سلطة الشرع تمارس التجويع لإخضاع السوريين وفرض استبدادها

هنا أو مرة ثانية في سوريا، تعتمد السلطة أسلوباً تمييزياً بين الناس، لفرض استبدادها. القضية ليست كما قال يوماً بدرشاكر السياب: "ما مر عام والعراق ليس فيه جوع"، مع إمكانية استبدال العراق، من صاحب أنشودة المطر، بسوريا. فالقضية باتت في سياسة سلطة الأمر الواقع بتجويع السوريين، وانغماسها في تضييق فسحة العيش أمامهم، ودفعهم إلى الرضوخ لاستبدادها، والتنازل عن حقوقهم الأساسية، وحرمانهم من حق التعبير عن الرأي، وممارسة الحريات، وانفاذ القانون.
بادىء ذي بدء، لابد من إزالة الالتباس في المفهوم، بين الفقر والجوع، وخطأ الخلط بينهما، إضافة إلى ضرورة التفريق بين زيادة عدد الفقراء بسبب خطأ السياسات التنموية وفشل الإجراءات الحكومية، واستخدام التجويع كأدة إكراه وإخضاع. وبالتالي ثمة فارق جوهري، بين الفقر الذي يخيم على 90 بالمئة من السوريين، مع اختلاف مستوياته ومدى عمقه، وإمكانية معالجته، وطرق وأساليب مواجهته، وهذا يرتبط كلياً بالسياسات الاقتصادية والتنموية، وبين سياسة التجويع الممنهجة التي تعتمدها سلطة الجولاني ضد الشعب السوري، وتستخدمها كأداة سياسية محضة، للإخضاع والترهيب والإذلال، وسلب الكرامة، والحرمان من الحقوق.
وفي مقاربة سريعة، بلغ معدل خط الفقر الأعلى في سوريا قبل 2010 نحو 30 بالمئة من عدد السكان، وهو لم يك فقراً عميقاً، فيما لم يتجاوز معدل خط الفقر المدقع 10 بالمئة. ومع الثورة السورية، سجلت البلاد أعلى معدل فقر في تاريخها، وباستثناء نحو 10 بالمئة من السوريين، خضعت النسبة المتبقية منهم للفقر، والغالبية الساحقة منها للفقر الشديد.
صحيح أن سلطة الجولاني ورثت تركة فقراء في سوريا، لكنها ورثت أيضاً العقلية الاستبدادية عينها، أي استخدام سلاح التجويع في مواجهة مطالب السوريين الأساسية في الحريات والديمقراطية، وتابعت في تطبيق نهج الدكتاتورية السابقة والمتمثل، بالغذاء والكفاية والخدمات مقابل الولاء والخضوع والصمت، في خرق ممنهج لمبادىء حقوق الإنسان الأساسية، والتي تؤكد"أن الحصول على الغذاء الكافي حق أساسي من حقوق الانسان، وليس منحة تقدمها الحكومات أو امتيازاً مرتبطاً بالولاء السياسي". بل تصنف هذه المبادىء تجويع الناس عمداً أو حرمانهم من الغذاء لأغراض العقاب أو الإخضاع، ليس فقط انتهاكاً لحقوق الانسان بل يرقى إلى "جريمة دولية". ولذلك نصت المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الانسان على: "حق كل شخص في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهية له ولأسرته".
اقرأ أيضاً:
ليس خافياً أن ما تمارسه سلطة الأمر الواقع حالياً، يندرج في إطار المعاقبة الجماعية، ويأخذ صور انتهاكات متعددة للحقوق الأساسية، والتي من المفترض أن تكون خارج العملية السياسية. إذ تصر هذه السلطة على استخدام وسائل العقاب الجماعي المرتبطة بالغذاء والحقوق والخدمات كوسيلة ضغط سياسي، تجبر السوريين على الرضوخ لمشيئتها. وهي تمارس التجويع ليس بسبب ظروف عامة اقتصادية وتنموية، وعجز في الموازنة العامة، بل كنهج مقصود وممنهج، ووسيلة ابتزاز سياسي، تغلفه السلطة بحزمة من الإجراءات الإقتصادية الإنتقائية الإستحواذية.
السلطة التي أتت من تجربة إدلب، ورأت فيها تجربة ناجحة، دون أن تحدد لنا عوامل نجاحها، والمطارح التي نجحت فيها، اقتربت فور تسلمها السلطة من المحظورات الاعتيادية لدى الشعوب التي خضعت لدكتاتوريات دموية وقاتلة. فمنذ أسابيعها الأولى في دمشق، جنحت سلطة الجولاني نحو تحرير الاقتصاد السوري، من خلال فك قيود الاستيراد فقط. هذا خلق صدمة أولية لدى السوريين، تجلت في غلاء في المستلزمات المعيشية، كان الخبز على رأسها، ورفع أسعار المحروقات.
إن تحرير الاقتصاد ليس عيباً، هو نهج متبع، لكنه ليس كافياً وحده، فالتحرير الاقتصادي يختلف عن تحرير البلد من الديكتاتورية، الأول يحتاج لإجراءات مرافقة، تحمي من الصدمة، أما الثاني فأتى على ظهر دعم دولي معلن، وإثر صفقة تبادل، يهرب بشار الأسد بالمال، ويأتي أبو محمد الجولاني من إدلب إلى قصر الشعب بدمشق. كما يحتاج التحرير الاقتصادي أيضاً، إلى حزمة من الإجراءات الحمائية، تمتص عواقب الصدمة، وتقلص من استطالاتها، فيما اتخذت السلطة قرارات استنسابية لخدمة فصائليتها، وترسيخ استبدادها، وإطلاق يد شيوخها في الحكم، وخلق طبقة أعمال جديدة تستحوذ على العطاءات، واعتماد مبدأ الولاء بدلاً من الكفاءة. ظهر ذلك جلياً في الاعلان الدستوري، وما سمي مؤتمر النصر الفصائلي، ولاحقاً في تعيين مستغرب لأعضاء مجلس الشعب، والاستحواذ المطلق على مقاليد الحكم بالمؤسسات.
القضية الشعبية العالقة حالياً بسبب انغماس السلطة فيما لاينفع الناس، هو توسع مروحة الجوعى في البلاد، حيث ترضخ البلاد لاستبداد وجوع قاتلين، جراء رغبة السلطة، والصدمة الاقتصادية التي نفذتها عن سابق جهل، والمتمثلة بالانفتاح السريع، في محاولة للقطع مع النظام البائد لكسب تعاطف الناس، فيما كانت السلطة تهدف من ذلك، إلى تحرير نفسها من القيود التي تلزمها بدعم مناحي الحياة الأساسية للناس. إذ أنها حررت الأسعار، وطردت شريحة وازنة من العاملين بالقطاع العام، وفرقت بالأجور بين القادمين من خلفية هيئة تحرير الشام والسوريين عامة، كما حبست السيولة النقدية، وأجبرت الناس على تطبيق شام كاش المثير للتساؤل، ومنعت تسديد الرواتب في بعض الأحايين.
هذه ليست إجراءات تقشفية تستلزمها مرحلة ما بعد سقوط الدكتاتورية الأسدية ـ البعثية، بل نهج أظهر أن السلطة المستعجلة على الاستحواذ على مقاليد الحكم، رمت خلف ظهرها القضايا الأساسية في هذا الصدد، وتخلت عن عوامل قوة الاقتصاد السوري، وبالذات جناحيه الأساسيين وهما الزراعة والصناعة، وجلست تنتظر المساعدات الخارجية، وبيع الناس سراب الاستثمارات الأجنبية الموعودة. ويندرج في هذا الإطار، رفع السلطة لأسعار المحروقات مؤخراً بنسبة وصلت إلى 40 بالمئة، إذ أنها رمت العبء على كاهل الناس، وحررت نفسها من الخسائر المتوقعة، رغم أن مجمل الظروف الاقتصادية والمعيشية لاتتناسب مع هكذا إجراء.
لاترمي السلطة من خلف تجويعها الناس وممارسة ضغوط معيشية عليهم، دفعهم إلى الخيارات التي باتت متاحة حالياً كالاحتجاجات ذات الصلة، أو الهجرة، هذه وصفة للمعارضة وليست للسلطة. السلطة تستخدم سياسة العصا والجزرة، وتكافىء الولاء برغد العيش، والرفض بالملاحقات والحرمان.
والسويداء أنموذج محزن، فالمحافظة التي تعرضت لجرائم حرب وضد الإنسانية وفق التصنيف الدولي، تعاني من حصار اقتصادي خانق، وإجراءات تفضي إلى الحرمان من الحقوق. وبذلك نقلت السلطة الخلاف السياسي مع السويداء، والذي كانت آفاق حله ممكنة جداً، نقلته إلى صراع عسكري وسياسي استدعى تدخلات خارجية، وساهم في تعقيد العلاقة بين أهالي السويداء وجمهور السلطة بخاصة. هنا يصبح الحصار أداة إخضاع، والتجويع الذي تستخدمه السلطة، أداة استبداد سياسي مقيتة، ووسيلة للعقاب والإكراه والسيطرة، من خلال تجريد السوري من حريته المنشودة. وهذا يتناقض مع ما قاله جان جاك روسو بأن "الحرية ترتبط بمنع تحوّل الفقر إلى وسيلة لإخضاع الإنسان"، فيما سلطة الجولاني تريد إخضاع السوري بسلب حريته من خلال تجويعه.