info@suwar-magazine.org

أطفال ريف إدلب.. من المدارس إلى معسكرات التجنيد

أطفال ريف إدلب.. من المدارس إلى معسكرات التجنيد
Whatsapp
Facebook Share

 

قضَت أمّ عمّار (32عاماً) ليلة مرعبة والهواجس تدور في رأسها إثر غياب ابنها عمّار (14عاماً) عن المنزل دون مبرّر، وبعد عملية بحث طويلة عنه استمرّت أكثر من يومين، علمت بعدها بأن ابنها التحق بتنظيم النصرة، وهو يخضع لدورة تدريبيّة في إحدى معسكراتها.

 

الأطفال في ريف إدلب باتوا عرضة للتجنيد من قبل الفصائل المقاتلة، وخاصة بعد الاستهداف الممنهج للمدارس في ريف إدلب من قبل الطيران الحربيّ ، وأمام غياب المعيل فقد التحق عدد كبير من الأطفال بمعسكر التجنيد، سواء برضا أهاليهم أو في كثير من الأحيان دون موافقة الأهل على ذلك، والنتيجة أن الأطفال المجنّدين أصبحوا الأكثر عرضة للقتل والموت على جبهات القتال المشتعلة.

 

 

تقول أمّ عمّار، وهي من ريف إدلب "صحيح أن أوضاعنا المادّية ضعيفة، ونفتقد المعيل بعد اعتقال زوجي، ولكنّني أبداً لم أكن لأسمح بأن يلتحق ولدي بالفصائل المقاتلة، لا لشيء إلا لأنه صغير وعرضة لخطر كبير إن فعل ذلك، فأنا لست مستعدّة مطلقاً لأن أخسره، يكفي أنني فقدت الأمل من خروج زوجي سالمًا من سجن النظام".

 

حاولت الأمّ مراراً وتكراراً أن تقنع ولدها بالتراجع والتخلّي عن طموحه الجهاديّ، ولكن عبثاً كانت تحاول، لأن ولدها عمّار كان مقتنعاً بما يفعله على حدّ تعبيرها. 

 

عمّار يحاول إيضاح ما يقوم به من وجهة نظره، فيقول لمجلّة صُوَر "أليست مدارسنا مدمّرة، فكيف لنا العيش بشكل طبيعيّ وسط كل هذا الظلم والفقر؟ ". يقول عمار ذلك وقد امتلأت عيناه بالدموع التي حاول أن يخفيَها.

 

بحسب تقرير لوكالة سمارت فقد قدّر عدد المدارس الخارجة عن الخدمة في إدلب وريفها قرابة 800 مدرسة من أصل 1404 مدرسة، تتوزّع على الحلقات التعليمية الأولى والثانية وتعليم ثانوي ومهني وصناعي، بينها 400 مدرسة لا يمكن ترميمها جرّاء القصف الروسي وعمليّات التدمير، وهناك 400 مدرسة يمكن ترميم بعضها.

 

عن حالات تسرّب الطلاب من المدارس، فقد بلغت نسبة التسرّب المدرسيّ 50بالمائة بحسب وزير التربية والتعليم في الحكومة السورية المؤقّتة عماد برق.

 

كثيراً ما يحاول الأهالي في ريف إدلب إرسال أولادهم لحضور حلقات التعليم التي انتشرت في ريف إدلب، وذلك لتعويضهم النقص التعليميّ الذي خسروه في المدرس المدمّرة، هذه الحلقات تُعقد بشكل يومي، ويُعلَّم فيها الأطفال علوم الفقه والتلاوة والأحاديث النبوية الشريفة، ولكن ما إن يتمّ تعليم الطفل بعض هذه الأمور حتى يتمّ إقناعه من قِبل تنظيم النصرة بالانضمام لمعسكراتها بغية الجهاد وتحقيق النصر على الأعداء، تماماً هذا ما يتحدّث عنه أبو أيهم (42عاماً) من مدينة كفرنبل الذي يقول لمجلّة صُوَر "أطفالنا يحبّون حضور هذه الحلقات، لاسيّما وأنهم يشجّعون الأطفال على الحضور بتوزيع الهدايا وإجراء المسابقات الترفيهيّة وتقديم ولائم الطعام المختلفة، بهذه الطريقة يضمنون تردّد الأطفال على الحلقات بشكل دائم، وبعدها تبدأ التنظيمات الجهاديّة بزرع فكرة الجهاد والتجنيد في عقولهم " منوّهاً إلى أن ذلك ما حصل مع ولده أيهم الذي التحق بمعسكرات النصرة منذ عامين، حين كان عمر أيهم (13عاماً) فقط.

 

يعترف أبو أيهم أنه لم يستطع استرداد ولده من معسكراتهم، إذ أنهم يقنعون الأطفال بأن موافقة الأهل ليست ضرورية على الإطلاق، لأن الجهاد هو فرض عين، ولذلك وأمام إصرار أيهم على المتابعة لم يكن من الوالد إلا الانصياع والقبول مرغماً.

 

لقد ساهمت الحرب بعد ستّ سنوات بوجود شريحة واسعة من أرباب البيوت العاطلين عن العمل، في الوقت الذي تشهد فيه المناطق ارتفاعاً غير مسبوق بالأسعار، ويُضاف إلى ذلك خسارة البعض لوظائفهم، ممّا ساهم بوضع نسبة عالية من العائلات أمام الجوع والفاقة.

 

 

يقول سالم (15عاماً) وهو أحد الأطفال المجنّدين "إن الراتب والمعونة التي أحصل عليها كفيلة برفع بعض الأعباء عن كاهل عائلتي الفقيرة".

 

وفي محاولة لاستقطاب أكبر عدد من الأطفال في المناطق المحرّرة، أطلق كلّ من جيش الفتح، ومركز دعاة الجهاد ورابطة أهل العلم في الشام حملة "انفر"، وذلك في أبريل 2016 التي قام عليها العديد من الدعاة، وأسفرت الحملة عن جمع أكثر من 500 طفل تحت راية الجهاد، بعد أن طبعت أكثر من مليون منشور، وخصّصت عدّة حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي لهذه الغاية.

 

وردّاً على هذه الحملة فقد أطلق ناشطون حملة مناوئة، وهي "أطفال لا جنود" في محاولة جادّة لوقف عمليّات تجنيد الأطفال ضمن الفصائل المسلّحة.

 

عاصم زيدان مدير الحملة أوضح لـ صُوَر بأن الحملة تقوم بلقاءات مستمرّة مع الأهالي لتوعيتهم على خطورة الأمر، وكان هنالك حالات تجاوب كثيرة بخصوص هذا الموضوع، خاصّة وأن الحملة تضمّنت نشر عشرات الكتابات والملصقات على الجدران، والتي تطالب بوقف جميع الانتهاكات بحقّ الأطفال، ومن هذه المناشير عبارات كُتِب عليها "الأطفال مكانهم المدارس لا المتارس"، "سلام الطفل عِلْمه"، "معاً لنقضي على تجنيد الأطفال"، "أنقذوا أطفالكم من معسكرات القاعدة".

 

المهندسة سمر العثمان (28عاماً) أبدت تأييدها للحملة قائلة: "إن مكان الأطفال الطبيعيّ هو المدارس وسلاحهم العلم، وليس البنادق، وهذه الحملة تلامس صميم المشكلة، وأرجو ان تنجح في عملها بإتاحة جميع الفرص لإبعاد الأطفال عن ساحات المعارك"، في حين أثنى أحمد الشيخ (36عاماً)، وهو أحد موظّفي اتّحاد المكاتب الثوريّة على عمل الحملة قائلاً: "إن عمليّة تجنيد الأطفال خطأ جسيم يجب تجاوزه، ولابدّ من وجود آليّات متعدّدة تساهم بوصول الفكرة إلى من يرسلون أولادهم للقتال دون دراية بخطورة الأمر"، مؤكّداً بأن الحملة بحاجة لعمل طويل وجهد كبير لإيصال أفكارها، فالمشكلة كبيرة ومستفحلة.

 

إن كان يُفرَض على بعض الأهالي تجنيد أطفالهم دون موافقتهم، فإن البعض الآخر هم من يرسلون أولادهم للقتال، وذلك رغبة بالحصول على المال والمساعدات التي يحصل عليها المقاتلون، ومن هؤلاء رضيّة (30عاماً) التي اضطرّت لإرسال ولدها محمد (15عاماً) للالتحاق بالفصائل المقاتلة مبرّرة ما فعلته بالقول: "بعد اختفاء زوجي منذ أكثر من ثلاث سنوات، لم يبقَ من مُعيل لي ولأطفالي الأربعة، ولأنني أمّيّة ولا أجيد عملاً، رحت أعمل كخادمة في المنازل، غير أن ما أحصل عليه من أجر لايكفي طعاماً لأسرتي حتى منتصف الشهر، وبقيّة الشهر أعيش على الديون التي أثقلت كاهلي، وتردف: "صحيح أنني أقنعت ولدي محمد بالانضمام للفصائل، ولكن ذلك من عوزنا وفقرنا الذي لا يشعر به إلا أصحابه نحن". رضيّة تعيش على أعصابها كلما غادر ولدها محمد المنزل منطلقاً إلى لجبهات، وتستمرّ بالدعاء له طيلة الوقت لكي يعود إليها سالماً.

 

جارة رضيّة منار (32عاماً) تنتقد ما قامت به رضيّة قائلة: "إن ما فعلته رضيّة كمن زجّ ابنه في براثن الموت، ألا ترى كم من شهداء صغار يسقطون كل يوم، إن هؤلاء الأطفال هم ضحايا، ويتمّ وضعهم في المقدّمة، ويلقون المصير الأصعب والأقسى، فمعظمهم يستشهد، والذي ينجو من الموت يعود وقد أصابته إعاقة دائمة".

 

أمّا الأستاذ مناف البيوش (25عاماً) فيحذّر من عواقب ابتعاد الأطفال عن المدارس، إمّا بالعمالة أو التجنيد "لقد أصبحت المدارس مدمّرة بكلّ ما تعنيه الكلمة من معنى، فبعضها دُمّر كلّيّاً وبعضها جزئيّاً وبعضها أصبح مقرّاً للنازحين، ويكاد التعليم يكون معدوماً في مناطقنا، فالأهالي يخشون على أطفالهم من القصف، وفي الوقت نفسه يتمّ إرسالهم إلى جبهات القتال، فأيّ تناقض نعيشه اليوم وأيّ مفارقة"، مشيراً إلى أن ابتعاد الأطفال عن التعليم يوحي بمشكلة كبيرة على الجميع تداركها، لأن الأيام ستكشف عن جيل جاهل ومعاق وغير قادر على بناء وطن دمّره نظام غاشم، وعلى كل الأصعدة.

 

هذا في الوقت الذي أعلنت فيه منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" بأن الانتهاكات الجسيمة ضدّ الأطفال في سوريا بلغت في عام 2016 أعلى مستوى لها على الإطلاق، بسبب تأثير الحرب المتواصلة على الأطفال منذ ستّ سنوات.

 

وأوضحت "اليونيسف" في تقرير لها أن حالات قتل وتشويه وتجنيد الأطفال ارتفعت بشكل حادّ العام الماضي مع تصعيد حادّ في أعمال العنف في أنحاء البلاد، كما أثبت التقرير أن أكثر من 850 طفلاً تمّ تجنيدهم للقتال في الصراع، أي أكثر من ضعف عددهم في عام 2015.

 

وأمام هذه الأسباب وتلك النتائج تبقى مشكلة تجنيد الأطفال في تزايد مستمرّ، ممّا يستدعي دقّ ناقوس الخطر وتظافر جهود محلّية ومنظمات إنسانية، لإيجاد حلول تتمثّل بإنشاء مراكز طفل وأماكن ترفيه و مراكز مهيّأة بغية إعادة الطفل لمكانه الصحيح في ظلّ حرب كان فيها الضحيّة الأولى.

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard