الجرائم ضد الإنسانية ليست خلافاً قابلاً للمصالحة

في تغريدة له "مصطفى البكور" يدعو أبناء السويداء للمساهمة في بناء "الوطن"، وتجاوز ما يسميّه "خلافاً"، مُستعيراً عبارات مُطعّمة بالشعارات الوطنية المُزيّفة. وهو في ذلك -بالتأكيد- لا يطرح مشروع مصالحة وطنية، بل يحاول إعادة تعريف الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها السلطة بحق المدنيين في السويداء باعتبارها "خلافاً" يمكن تجاوزه بخطاب إنشائي عن الوطن والوطنية، ومحاولة تطبيع لمحاولة إبادة جماعية والهروب من المسؤولية عنها.
هذا الخطاب المعسول عن "الوطن والمصالحة وتجاوز الخلافات"، يتناقض جذرياً مع مسلك البكور عندما كان يمارس مهامه في السويداء. ففي الوقت الذي كان فيه أبناء الجبل يطالبون بدولة مدنية تعددية، وسيادة القانون، ويرفضون التدخل الخارجي والإقصاء السياسي، كان البكور يسلك مساراً معاكساً، عبر تأجيج الصراع ذي الطابع الديني، وحشد "البدو " وتطويعهم ضمن القوات التابعة للسلطة وإمدادهم بالسلاح. فأي مصالحة يتحدث عنها من ساهم سلوكه في تعميق الانقسام؟ وأي وطن يدعو إلى بنائه من كان خطابه وممارساته يناقضان أسسه؟
المثير للسخرية أنه يتحدث اليوم عن "وطن يتّسع للجميع"، فيما كان سلوكه بالأمس يعمل على تمزيق نسيجه، ويتغنّى بسيادة القانون فيما كانت السويداء تطالب بدولة القانون التي لم يعمل أسياده على بنائها. والأكثر سخرية أنه يدعو أبناء السويداء إلى الإسهام في بناء الوطن، فيما سيّده الشرع يتصرف وكأن الوطن ملكية خاصة قابلة للبيع والمقايضة. لذلك، فإن محاولاته لمحو التناقض بين خطابه اليوم وممارساته بالأمس بمجرد استبدال لغة التحريض بلغة المصالحة ليست سوى محاولات يائسة للتهرب من المسؤولية. فالمواقف لا تُقاس بما يقوله أصحابها حين تتغير الظروف، بل بما فعلوه حين كانت المبادئ موضع اختبار.
اقرأ أيضاً:
ما حدث في السويداء ليس خلافاً سياسياً؛ إنها مجازر جماعية ارتكبتها سلطة إرهابية، والآلاف من المجرمين المؤيدين لها، الذين ارتكبوا أعمال القتل الجماعي والحرق والنهب والتدمير الممنهج. ولن تُمحى أثارها بتغيير المفردات؛ولن تتحول إلى صفحة من الماضي لأن مرتكبيها قرروا انتقاء عبارات إنشائية للحديث عن المستقبل.
ومن الواضح أن البكور وغيره من مسؤولي السلطة لم يفهموا بعد أن ما قبل ارتكاب المجازر في السويداء في تموز 2025 لن يكون كما بعده.
عن أي مصالحة يتحدث البكور ولا يزال القصف على المدنيين مستمراً ، والحصار وتضييق الخناق على شعب كامل مستمراً، والآلاف من الطلاب محرومين من حقهم في التعليم.؟!وعن أي "رؤية وطنية" يتحدث البكور ولا يزال أبواق السلطة التي ينتمي إليها مشغولون بالتحريض على السويداء واهلها؟
البكور ذاته، مسؤول بشكل مباشر عن الجرائم المخزية التي ارتكبت بحق المدنيين في السويداء، ومسؤول بشكل مباشر عن طمس الأدلة في قرى الريف الغربي والشمالي من خلال ما قام به من عمليات "ترميم" لإخفاء أثار النهب والتدمير والحرق الممنهج على يد قوات الجيش وما يسمى بـ "الفزعات" التي تصرفت كوحوش في هيئة بشر. ولا يزال الطرف الرئيسي المسؤول عن الحصار وفرض الأتاوات على دخول البضائع إلى السويداء وممارسات القمع والإذلال المتعمّد الذي يمارسه عناصر سلطة الشرع بحق المدنيين على طريق دمشق-السويداء.
السويداء لا تحتاج إلى مواعظ في الوطنية من الذين ارتكبوا بحقها جرائم جماعية. ولا يحق لمن تورّط بسفك الدماء أن ينصّب نفسه كواعظٍ للضحايا ويطالبهم بتجاوز المآسي التي ارتكبها بحقهم باسم الوطن والوطنية المزيفة. ولن يكون هناك تجاوز للجريمة عبر إعادة تسميتها؛ ولن تكون هناك مصالحة عبر فرض النسيان؛ ولن يُبنى وطن على مطالبة الضحايا بالصمت، فيما تُترك المسؤوليات بلا حساب.
السويداء لم تختلف مع أحد؛ السويداء تعرّضت لجريمة؛ والفرق بين الأمرين هو الفرق بين تسوية سياسية يمكن التفاوض عليها، وعدالة لا يجوز مقايضتها. ومن يصرّ على تسمية الجريمة "خلافاً"، إنما يحاول انتزاع معناها من ذاكرة الضحايا، وتجريدهم من حقهم في المحاسبة، وفتح الطريق أمام تكرارها.