info@suwar-magazine.org

فيلم المنفصل.. سوداوية الواقع وتمرّد شخوصه

فيلم المنفصل.. سوداوية الواقع وتمرّد شخوصه
Whatsapp
Facebook Share

 

ريناس سينو

 

«ولم أشعر أبداً بعمقٍ أنني شخصٌ مكتملٌ، وفي الوقت الذي أجدني فيه منفصلاً عن ذاتي أجدني حاضراً في هذا العالم»

بعبارة الأديب (ألبير كامو) يبدأ الفيلم الذي تتمحور أحداثه حول المدرّس البديل (هنري بارث)، الذي يجسّده الممثل أدريان برودي في دورٍ يكاد يكون من أكثر الأدوار التي أتقنها بشكلٍ منقطع النظير.

 

ينطوي الفيلم، الذي أخرجه (توني كاي)، على أبعادٍ نفسيةٍ وفلسفيةٍ عميقةٍ نلاحظها مع بداية الفيلم، عندما تظهر شخصية هنري في قاعةٍ ما يتحدّث فيها إلى شخصٍ مجهول الهوية، وتبدأ أحداث الفيلم بمعزلٍ عن حديثه الذي يتخلل سياق سير الأحداث من حينٍ إلى حين. فتراه هائماً في الشوارع مع عالمه الخاصّ المليء بالذكريات والنكبات الأليمة، كانتحار والدته وهو في سنّ السابعة، إضافةً إلى مرض جدّه بالزهايمر. وعلى الرغم من كلّ ذلك نرى أن شخصية هنري لا تخلو من البراعة والحزم في تدارك أكثر المآزق حدّةً وصعوبةً؛ وهذا ما نلاحظه في المشهد الذي يبدأ فيه الدرس الأوّل له، إذ يهاجمه أحد الطلاب ويرمي حقيبته، ناهيك عن الشتائم التي قالها بحقّ هنري، ليردّ عليه الأخير: «إن هذه الحقيبة خاويةٌ من المشاعر، مثلي تماماً. ولا شيء لديك بمقدوره أن يؤذيني». من هنا يبدأ هنري مهمته التدريسية المؤقتة لهذه المجموعة المتمرّدة على واقعها، فيأسر قلوبهم بأسلوبه المختلف والبعيد عن النمطية.

 

يصادف هنري، في خضمّ سير الأحداث التي تعصف به، فتاةً يافعةً، تسمّى أيريكا، تمارس الجنس لقاء المال في أزقة الشوارع، فيدفعه شيءٌ ما إلى إيوائها والاعتناء بها. وتجسّد شخصية هذه الفتاة الممثلة (سامي غايل). خلال كلّ ذلك تنجذب إليه الطالبة ميرديث التي تعاني، جرّاء مظهرها البدين، مشاكل تتعلق بعدم قبولها في الوسط الذي تعيش فيه. وتجسّد هذه الشخصية الممثلة الشابة (بيتي كاي).

 

تعكس القصة، في سياقها الدراميّ، نماذج نادرةً من الشخصيات الغريبة والمتفرّدة في طباعها؛ كالأستاذ تشارلي سيبولت، الذي يتعاطى الأدوية المخدّرة كي يتأقلم مع الحالة المتردّية والعشوائية التي يعيشها الطلاب. كما نلاحظ في الفيلم شخصيةً ثانويةً لمدرّسٍ يقف أمام سياج المدرسة رافعاً رأسه نحو السماء لأوقاتٍ طويلةٍ دون أن يلاحظه أحد.

بالإضافة إلى ذلك نرى الدكتورة دوريس باركر، التي تنهار أمام عبث الطلاب واستهتارهم. ناهيك عن المديرة كارول، المهدّدة بالطرد رغم تفانيها وإخلاصها للعمل الذي تقوم به.

 

يسلط الفيلم الضوء، وبشكلٍ عبثيٍّ، على جوانب أخرى في الحياة. وهذا ما نكتشفه في إحدى محاضرات هنري للطلاب، حينما شبّه الإعلام التسويقيّ بالهولوكوست الذي يشوّه إدراك البشر لمتطلباتهم وحاجاتهم يوماً بعد يوم.

 

تتعلق أيريكا بهنري، ويزداد سلوكها انضباطاً في المنزل، حتى أنها كانت بجانبه في لحظات احتضار جدّه. إلا أن هذا لم يمنع هنري من الاتصال بإحدى دور الرعاية لكي يهتموا بها وبشؤونها، على الرغم من نوبة الصراخ والبكاء التي انتابتها حينما عرفت بأمر رحيلها. أما ميرديث فقد انتهى الأمر بها منتحرةً في آخر يومٍ من أيام هنري في المدرسة، لتنتهي القصة بمزيجٍ من السوداوية التي لا تخلو من نقطة تفاؤلٍ تتمثل في إنقاذ أيريكا من الواقع المزري الذي كانت تعيشه فيما مضى.

 

 

يتخطّى الفيلم بشرحه الوقائعَ المرئية والمحسوسة التي يعرضها. فهنري ليس مجرّد شخصٍ يزاول مهنة التعليم، بل هو الإنسان الذي ارتقى بألمه وتسامى إلى درجةٍ نراه فيها يتعامل مع الآخرين بسويةٍ واحدةٍ رغم أفعالهم وأخطائهم؛ هو الإنسان الذي يترنح في شوارع المدينة تحت وطأة الألم وصور ذكريات الأمس، مردّداً قصائده المفكّكة عن الإنسان الوحيد والمنعزل في هذا العالم.

«صادقاً أقول الأشياء كما هي..... أنا شابٌّ بل ربما عجوزٌ..... تمّ بيعي وشرائي كثيراً.... أنا مثلك تماماً».

 

 

 

مشاهد من الفيلم؛
الترجمة غير متوفرة

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard