info@suwar-magazine.org

المقاتلون الأجانب في إدلب… قنبلة موقوتة تحت الاختبار

المقاتلون الأجانب في إدلب… قنبلة موقوتة تحت الاختبار
Whatsapp
Facebook Share

 

رغم تراجع العمليات العسكرية الواسعة في سوريا خلال العامين الأخيرين، لا تزال إدلب تعيش حالة من التوازن الأمني الهش، حيث تتداخل ترتيبات ما بعد الحرب مع واقع ميداني لم يُحسم بشكل نهائي. فالمشهد هناك ما يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة، في ظل استمرار وجود فصائل مسلحة متنوعة، بعضها اندمج ضمن ترتيبات عسكرية جديدة، وبعضها الآخر احتفظ بهياكل مستقلة تعمل خارج إطار موحد.

 

 

هذا التعقيد البنيوي جعل من إدلب مساحة أمنية حساسة، تتقاطع فيها الاعتبارات العسكرية مع التوازنات المحلية والإقليمية، خصوصاً مع استمرار وجود مجموعات أجنبية استقرت خلال سنوات الحرب، وتحولت تدريجياً إلى جزء من المشهد العسكري القائم دون أن يُحسم وضعها النهائي.

 

 

وفي هذا السياق شهدت المنطقة خلال فترات سابقة توترات أمنية متكررة مرتبطة بالمقاتلين الأجانب، كان أبرزها حوادث اندلاع احتكاكات عقب عمليات توقيف أو ملاحقات أمنية لعناصر أجنبية، ما أدى إلى حالات استنفار واشتباكات محدودة وعمليات اعتقال متبادلة، عكست هشاشة الوضع الأمني وإمكانية انفجار التوترات بشكل سريع عند أي احتكاك ميداني .   

 

وتشير تقارير بحثية إلى أن هذه الحوادث لا تُعدّ استثناءً، بل جزء من نمط متكرر مرتبط بصعوبة ضبط المقاتلين الأجانب ضمن هياكل عسكرية موحدة، واحتمال تحولهم إلى مصدر توتر داخلي في أي لحظة.

 

 

 

التوترات الأخيرة وأسباب التصعيد:

شهدت إدلب مؤخراً توترات أمنية قبل أيام بدأت بعد حادثة اعتقال مقاتل أوزبكي على خلفية إطلاق نار داخل المدينة، قبل أن يتجمع عدد من الجهاديين الأجانب للمطالبة بالإفراج عنه، ما أدى إلى استنفار أمني سريع واحتواء الموقف لاحقاً.

 

 

وتشير معلومات خاصة حصل عليها ناشط  صحفي من مدينة إدلب، وله صلات وثيقة بعدد من المجموعات المسلحة وقياداتها رفض الكشف عن اسمه لأسباب  أمنية اطلع صور على تفاصيلها المرتبطة بمسار التوترات الأخيرة بحادثة اعتقال  المقاتل الاوزبكي .

 

 

أن معطيات الحادثة بدأت بعد عملية أمنية طالت منزل عائلة زوجة الأوزبكي في ريف إدلب، تلتها مداهمة منفصلة لمنزله واعتقاله، وسط حديث عن اتهامات أولية له تتعلق بسرقته محلات ذهب وارتكاب انتهاكات بحق أبناء الطائفة الدرزية خلال مشاركته في أحداث سابقة في الجنوب السوري في يوليو الماضي.  

 

ويضيف المصدر إلى أن تدخلات من قيادات ميدانية داخل بعض التشكيلات ساهمت لاحقاً في احتواء الموقف والإفراج عن المقاتل، إلا أن تداعيات الحادثة فتحت نقاشاً أوسع داخل هذه الأوساط حول مستقبل المقاتلين الأجانب ومصيرهم الأمني والقانوني.

 

 

وبالتوازي مع ذلك، كشفت التسريبات  لـ صور عن حالة قلق متزايدة داخل بعض المجموعات من وجود قوائم اتهام وتحقيقات قد تُستخدم في أي وقت ضد عناصر أجنبية من قبل مؤسسة الأمن العام العسكرية وهو ما ساهم في رفع منسوب التوتر داخل هذه التشكيلات وفق المصدر

كما اشار الناشط الى تداول روايات غير مؤكدة داخل بعض الدوائر الداخلية كشفت عن خلافات متصاعدة وتبادل اتهامات بين أطراف مختلفة، من بينها إشارات لم يتم التحقق منها حول نوايا أو محاولات استهداف لقيادات عليا في الحكومة الجديدة ، دون أن يصدر أي تأكيد رسمي أو بيان موثوق بشأن هذه المزاعم. 

 

 

وتداولت منصات مقربة من المقاتلين الأجانب في إدلب بياناً منسوباً لمقاتلين أوزبك نقلتها وسائل اعلام محلية تحدث عن حملة اعتقالات استهدفت عناصر أجنبية في شمال غربي سوريا، بينهم أوزبك وطاجيك. 

 

وذكر البيان أن التوتر بدأ عقب توقيف مقاتل أوزبكي في مدينة إدلب، قبل أن تتوسع الإجراءات الأمنية لتشمل مداهمات واعتقالات في عدة مناطق، مع اتهامات للسلطات السورية باستخدام تهم التطرف والارتباط بتنظيم داعش كمبرر للحملة.

 

 

كما حذر البيان من احتمال اتساع الاعتقالات لتشمل مجموعات أجنبية أخرى خلال الفترة المقبلة ,ولم تُصدر وزارتا الدفاع والداخلية السوريتان أي تعليق رسمي حتى الآن بشأن صحة ما ورد في البيان المتداول، أو حول طبيعة الحملة الأمنية الأخيرة في إدلب وريفها. 

 

 

واستغل تنظيم داعش حالة التوتر لمحاولة إعادة تقديم نفسه كجهة حامية للمهاجرين، عبر خطاب دعائي سعى إلى استثمار مشاعر الغضب والخوف لدى المقاتلين الأجانب.

ففي بيان متداول عبر قنوات ومناصرين للتنظيم، صوّر داعش حملات الاعتقال والإجراءات الأمنية على أنها استهداف ممنهج للمهاجرين، محاولاً استمالة العناصر الأجنبية ودفعها نحو مزيد من القطيعة مع السلطات المحلية في إدلب.  

 

 

كما ركّز الخطاب على اتهام الجهات الأمنية باستخدام تهمة الانتماء إلى داعش ذريعةً لتصفية أو اعتقال المقاتلين الأجانب، في محاولة واضحة لخلق حالة تعبئة واستقطاب داخل البيئات الجهادية العابرة للحدود.

 

 

وتعكس هذه المعطيات، بحسب مراقبين، هشاشة المشهد الأمني المحيط بملف المقاتلين الأجانب في إدلب واستغلال داعش لها، في ظل تداخل البعد الأمني مع المخاوف من مستقبل وضعهم داخل ترتيبات ما بعد الحرب.

 

 

وفي هذا الإتجاه  يرى "أحمد سلطان "الباحث المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية المسلحة  إلى أن هذه الحادثة ليست منفصلة، بل جزء من سلسلة طويلة من التوترات المتكررة في الشمال السوري، حيث لا يزال وجود المقاتلين الجهاديين يتيح لهم هامشاً واسعاً من الحركة، مدعوماً بشبكات لوجستية وعلاقات تراكمت خلال سنوات الصراع.

 

 

كما يوضح أن هذه التوترات تعود أيضاً إلى حوادث سابقة في إدلب، بما فيها تمردات جزئية داخل بعض المجموعات مثل “فرقة الغرباء”، إضافة إلى عمليات اعتقال وخلافات متكررة بين بعض المقاتلين الأجانب والسلطة الجديدة.

 

ويضيف خلال حديثه مع مجلة صور إلى أن :"محاولات دمج بعض هذه المجموعات داخل هياكل عسكرية جديدة ما تزال غير مكتملة، بسبب اختلاف الخلفيات الأيديولوجية والعرقية وتباين تقييمها أمنياً بين حلفاء موثوقين وعناصر يُنظر إليها كتهديد محتمل".

 

ويذهب سلطان إلى أن الإدارة تعتمد سياسة “الاحتواء الجغرافي” عبر حصر هذه المجموعات في نطاقات محددة داخل إدلب، لتسهيل مراقبتها ومنع انتشارها في مناطق أخرى قد يصعب ضبطها لاحقاً، أو قد تشهد رفضاً مجتمعياً أو استهدافاً أمنياً من أطراف إقليمية.

 

 وحول مااذا كانت الاعتقالات التي نفذتها القوات الأمنية ضد الجهاديين الأجانب على خلفية التوترات الأخيرة التي شهدتها مدينة إدلب  ما إذا كانت تعكس توجهاً لتفكيك هذه المجموعات أو الحد من نفوذها، يرجح الدكتور" مصطفى أمين " باحث في دراسات التطرف والصراعات المسلحة أن ما يجري هو أقرب إلى سياسة احتواء وإدماج، من خلال تقديم  السلطة الجديدة للمقاتلين الأجانب حوافز اقتصادية ومالية، ومنح بعض العناصر امتيازات مثل الجنسية السورية أراضي وممتلكات وإدماجهم في البنية العسكرية للدولة.

 

 

لكنه يحذر في الوقت نفسه يحذر عبر مجلة صور من أن الخطر لا يزال قائماً، إذ إن أي تمرد محتمل داخل هذه المجموعات قد يتطور مستقبلاً إلى مواجهات مع الأجهزة الأمنية، ما يدفع السلطة إلى توسيع القاعدة المحلية داخل الجيش لتعزيز التوازن العسكري .

 

 

فيما يشير الخبير في الشؤون الأمنية والعسكرية اللواء الركن المتقاعد الدكتور "عماد علو الربيعي" إن المقاتلين الأوزبك الموجودين في عدة مناطق من إدلب يرتبطون بعلاقات تعاون مع "فرقة الغرباء" التي يقودها الجهادي الفرنسي عمر ديابي المعروف بـ“عمر أومسن”، وهو فرنسي الجنسية وله مجموعة مقاتلة ترفض الاندماج ضمن الفرقة 84 التابعة للمؤسسة العسكرية السورية .

 

 

ويبين  خلال تصريحاته الخاصة لمجلة صور إلى أنه في أكتوبر الماضي تصاعد التوتر بين عمر أومسن وقيادة الفرقة، ما دفع إلى تدخل قوات أمنية ومحاولة محاصرة معسكر تابع له. وخلال ذلك، قدمت مجموعات من المقاتلين الأوزبك دعماً له، ما أدى إلى نشوء تحالف يضم عناصر من الفرنسيين والأوزبك والطاجيك وغيرهم من مقاتلي آسيا الوسطى. ويرى أن هذا التقارب يعود إلى تشابهات لغوية وخلفيات أيديولوجية مشتركة، ما عزز هذا التعاون.

 

 

ويعتبر الربيعي أن هذا الوضع يعكس، بحسب رأيه، خللاً في وحدة القرار العسكري والأمني داخل المؤسسة العسكرية السورية، نتيجة وجود مقاتلين أجانب من خلفيات وجنسيات مختلفة تختلف في توجهاتها الفكرية ورؤيتها للأحداث في سوريا والمنطقة، مقارنة بتوجهات القيادة السياسية والعسكرية الحالية.

 

 

ويضيف :" التحالف ذو طابع أيديولوجي ديني يجمع تيارات جهادية متعددة، كثير منها قريب من تنظيم القاعدة، خصوصاً في إدلب حيث يتركز عدد كبير من هؤلاء المقاتلين. كما يشير إلى أن الخلافات بين هذه المجموعات و"هيئة تحرير الشام" بدأت تظهر بشكل أوضح تحت الضغوط الأمنية، في ظل إعادة هيكلة القوات السورية ".  

 

 

 

خلفية وجود المقاتلين الأجانب في إدلب

تعود جذور ملف المقاتلين الأجانب في إدلب إلى سنوات الصراع السوري، حين تدفقت مجموعات من آسيا الوسطى والقوقاز وشمال إفريقيا وأوروبا للانخراط في القتال داخل البلاد. 

 

 

 ومع تحول إدلب إلى أبرز معاقل الفصائل المسلحة، استقر عدد كبير من هؤلاء المقاتلين في مناطقها، وشكّلوا جزءاً من المشهد العسكري المعقد هناك بعد التحولات العسكرية الأخيرة وسقوط النظام السابق، لم يُغلق هذا الملف، بل دخل مرحلة جديدة من إعادة التشكل.

 

 فبعض المقاتلين جرى دمجهم داخل تشكيلات عسكرية جديدة، بينما احتفظت مجموعات أخرى بهيكل شبه مستقل، في حين بقيت عناصر خارج أي إطار تنظيمي واضح. 

 

 

هذا التعدد خلق واقعاً أمنياً مركباً، حيث لم يعد التعامل مع "المقاتلين الأجانب" موحداً، بل أصبح مرتبطاً بطبيعة كل مجموعة على حدة، وهو ما يزيد من صعوبة ضبطهم ضمن منظومة أمنية واحدة. 

 

 

وفي ضوء هذا المشهد لفت "أحمد سلطان" إلى أن وجود المقاتلين الأجانب في إدلب ليس حالة طارئة، بل امتداد مباشر لمسار الحرب السورية منذ بداياتها، حيث دخلت هذه المجموعات ضمن تشكيلات متعددة ثم أعيد توزيعها داخل هياكل عسكرية مختلفة خلال السنوات الأخيرة. 

 

 

وفي الوقت نفسه، يشير إلى أن البنية الفكرية لبعض هذه المجموعات ما تزال بحاجة إلى مراجعة، لوجود أفراد يحملون توجهات متشددة أو أفكاراً قريبة من التطرف، رغم أنهم حتى الآن يعملون ضمن أطر تنظيمية تفرضها الدولة السورية وتحاول ضبط سلوكهم.

 

 

 

الانقسامات داخل المجموعات الأجنبية

لا يشكل المقاتلون الأجانب كتلة واحدة، بل يتوزعون على مجموعات متعددة تختلف في الانتماء الجغرافي والتوجه الفكري والبنية التنظيمية، ما يجعل التعامل معهم أمنياً وعسكرياً معقداً إلى حد كبير، فبعضهم ينحدر من آسيا الوسطى مثل الأوزبك والطاجيك، وآخرون من مناطق القوقاز مثل الشيشان، إضافة إلى عناصر من أوروبا، ولكل مجموعة خلفيتها الثقافية وتجربتها القتالية ومسارها التنظيمي الخاص. هذا التنوع ينعكس على طريقة التعاطي مع الأوامر ومستوى الالتزام داخل التشكيلات.

 

 

أمام هذه المعطبات يفسر " أحمد سلطان "أن محاولات الدمج ما تزال غير مكتملة بسبب تباين الخلفيات الأيديولوجية والثقافية والعرقية، إضافة إلى اختلاف تقييم هذه المجموعات بين أطراف تعتبرها حليفة وأخرى تنظر إليها كتهديد محتمل، مشيراً إلى أن هذا التباين يبقي مستوى الانسجام الداخلي هشاً ويعيد إنتاج التوتر بشكل متكرر.

 

 

ومضى قائلاً:" أن غياب إطار قيادي موحد يجعل هذه المجموعات أقرب إلى شبكات متوازية لا تخضع لمرجعية واحدة، وهو ما يزيد من صعوبة ضبط سلوكها أو توقع تحركاتها". 

 

 

وفي دراسة بعنوان “الصراع على احتواء المقاتلين الأجانب في سوريا أعدتها مجموعة الأزمات الدولية، وهو مركز بحثي متخصص في تحليل النزاعات المسلحة وصياغة السياسات المتعلقة بإدارة الصراعات، حذّرت الدراسة من التحديات المرتبطة بدمج المقاتلين الأجانب ضمن القوات المسلحة السورية.

 

 

وأشارت الدراسة إلى أن هذا الدمج، الذي شمل آلاف المقاتلين من جنسيات مختلفة، ساهم في تعزيز السيطرة الأمنية بشكل مؤقت، لكنه في المقابل ينطوي على مخاطر أمنية مستمرة تتعلق بإمكانية حدوث توترات داخلية أو تورط بعض العناصر في أعمال عنف. 

 

 

كما نوهت إلى أن استمرار هذا النموذج دون إصلاحات تنظيمية وهيكلية قد يجعل ملف المقاتلين الأجانب أحد عوامل عدم الاستقرار في سوريا على المدى الطويل.

وبالتوازي مع ذلك يعتبر" سمير تقي " الباحث في معهد الشرق الأوسط بواشنطن التحدي الحقيقي لا يكمن في دمج هذه التشكيلات شكلياً، بل في قدرتها على التحول أيديولوجياً داخل بنية الدولة”، محذراً في خلال إفادته الصحفية لصور من أن استمرار وجود عناصر متشددة داخل أي هيكل عسكري قد يعيد إنتاج تهديد جهادي من داخل مؤسسات الدولة نفسها. 

 

 

وفي ما يتعلق بالانقسامات داخل المجموعات الأجنبية، يعتقد "مصطفى أمين" أن هذه الفصائل غير متجانسة، إذ تضم تشكيلات متعددة مثل الأوزبك، والإيغور، ومقاتلين من آسيا الوسطى، إضافة إلى عناصر من أوروبا الشرقية والغربية.

 

 

 ويؤكد:" وجود تباينات فكرية وسلوكية بينها، ما يدفع إلى توزيعها داخل وحدات عسكرية مختلفة للحد من تكتلها أو نفوذها داخل الجيش العربي السوري ".

ويقدر أمين نسبة المقاتلين الأجانب داخل التشكيلات العسكرية أنها ما بين 5 إلى 10%، وهي نسبة يعتبرها محدودة مقارنة بحجم الجيش السوري، رغم تأثيرذلك في بعض السياقات الأمنية والعسكرية.

 

 

دور الأجهزة الأمنية في احتواء التوتر

في ظل هذا التعقيد البنيوي، تعتمد الأجهزة الأمنية في إدلب على مقاربة تقوم على إدارة المخاطر عبر حصر هذه المجموعات ضمن نطاقات جغرافية محددة يمكن مراقبتها ميدانياً بشكل مباشر. 

 

 واستناداً على ذلك يوضح الباحث أحمد سلطان إن هذه السياسة تعتمد على الاحتواء الجغرافي لتقليل احتمالات الانفلات، موضحاً أن :" إبقاء هذه المجموعات ضمن نطاق محدد، لأن تجميعهم في منطقة واحدة يسهل مراقبتهم والتعامل معهم أمنياً، في حين أن انتشارهم في عموم البلاد قد يرفع مستوى الخطر، ويزيد احتمالات تنفيذ عمليات فردية أو الالتحاق بتنظيمات أكثر تطرفاً مثل داعش". 

 

 

ونوه إلى أن حصرهم في إدلب تحديداً يعود أيضاً إلى غياب الحاضنة الاجتماعية لهم في مناطق أخرى، إضافة إلى اختلاف السياقات المحلية في الشمال الشرقي أو الجنوب السوري، حيث قد يواجه وجودهم رفضاً مجتمعياً أو مخاطر أمنية إضافية، بما في ذلك الاستهداف من أطراف إقليمية. 

 

ويؤكد أن إدلب أصبحت عملياً البيئة الأكثر استقراراً لهم خلال سنوات الحرب، ما سمح بتشكل معسكرات وشبكات دعم لوجستي يصعب نقلها أو تفكيكها بسهولة في مناطق أخرى. 

 

 

وفيما يتعلق بالتغيرات الحالية، يوضح أن جذور الأزمة ليست وليدة الحادثة الأخيرة، بل تعود إلى سنوات من التوترات بين هيئة تحرير الشام وبعض الفصائل الأجنبية، حيث شهدت تلك الفترة محاولات لتفكيك أو تقليص نفوذ المجموعات التي قد تشكل تهديداً أمنياً، خصوصاً الأوزبك والشيشان والإيغور، ما أدى إلى صدامات و تضييقات سابقة.

 

 

ويضيف أن التحول الأهم اليوم هو أن السلطة أصبحت تتصرف كـ "حكومة أمر واقع"، ما جعلها تتعامل مع هذه المجموعات وفق حسابات أمنية أكثر صرامة مقارنة بمرحلة الفصائل، حيث لم يعد التساهل السابق ممكناً بنفس الشكل. 

 

 

في المقابل، يرى الخبير العسكري عماد علو أن :"أي وجود مسلح ذي خلفية جهادية، حتى داخل إطار رسمي، يبقى عاملاً مقلقاً على المدى الطويل”، موضحاً أن التعامل الدولي مع هذا الملف تحكمه حسابات سياسية وأمنية معقدة، ما جعل بعض هذه المجموعات تتحرك ضمن هوامش وظيفية في أكثر من ساحة"..

ويضيف :" هذا الواقع يجعل سياسة الاحتواء الحالية حلّاً مؤقتاً لإدارة التوتر وليس معالجة نهائية". 

 

 

ومن جانبه يرى "سمير تقي "أن التهديد الجهادي في سوريا لم يعد يُختزل في كونه خطراً خارجياً أو جماعات متمردة تعمل خارج إطار الدولة، بل أصبح أكثر تعقيداً وتشابكاً مع البنية الداخلية للواقع الأمني الجديد. 

 

 

ويتابع :" المقاربة التقليدية التي كانت تفصل بين "داعش" في الصحراء، والفصائل المرتبطة بالقاعدة في الشمال، والمقاتلين الأجانب، لم تعد كافية لفهم المشهد الحالي. فالتحدي الأبرز اليوم يتمثل في إمكانية تشكل تهديدات جهادية داخل الأطر التي تعتمد عليها الدولة نفسها في فرض سلطتها". 

 

 

وفي هذا السياق يطرح تقي سؤالاً جوهرياً: هل يمكن لدمشق أن تبني استراتيجية فعالة لمكافحة الإرهاب بالاعتماد على تشكيلات مسلحة ما تزال تحمل إرثاً أيديولوجياً متشدداً، ولم تشهد تحولات حقيقية في بنيتها الفكرية أو القيادية؟

 

ويضيف :"إن عملية دمج الفصائل المسلحة ضمن مؤسسات الدولة الأمنية قد تكون ضرورة سياسية في مرحلة ما بعد النزاع، لكنها لا تعني بالضرورة تحولًا أيديولوجياً أو تخلياً عن العقائد السابقة فالتجارب الإقليمية، لا تؤدي تلقائياً إلى تغيير في السلوك أو الولاءات".

 

 

وعليه وفق تقي، فإن التحدي الحقيقي أمام الدولة السورية لا يكمن في إعادة تسمية هذه التشكيلات أو دمجها إداريًا، بل في مدى قدرتها على تفكيك البنى الفكرية والعسكرية التي تشكلت خلال سنوات الحرب، وإخضاعها لسلطة مركزية فعالة ومنضبطة.

 

وينوه :"أن استمرار وجود عناصر أجنبية أو قيادات ذات توجهات متشددة داخل هذه المنظومة قد يخلق تهديدًا طويل الأمد، يتمثل في إنتاج قوة مسلحة تابعة للدولة شكليًا، لكنها تتحرك وفق اعتبارات أيديولوجية خاصة بها". 

 

 

وفي المقابل، فإن البيئة الإقليمية، وخاصة موقف إسرائيل الأمني القائم على الرد الاستباقي، تجعل من أي وجود مسلح ذي خلفية جهادية بالقرب من حدودها عامل توتر دائم، بغض النظر عن الإطار الرسمي الذي يعمل داخله بحسب تقي ..

 

 

 

الضغوط الإقليمية والدولية على ملف المقاتلين الأجانب

يرى الخبير العسكري "عماد علو" أن ملف المقاتلين الأجانب لم يعد ملفاً محلياً، بل جزءاً من توازنات إقليمية ودولية مرتبطة بمكافحة الإرهاب وإعادة رسم النفوذ في المنطقة.

 

ويشير إلى أن بعض القوى الدولية تعاملت مع هذه المجموعات ضمن مقاربات متغيرة، حيث جرى إدراج بعضها في قوائم الإرهاب ثم إعادة توظيفه أو التعامل معه في سياقات مختلفة لاحقاً، وفقاً لتغير الأولويات السياسية.

 

 

كما يوضح أن أي محاولة لإعادة دمج هذه العناصر داخل مؤسسات عسكرية قد تمنحها شرعية حركة ونفوذ إضافي، ما ينعكس على الأمن الإقليمي، خصوصاً إذا استمرت الروابط الأيديولوجية والتنظيمية خارج حدود الدولة.

 

 

وبدوره يرجح  الباحث "سمير تقي " إن مستقبل الاستقرار في سوريا يعتمد على مدى نجاح عملية حقيقية لإعادة هيكلة القوى المسلحة، وليس فقط إدماجها، وعلى قدرة الدولة على منع إعادة إنتاج التطرف داخل مؤسساتها، بدلًا من إعادة تدويره تحت مسميات جديدة.

 

 

سيناريوهات التصعيد ومستقبل إدلب

في ظل هذا المشهد المعقد، تتراوح السيناريوهات المحتملة في إدلب بين الدمج الكامل للمقاتلين الأجانب ضمن البنية العسكرية المحلية، أو التصفية التدريجية عبر الإبعاد وإعادة الهيكلة الأمنية، أو استمرار سياسة الاحتواء الأمني غير الحاسم التي تُبقي الوضع القائم دون حلول جذرية.

 

 

وتشير تقديرات بحثية حديثة إلى أن نموذج الاحتواء دون تفكيك يُعدّ حلاً انتقالياً أكثر منه نهائياً، إذ ينجح في منع الانفجار الأمني على المدى القصير، لكنه في المقابل يخلق بؤراً كامنة للتوتر داخل المنظومة العسكرية، خصوصاً مع وجود تشكيلات أجنبية ذات هياكل تنظيمية متماسكة وارتباطات خارجية.

 

 

وبحسب دراسة صادرة عن مجموعة الأزمات الدولية بعنوان "الصراع على احتواء المقاتلين الأجانب في سوريا"، فإن دمج المقاتلين الأجانب ضمن القوات الجديدة في سوريا ساهم في تثبيت السيطرة بعد الحرب، لكنه في الوقت نفسه أنتج تحديات طويلة الأمد تتعلق بالانضباط العسكري وتعدد الولاءات واحتمال الانخراط في صراعات داخلية أو إقليمية مستقبلية.

 

 

وانطلاقاً من ذلك، يمكن قراءة المشهد في إدلب باعتباره حالة استقرار هش، يعتمد على موازنة دقيقة بين منع التصعيد المباشر و ضبط المقاتلين ضمن هياكل رسمية   

. وتجنب تفكك المنظومة الأمنية 

 

 

لكن هذا التوازن يبقى قابلاً للاهتزاز عند أي تطور ميداني مفاجئ أو صراع داخلي بين المجموعات المسلحة، ما يجعل سيناريو الانفجار المحدود أو إعادة التشكل الأمني القسري من أكثر السيناريوهات واقعية على المدى المتوسط.

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
آخر المقالات
الثلاثاء, 16 حزيران 2026
الأحد, 14 حزيران 2026
السبت, 13 حزيران 2026

إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard