info@suwar-magazine.org

سوريا بعد الأسد، الصراع على الدولة وقواعد الحكم

سوريا بعد الأسد، الصراع على الدولة وقواعد الحكم
Whatsapp
Facebook Share

 

لم يكن سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 نهاية للصراع السوري، بل نقل الصراع إلى مستوى أكثر تعقيداً. فقد انتهت سلطة احتكرت الدولة لعقود، لكن سقوطها لم ينتج تلقائياً نظاماً سياسياً بديلاً، ولم يحسم شكل الدولة التي ستنشأ بعدها.

 


المعركة اليوم لم تعد على إسقاط السلطة، وإنما على إعادة تعريف الدولة وقواعد الحكم ومصادر الشرعية. ولهذا فإن المرحلة الانتقالية تمثل صراعاً بين مشاريع سياسية متباينة، تتنافس على صياغة الدستور، وتوزيع السلطة، وتنظيم العلاقة بين المركز والمناطق، وتحديد موقع الدين، وضمان حقوق المكونات، وإعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية.

 


إن طبيعة المرحلة لا تسمح بفصل هذه الملفات عن بعضها. فكل ترتيب أمني يحمل في داخله أثراً سياسياً، وكل صيغة دستورية تعكس توازناً للقوى، وكل شكل من أشكال اللامركزية يحدد توزيعاً جديداً للسلطة والثروة.

 


أعاد سقوط النظام توزيع القوة داخل سوريا، لكنه لم ينه تعدد مراكز النفوذ. انتقلت السلطة المركزية إلى قيادة انتقالية في دمشق، بينما بقيت قوى محلية ومناطقية وقومية تمتلك أوراقاً سياسية وعسكرية واجتماعية، إلى جانب تأثير إقليمي ودولي لا يمكن تجاهله.



وهذا يجعل السلطة الانتقالية أمام معادلة دقيقة، فهي مطالبة بإعادة توحيد مؤسسات الدولة واحتكار السلاح، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى تحويل السيطرة الفعلية إلى شرعية سياسية تتجاوز منطق المنتصر والمهزوم.

 


فالشرعية لا تُبنى فقط على إسقاط النظام السابق، وإنما على القدرة على تأسيس قواعد مشتركة للحكم. وكلما اتسعت الفجوة بين القوة التي تملكها السلطة وبين المشاركة السياسية التي تتيحها، ازدادت احتمالات إنتاج مركزية جديدة تعيد، بصورة مختلفة، بعض آليات النظام الذي انتهى.

 


وتظهر هذه المعضلة بوضوح في العلاقة بين المركز والمناطق. فالملف الكردي، وترتيبات شمال شرق سوريا، وأوضاع الساحل والسويداء وغيرها، ليست ملفات أمنية منفصلة، إنها تعبير عن أزمة أعمق تتعلق بكيفية بناء دولة موحدة تستوعب تعدد المجتمع السوري.

 


ومن هنا فإن وحدة سوريا لا يمكن أن تقوم على استعادة المركز لسلطته فحسب. الوحدة تحتاج إلى عقد سياسي يضمن المساواة في المواطنة، ويعالج التهميش، ويوزع الصلاحيات بصورة أكثر توازناً، ويحصر السلاح والقرار السيادي ضمن مؤسسات الدولة.

 

اقرأ أيضاً:

     

                    الحسكة بين شعارات الدولة ومخاطر الفتنة

                سوريا لا تُبنى بالانتقام، اللامركزية طريق العدالة

       


تتبلور في المرحلة الانتقالية عدة رؤى متنافسة لشكل الحكم. الرؤية الأولى تعطي الأولوية لدولة مركزية قوية، باعتبار أن انهيار مؤسسات الدولة وتعدد القوى المسلحة يجعلان إعادة بناء المركز شرطاً للاستقرار. ويستند هذا التصور إلى حاجة حقيقية، لا يمكن بناء دولة مستقرة في ظل جيوش ومؤسسات أمنية متوازية.



لكن توحيد الدولة لا يعني تركيز السلطة. فاحتكار الدولة للسلاح يجب أن يترافق مع خضوع السلطة للقانون والرقابة، وإلا تحولت عملية إعادة بناء الدولة إلى إعادة بناء سلطة مركزية جديدة.

 


في المقابل، يطرح مشروع الدولة المدنية الديمقراطية ضرورة بناء نظام يستند إلى دستور توافقي، وفصل السلطات، واستقلال القضاء، والانتخابات، وتداول السلطة، وضمان الحقوق والحريات.


وهذا المشروع يضع يده على جوهر المشكلة السورية، الاستبداد لم يكن مجرد مشكلة شخص أو عائلة، بل بنية سياسية جعلت السلطة أعلى من المؤسسات وأضعفت قدرة المجتمع على مراقبتها. لذلك فإن تغيير رأس السلطة لا يصبح تحولاً تاريخياً إلا إذا تغيرت القواعد التي أنتجت احتكارها.



أما اللامركزية فتطرح باعتبارها وسيلة لمعالجة التفاوت بين المناطق وتقليص احتكار المركز للقرار. وهي لا تتعارض بالضرورة مع وحدة الدولة، ما دامت السيادة والدفاع والسياسة الخارجية والمؤسسات الوطنية الأساسية موحدة، بينما تحصل السلطات المحلية المنتخبة على صلاحيات إدارية ومالية وسياسية حقيقية.



المشكلة ليست في توزيع السلطة بحد ذاته، وإنما في غياب إطار دستوري يحدد هذا التوزيع ويمنع تحوله إلى تفكيك للدولة.



يمثل موقع الدين في الدولة أحد الملفات التي يمكن أن تتحول إلى مصدر استقطاب طويل الأمد إذا عولجت بمنطق الأيديولوجيا بدلاً من منطق الدستور.



وجود مرجعية دينية في النص الدستوري لا يحسم وحده طبيعة النظام السياسي، الحاسم هو كيفية انعكاسها على التشريع والحقوق والحريات والمواطنة.



فالقاعدة التي ينبغي أن تحكم الدولة السورية الجديدة هي المساواة أمام القانون، وحماية الحريات، ومنع التمييز، وضمان الحقوق السياسية لجميع المواطنين، بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية أو القومية أو المناطقية.



وبذلك يصبح التحدي هو بناء صيغة لا تفصل الدولة عن المجتمع وهويته، ولا تسمح في الوقت نفسه بتحويل الهوية إلى أداة للتمييز السياسي.


في هذا السياق، لا يمكن أن ينجح الانتقال السياسي من دون معارضة قادرة على العمل خارج منطق السلاح.

 


المقاومة السياسية في المرحلة الانتقالية تعني استخدام الوسائل الدستورية والقانونية والإعلامية والمجتمعية والانتخابية لمنع احتكار السلطة، والدفاع عن الحقوق، ومراقبة المؤسسات، والتأثير في صياغة الدستور والقوانين.

 


وتشمل هذه المقاومة الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني والإعلام المستقل والمبادرات المحلية، إلى جانب العمل البرلماني والانتخابي عندما تتوفر شروطه.



والأهم هو أن تتغير وظيفة المعارضة نفسها. فالمعارضة الجديدة لا ينبغي أن يكون هدفها الدائم إسقاط السلطة، بل إجبار السلطة على الخضوع لقواعد سياسية قابلة للمساءلة والتغيير.

 


هذه النقلة ضرورية للخروج من الثقافة التي حكمت الصراع السوري طوال السنوات الماضية، حيث كان الخلاف السياسي يتحول سريعاً إلى صراع وجودي، ويصبح الطرف الآخر عدواً يجب إقصاؤه بدلاً من منافس يمكن التعايش معه.



إن بناء ديمقراطية قابلة للحياة يتطلب تحويل التنافس من صراع على بقاء الأطراف إلى صراع على البرامج والسياسات، ومن منطق الغلبة إلى منطق التداول.



أمام سوريا خطر يتجاوز احتمال عودة النظام السابق، خطر إعادة إنتاج منطق الاستبداد داخل بنية سياسية جديدة.


ويبدأ ذلك عندما تتحول ضرورات المرحلة الانتقالية إلى مبرر دائم لتركيز السلطة، أو عندما يصبح الأمن ذريعة لتقييد المجال العام، أو عندما يُعامل نقد السلطة باعتباره تهديداً للدولة، أو عندما تستمر القرارات الكبرى خارج نطاق الرقابة والمساءلة.

 


وفي المقابل، تتحمل القوى السياسية المعارضة مسؤولية عدم تحويل الخلاف إلى فوضى أو إلى صراع هوياتي، والابتعاد عن توظيف السلاح أو الاستقواء الخارجي لتحقيق مكاسب سياسية.

 


فالقاعدة التي ينبغي تثبيتها في المرحلة الجديدة بسيطة، الدولة ليست السلطة، ومعارضة السلطة ليست معاداة للدولة.

 


الدولة ملك للمجتمع، بينما السلطة مؤقتة وقابلة للتغيير. وكل محاولة لدمج الاثنين ستعيد إنتاج الاستبداد، مهما تغيرت الشعارات والأسماء.



إذا نجحت القوى السورية في تحويل انتصارها العسكري والسياسي إلى مؤسسات وقواعد مشتركة، فإن سقوط النظام سيكون بداية فعلية لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة.



أما إذا احتُكرت الدولة باسم الاستقرار، واختُزلت الوحدة في المركزية، وتأجلت المشاركة السياسية، فقد تعيد سوريا إنتاج بعض أنماط الاستبداد السابقة بأدوات مختلفة.

 


لذلك، فإن الصراع الأساسي اليوم ليس على السلطة وحدها، بل على قواعد ممارستها وتوزيعها والرقابة عليها وإمكانية تداولها سلمياً. وهذه القواعد هي التي ستحدد ما إذا كان سقوط النظام يمثل نهاية حقبة أم بداية تحول سياسي حقيقي.


الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard