عنبُ كوردِ سوريا أولى من معاركِ النواطير

كشف " منتدى ميري" 2026، الذي اختتمت أعماله مؤخراً في العاصمة أربيل، عن أزمة بنيوية عميقة، لا تزال تتسع رقعتها في جسد الحركة السياسية الكوردية.
وتتمثل هذه الأزمة في الفجوة الهائلة بين لغة الصراعات الحزبية الضيقة وتطلعات الشارع المنهك.
فبينما تحولت منصات الحوار وكواليسها الدبلوماسية إلى ساحة للسجال الساخن، وإصدار بيانات المقاطعة، والتبرؤ، والاتهامات المتبادلة بالإقصاء بين المجلس الوطني الكوردي ومقر بارزاني من جهة، وبين الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية من جهة أخرى. يطرح المواطن الكوردي البسيط في سوريا سؤالاً واحداً ومصيرياً: إلى متى يدفع الشعب ثمن هذه الانقسامات الحزبية؟ ومن سيزرع ويحصد حقوقنا في نهاية المطاف؟
يختصر لسان حال الشارع الكوردي اليوم، المثلُ الشعبي البليغ: "بدّنا ناكل عنب ولا نقتل الناطور".
فلم يعد يكترث المواطنُ -الذي عانى على مدار عقد ونصف من ويلات الحرب والنزوح والتهميش - بالمسميات الحزبية أو بالشعارات الأيديولوجية، ولا بصراعات النفوذ الإقليمية العابرة للحدود، بل يهمه حقاً وفعلاً تحقيقُ النتيجة الملموسة؛ والمتمثلة في أمان مستدام يحمي أطفاله، وحياة كريمة تؤمن قوته اليومي، وتثبيت الهوية والحقوق القومية والثقافية والسياسية بشكل رسمي وقانوني لا رجعة فيه في الدستور السوري الجديد.
يترتب اليوم واجبٌ أخلاقي وتاريخي - قبل أن يكون سياسياً- على من يمتلك القدرة على الجلوس على طاولة المفاوضات، ويقبض على أوراق القوة الحقيقية على الأرض، ويفرض الشروط.
وتمثل هذا الطرفَ الإدارةُ الذاتية وقواتُ سوريا الديمقراطية التي قادت المعارك الميدانية الطاحنة، وقدمت لأجلها تضحيات جسيمة من دماء شباب المنطقة وشاباتها في دحر الإرهاب والقضاء على" تنظيم داعش"، ويتجلى هذا الواجب في تحويل القوة العسكرية إلى مكاسب وطنية عامة يستظل بها الجميع؛ إذ يجب ألا تُعامل الحقوق والاتفاقيات المنتزعة كغنائم فئوية أو احتكارية، بل هي ملك خالص للشعب الكوردي بأكمله، وصمام أمان لمستقبل الأجيال القادمة دون استثناء أو تمييز.
اقرأ أيضاً:
غسيل السجلات... أرواح صمدت في وجه المقصلة ولوائح التهم الكيدية
ولكن، لكي تثمر هذه الجهود ويتحقق "العنب" الذي ينتظره الملايين، لا بد من الانتقال الفوري من حيز الشعارات السياسية العاطفية إلى مربع الآليات التنفيذية والمؤسساتية على أرض الواقع.
ويتطلب ترتيبُ البيت الكوردي في سوريا، تبني خارطة طريق شاملة، تقوم على أربع ركائز أساسية لا يمكن التغاضي عنها:
الحريات والغطاء القانوني
لا يمكن الحديث عن انتزاع حقوق جماعية أو مواجهة الاستحقاقات الدولية والمحلية بكفاءة ، بينما تشهد الساحة الداخلية تضييقاً على الآراء المخالفة.
وتبدأ الخطوة الأولى بتصفية النفوس وتلطيف الأجواء، وإنهاء كافة المظاهر الأمنية ضد الناشطين والسياسيين المعارضين، وإعادة فتح المكاتب الحزبية المغلقة وحمايتها.
لكن لا يكفي هذا الإجراء. إن لم يقترن بخطوة مؤسساتية تتجلى في صياغة قانون أحزاب وقانون إعلام عصري ومستقل.
ويجب أن تتوفر مرجعية قضائية نزيهة ومستقلة تحتكم إليها كافة الأطراف، وتُنزع من الأجهزة الأمنية أو الفصائل العسكرية سلطةُ التغول على العمل السياسي والمدني السلمي، ليصبح صندوق الاقتراع والالتزام بالقانون هما الحَكَم الوحيد.
تكامل الميدان والدبلوماسية
تظل القوة العسكرية والمؤسساتية الميدانية، مهما بلغت عظمتها وتضحياتها الجسيمة في دحر الإرهاب والقضاء على" تنظيم داعش"، بحاجة إلى غطاء شرعي وتعددي متماسك، يمنع محاصرتها أو تصنيفها سياسياً في المحافل الدولية.
ومن هذا المنطلق الواقعي، يطالب الشارع اليوم بتشكيل هيئة تفاوضية عليا مشتركة وموحدة ، يستفاد فيها من الأوراق الدبلوماسية للمجلس الوطني الكوردي.
فبالرغم من أن المجلس لا يمتلك مؤسسات أو نفوذاً عسكرياً فاعلاً على الأرض، توازي حجم التضحيات الميدانية، إلا أنه يمتلك اعترافاً رسمياً وعلاقات في هيئات التفاوض الدولية.
إن توظيف هذا الثقل الدبلوماسي الخارجي للمجلس وتحويله إلى "محامي سياسي" يحمي ويثبت المكتسبات التي عُمّدت بالدماء في الداخل، هو خطوة ضرورية لمنح الكورد، كتلة تفاوضية صلبة ووازنة أمام السلطة السورية، ويقطع الطريق تماماً على أي محاولات لاستغلال الانقسام الكوردي لإجهاض الحقوق المنتزعة.
الاندماج والشركة الاقتصادية
يجب ألا يغيب عن الأذهان قط أن الحقوق والمكاسب لا تُناقش في معزل عن المحيط العام، بل تندرج ضمن رؤية اندماج وطني شاملة تُطبق على كامل الجغرافيا السورية.
إن الاندماج الحقيقي يتعدى التفاهمات العسكرية الجارية، ليتسع صوب تنظيم قطاع الثروات الحيوية والمعابر التي آلت سيادتها وإدارتها التشغيلية رسمياً إلى شركات الدولة ومؤسساتها.
وتتطلب هذه المرحلة صياغة شراكة إدارية ومالية شفافة، تضمن تخصيص حصص عادلة ومثبتة، لتنمية كافة مناطق ومحافظات الحسكة وحلب (من الجزيرة إلى كوباني وعفرين).
فعندما توزع عائدات النفط والزراعة بعدالة لتأمين الخدمات والقدرة المعيشية للمواطن ضمن أطر اللامركزية الإدارية، سيتراجع الاحتقان الداخلي تلقائياً، ويتحقق الاندماج الإيجابي الذي يحمي الخصوصية الكوردية بوصفها إثراءً للهوية السورية الجامعة لا مشروعاً للانفصال.
المصالحة ورد المظالم
تركت سنوات الانقسام الحزبي والخطاب الإعلامي المتشنج، شروخاً واضحة في النسيج الاجتماعي الكوردي، ووصلت أحياناً إلى مستوى التخوين المتبادل بين أبناء الشعب الواحد والعائلة الواحدة.
ويتطلب إنقاذ الموقف، إطلاق مبادرة مصالحة مجتمعية شاملة تقودها شخصيات مستقلة، وأكاديميون، ووجهاء العشائر والحكماء. وتهدف هذه المبادرة إلى مراجعة الملفات العالقة، ورد المظالم، ووقف حملات الشحن والتخوين في وسائل الإعلام المحلية، وإعادة توجيه الخطاب الإعلامي نحو تعزيز السلم الأهلي وترسيخ الهوية الجامعة التي تتسع للجميع.
العبرة بالخواتيم لا بالنتائج
تأتي المنتديات الدولية والملتقيات السياسية الكبرى وتذهب، وتطوي الأيامُ بياناتِ الاستنكار والتبرؤ الحزبية، وسرعان ما تنساها الذاكرة والشارع على حد سواء، لكن يتبقى على الأرض فقط، ما يتم تثبيته وحمايته من حقوق ومؤسسات، تصون كرامة الإنسان الكوردي البسيط وتضمن بقاءه.
لم يعد يملك الكورد في سوريا ترف الوقت لإهداره في معارك جانبية لا طائل منها، فالجغرافيا السياسية للمنطقة تمر بمخاض مفصلي يعيد ترتيب موازين القوى برمتها.
ويتطلب هذا الواقع الجديد من النخب السياسية، أياً كانت مسمياتها ومواقع نفوذها، أن تتسامى فوق عقدة " من يمثل من" وتدرك أن كتابة التاريخ، لا تتم عبر البيانات الإعلامية المتشنجة، بل عبر انتزاع الضمانات الدستورية الراسخة تحت مظلة وطن متكامل.
إن المسؤولية التاريخية، تحتم اليوم على المجلس الوطني الكوردي، وكافة القوى العسكرية والميدانية، الانخراط فوراً في صياغة جبهة موحدة تتحدث بصوت واحد، تحمل تطلعات الشعب إلى مراكز القرار الدولي والإقليمي.
ففي نهاية المطاف لن يتذكر الأبناء من كان يدير هذا المنبر أو ذاك، بل سيتذكرون فقط، من نحج في تثبيت حقوقهم القومية والسياسية في الدستور؛ لأن التاريخ لن يرحم القيادات التي انشغلت بالخلاف الأبدي مع الناطور و فرّطت بقطاف الثمار، حتى ضاعت من بين يديها الفرص التاريخية .