرم النازحين من حقهم في السكن

امتلاك منزل ليس رفاهية... الحرب تحرم النازحين من حقهم في السكن
Whatsapp
Facebook Share

 

لطالما كان امتلاك منزل حلمًا يراود الكثيرين، خاصةً في بداية حياتهم الزوجية، وقد قابل هذا الحلم وسبل تحقيقه تنوعًا كبيرًا، فبعض الأفراد باعوا مصوغاتهم الذهبية، في حين اضطر آخرون إلى اللجوء للتمويل من البنوك، وهناك من أمضى سنوات شبابه في كد وعمل، حيث تتنوع قصصهم حول كيف تمكنوا من توفير موارد لشراء شقة أو بناء منزل صغير في فناء منزل عائلتهم.

 

إن امتلاك المنزل لا يمثل فقط رفاهية، بل يشكل حقًا يعزز حرية الفرد ويحفظ كرامته، ويمنح هذا الامتلاك شعورًا بالاستقرار والأمان، ويعكس رغبة الفرد في بناء مأوى يحميه ويحقق له الاستقلالية المرغوبة.

 

من الصعب أن نرى كيف يتحول الحلم إلى كابوس، فالحرب تلتهم كل شيء في طريقه، حتى الجدران البيضاء أو الوردية التي اختارها أصحابها بعناية تحولت الآن إلى خيمة مهترئة رمادية اللون في مخيم، لا يملك سكانها إلا الدعاء، خيمة علقت بحبال من الأمل، كما علقت أحلام العودة إلى الديار بين المذكرات الأممية والمحافل الدولية.

 

 

 

الاحتلال والاستيلاء على ممتلكات المدنيين

 

في تشرين الأول أكتوبر 2019، قامت تركيا بتنفيذ عملية عسكرية تحت اسم "نبع السلام"، استهدفت مدينتي سري كانيه (رأس العين) في محافظة الحسكة، وتل أبيض (كري سبي) في ريف محافظة الرقة، بدعم من فصائل المعارضة السورية التي تدعمها.

 

كانت هذه العملية العسكرية تتويجا لعملية "غصن الزيتون" التي جرت في مارس 2018 واستهدفت مدينة عفرين، والتي تمت السيطرة عليها في نهاية ذلك الشهر، الأمر الذي دفع سكان هذه المدن إلى النزوح والفرار إلى مخيمات ومراكز الإيواء أو مناطق مجاورة آمنة.

 

وذكرت منظمات دولية وجهات حقوقية في تقارير وبيانات أن أكثر من 150 ألف شخص من السكان الأصليين هجّروا من مدينتي سري كانيه وتل أبيض وحرموا من ممتلكاتهم بسبب الانتهاكات التي طالتهم على يد الجماعات المسلحة برعاية تركية، وعرقلت عودتهم ومارست سياسة التغيير الديمغرافي بتوطين أكثر من 2815 عائلة نازحة من مناطق سورية أخرى في منازل المهجرين والنازحين قسراً.

 

عمليات الاحتلال والاستيلاء -التجريد التعسفي من الملكية- لا تمثل فقط انتهاكًا لحقوق الإنسان، بل تمثل سرقة للأحلام الكبيرة والجميلة التي بناها أصحابها، إنها تقوم بنقلهم من واقع إلى واقع، حياة جديدة مليئة بالقيود والألم.

 

كل ما قامت به تركيا مدان بشكل قاطع وفقًا لجميع الأعراف والمقاييس، فجرائمها التي استمرت بصمت دولي مريب، عمليات برية استهدفت سد الفجوات الجغرافية بين مناطق نفوذها خلال الفترة 2016 و2019، إلى حرب المسيرات في سماء مفتوحة، حيث سمحت بتدمير مظاهر الحياة جنوب حدودها، دون التمييز بين المدنيين والعسكريين، بين الأطفال والكبار، مُخلِّفة خلفها أثرًا مدمرة.

 

هنا ينبغي لنا طرح التساؤل، هل يمكن العودة إلى الوضع الطبيعي دون اعتراف دولي وأممي بأن الوجود التركي في بعض مناطق سوريا يُعتبر "احتلالًا"؟ ويجب على المجتمع الدولي زيادة الضغط على الحكومة التركية لوقف الانتهاكات التي ترتكبها فصائل الجيش الوطني السوري، التي تديرها تركيا في شمال سوريا، وهذه الانتهاكات تشمل التدمير والاستيلاء على الممتلكات الخاصة، والمحال التجارية، والأراضي الزراعية، وهل ينبغي محاسبتهم على تلك الأفعال؟

 

ومع اقتراب الذكرى السنوية للغزو التركي على سري كانيه وتل أبيض، يُطلق نشطاء كرد وسوريون سنوياً حملات إلكترونية على وسائل التواصل الاجتماعي، تهدف إلى تحقيق عودة آمنة للسكان الأصليين إلى تلك المدن، أشهرها حملة "مفاتيح بيوتنا لا تصدأ"، ركزت هذه الحملة على رمزية مفاتيح المنازل، التي حملها أصحاب المنازل عند نزوحهم وتهجيرهم على أمل العودة وفتح تلك الأبواب الموصودة التي تحيي حق التملك كسند ملكية بحوزتهم.

اقرأ أيضاً:

 

                       سجناء دون قيود

 

لكل فرد حق مشروع في المطالبة بالعودة إلى ممتلكاته التي تم سلبها والسعي لاستردادها، فما بالك أن يكون هذا الملك منزلاً يشعرك بالأمان والدفء وحرية تنقلك بين أرجائه وتحريك أثاثه وفتح نوافذه، تفاصيل صغيرة حتماً الآن لامست ذاكرة كل مهجر، لكن التقسيمات العسكرية والسياسية التي أنتجتها الحرب تقف عائقاً أمام هذا الحق المشروع.

 

يعيش النازحون والمهجرون، مهما كانت ظروفهم المادية، حالة من الضياع الكامل، تبدأ هذه الحالة عندما يتذكرون منازلهم التي تركوها خلفهم. في ليالي الصيف، كانوا يخرجون إلى أسطح منازلهم لينظروا إلى السماء ويحصون النجوم المتلألئة. اليوم، لا تشبه سماءهم تلك التي كانوا يعرفونها، والنجوم ليست بنفس اللمعان، لكن أحلامهم ظلت في تلك المنازل، كانت تلك المنازل هي حلمهم الأول وأول ما ملكوه، وأول علامة على الاستسلام هي اللامبالاة وعدم الاهتمام بأي شيء.

 

كل النهايات لا يمكن أن تكون متشابهة

 

تحتفظ ذاكرتي منذ طفولتي بقصة عن النزوح، لكنني لم أكن أدرك معنى أن يكون المرء نازحًا قبل عام 2011، كل ما كنا نعرفه أن النازح هو من نزح من الجولان السوري.

 

"أمون" صديقة والدتي نازحة من الجولان السوري كانت تبلغ من العمر خمسين عاما ومتزوجة من رجل كردي، كانت تتعهد دائما بالعودة إلى ديارها واصطحابنا معها، لتذوق طعم الزيتون الجولاني، وإن العكوب البري سيكون غداءنا، ثم نحتسي مشروب البابونج الصحي.

 

كانت تتقن وتتفنن في رسم الصورة الذهنية لساحة دارها وشجرة الليمون التي تتوسطها، في 2005 غادرتنا وهي تحتفظ بمفتاح باب دارها على حلم العودة، ما يشعرنا بالاستياء، فكل النهايات لا يمكن أن تكون متشابهة.

 

 في عام 1967 احتل الجيش الإسرائيلي ثلثي مساحة الجولان، الهضبة التابعة إدارياً لمحافظة القنيطرة جنوب غربي سوريا ونزح الآلاف من سكانها إلى أحياء في العاصمة دمشق سميت بمساكن النازحين.

 

اليوم بات الأمر صعباً بصعوبة إحساس ذاكرتنا للحروب التي لم نعشها بل تناقلتها كتب التاريخ، اليوم كثر النازحون والمهجرون بحجم التقارير التي وثقت أعدادهم، على عكس هذه الأرقام، حاجتنا إلى تناول قصة كل منهم وأحلامهم التي بنوها داخل جدران منازلهم وأسوار مدينتهم قبل أن يغادروها.

 

تُنشر هذه المادة بالتعاون بين شبكة الصحفيين الكُرد السوريين (SKJN) ومجلة صور في برنامج تعاون ضمن مشروع "المرآة"، حول "حقوق الإنسان والحريات العامة".

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard