info@suwar-magazine.org

الاستبداد والحرب.. كسورٌ مخيفة في الروح

الاستبداد والحرب.. كسورٌ مخيفة في الروح
Whatsapp
Facebook Share

 

"إنّ الاستبداد يبسط نفوذه المقيت على النفوس فيملؤها خوفاً ورهبة، ويهيمن على العقول فتغشيها الضلالات والجهالات حتى تمسي في ظلمة حالكة مدلهمة".

    الكواكبي

 

تطرق الباحثون وعلماء النفس مراراً إلى التأثيرات النفسية والروحية للاستبداد والأنظمة الدكتاتورية والفاشية على الناس العاديين وأنماط سلوكهم وحياتهم اليومية وانتهاكها لكل مبادئ حقوق الإنسان التي  أقرتها  الشرائع الدولية.

في الوضع السوري تجتمع الحالتان، الاستبداد والحرب، وهما تترافقان غالباً، إذ يلجأ الدكتاتور لإشعال الحروب في محاولة لإبقاء  عدو خارجي ـ واختراعه عند اللزوم ـ  مع ما يستدعيه ذلك من تحريض للمشاعر الوطنية والقومية والدينية لشدّ جمهوره إليه، وإسكات أي صوت معارض بحجة الخطر الخارجي.

سنسرد بعض ما فعلته سنوات الاستبداد الطويلة ثم سنوات الحرب بالمواطن السوري العادي على مستوى السلوك اليومي والعلاقة مع الآخر وحقوقه الإنسانية؟!

 

السلبية ومحاولة الخلاص الفردي

 

لقد أصبح الناس نتيجة الرعب الذي أشاعه الاستبداد أسرى لعبارة (مالي علاقة)، فإن رأى أحد رجال السلطة أو حتى مخبراً رخيصا يقوم بالتنكيل بالناس أو الاعتداء على جاره أو صديقه يشيح بنظره عنه ويتجاهله ويدير ظهره ليمضي إلى شؤونه الخاصة، وقصة الثيران الثلاثة المعروفة  تعطي صورة واضحة عن  هذا الجانب من أحوال الناس في ظل الاستبداد، رغم سماعه بالقصص الكثيرة التي تؤكد أنه لا أحد معصوم عن التنكيل والإذلال وسيأتيه الدور يوماً مهما حاول أن يكون خروفاً طائعاً، لكن الغالبية تردد المثل القائل "قتلنا يوم قتل الثور الأبيض" بعد فوات الأوان طبعا.

وقد تحول هذا السلوك إلى ثقافة عامة في المجتمع وتغلغل في مفاهيمه حتى بات من البديهيات غير القابلة للنقاش.

فصار  وجود شخص متهم  بمعارضة النظام سياسيا أو صاحب رأي مخالف سيكون مكانه السجن حتماً، لكن تمتد المصيبة إلى عائلته التي تتعرض إلى النبذ من الوسط الاجتماعي خوفا أو تملقاً للسلطات، فتدفع العائلة كلها ثمن مواقف فرد فيها سواء كان على خطأ أو صواب.

 

في هذا السياق يقول الكواكبي في "طبائع الاستبداد": (فعندما تنتشر العلاقات الاستبدادية الظالمة في المجتمع وتمنع الذات من تفجير فعاليتها الاجتماعية وصناعة الواقع التاريخي، فإنها تنفجر غرائزها وتتفتح الشهوة بدون أن تعرف حدودا أو إمكانية للإشباع أو الارتواء، فالإنسان الذي يعيش وسط جحيم الخوف والإرهاب والجهل وانتشار العلاقات الانتهازية الظالمة ينكفئ على ذاته، ويضيع حزمه ويفقد مقدرته وثقته بنفسه، فتتقلص تبعا لذلك اهتماماته العلمية والروحية، وتتعطل طاقاته الإبداعية، وتقتل حوافزه وطموحاته، وتطغى على نفسه اللامبالاة، ومن ثم يتسع اغترابه، وهذا ما يجعل أسير الاستبداد يعيش خاملاً كل يوم عن ذاته ومجتمعه خامدا ضائع القصد، حائرا لا يدري كيف يميت ساعاته وأوقاته، ويدرج أيامه وأعوامه كأنه حريص على بلوغ أجله ليستتر تحت التراب).

 

هذه السلبية التي  زرعتها سنوات الاستبداد الطويلة في الفرد ستفرز جملة معطيات تنعكس على الحركات السياسية والاجتماعية وحتى الثقافية باتجاه عزلها عن جمهورها والحاضنة الشعبية لها مما يسهل بالتالي محاصرتها وشيطنتها وحتى استئصالها إن لزم الأمر.

 

وأد الجماعة . . .إرهاب الفرد

 

نتذكر هنا ما تعرضت له المنتديات التي أنشئت بعد عام 2000، مع الانفراج العابر في موضوع الحريات، وما سمي حينها بربيع دمشق الذي سارعت السلطة إلى ملاحقته والقضاء عليه وسجن النشطاء فيه،.

 وكذلك ما حدث مع منظمات حقوق الإنسان التي أنشئت أواخر التسعينيات من القرن الفائت، وأوائل الألفية الجديدة، التي على كثرة أعدادها وأسمائها لم تستطع تحقيق ضغط شعبي على النظام لإطلاق الحريات والإفراج عن المعتقلين بل اعتقل مؤسسوها وقادتها مراراً، وكاد نشاطها  يقتصر على التوجه للمنظمات الدولية والهيئات المستقلة خارج البلاد.

 

وواجهت المنظمات النسائية حملات شرسة من السلطة باتجاه تحجيم دورها وإظهار الناشطات بمظهر الداعيات إلى الانفلات الأخلاقي والقيمي، وترديد نغمات التيارات الأصولية والسلفية التي تدعي السلطة محاربتها والعداء لها في اتهام كل الناشطات النسويات بتهم الكفر والإلحاد ومعاداة الدين، وحدث الأمر ذاته مع رابطة النساء السوريات التابعة للحزب الشيوعي المتحالف مع النظام ومواقع الكترونية عدة تهتم بقضايا المرأة، وجرى افشال كل محاولاتها في تثبيت قضية واضحة ومحقة مثل توريث المرأة السورية جنسيتها لأولادها، ناهيك عن قضايا الارث والاحوال الشخصية وغيرها.

بل إن السلطة سارعت بعد اندلاع الثورة السورية  إلى حل الاتحاد النسائي التابع لها رغم ان هذا الاتحاد كان يتبع مباشرة لحزب البعث ويأتمر بأوامره وكان الهدف الأساسي من إنشائه إجهاض الحركات النسائية الجادة والمدافعة عن حقوق النساء  السوريات.

 

اقرأ أيضاً:

 

                             العنف الذي يسكننا

 

 

تفريخ المستبدين الصغار

 

ويطبع الاستبداد غالبية الناس بطبائعه فيصبح كل فرد صورة للمستبد الأول، سواء في عمله أو عائلته أو محيطه الاجتماعي، فالفرد المقهور المهان الذي يشعر بالعجز عن الإتيان بأي مقاومة لقاهره  يعيش  شعوراً مستمراً بالدونية واحتقار الذات، وليس أمامه ليعوض قهره وانكفاءه إلا ممارسة فعل القهر على الآخرين الخاضعين لسلطته (العائلة، المرؤوسين . . ..)، ليصبح الناس صوراً مصغرة عن المستبد، وتصبح كل مفاهيم الحريات وحقوق الإنسان وحقوق الأقليات والنساء عرضة للتنكيل والتشويه من قبل النسخ الصغيرة هذه، مما يمنح السلطة المستبدة شرعية مستندة إلى مبررات شعبية لممارساتها.

 

ويكرس الاستبداد الانقسامات المجتمعية على أنواعها فتزدهر في الخفاء العصبيات الدينية والمذهبية والقبلية والقومية والانقسامات الطبقية الحادة بسبب رعاية الاستبداد للفساد ونمو طبقات رأسمالية مشوهة من بطانة المستبد، وهذه العصبيات ستنفجر في أول فرصة سانحة مقدِّمة نماذج أسوأ من الاستبداد ذاته في البدائل التي تقترحها، وهو ما حدث في سورية وغالبية بلدان الربيع العربي.

 

الاستثمار في الخراب

 

التجربة السورية تبرز بوضوح هذه النقائص على جميع المستويات، إذ إنّ الحرب السورية،  التي  حولت سوريا إلى ساحة صراع القوى الدولية والإقليمية مباشرة أو عبر وكلائها وعملائها المحليين من تنظيمات  إرهابية، ساهمت في زيادة التشوه الحاصل في البنية النفسية للإنسان السوري، وهذا التشوه والخراب أخطر بكثير من خراب العمران والاقتصاد.

 

فبعد أن أخذ الاستبداد وقته في تشويه الإنسان وتحويله إلى كائن قطيعي سلبي لا يفكر إلا في حاجاته الدنيا من مأكل ومسكن وملبس، ويلهث خلفها عبثاً، متنازلاً عن متطلبات العيش الكريم، ومتغاضيا عن مطالبة السلطة بالالتزام بواجباتها الدستورية، جاءت الحرب لتكرس العقلية الانتهازية وركوب الموجة، فصار حلم الشباب في معظم المناطق التي سيطرت عليها قوى الأمر الواقع أن يتطوعوا مع الميليشيات المحلية لتأمين مصدر رزق من جهة، وتأمين حماية له ولعائلته  من جهة أخرى، ويصل الأمر بالكثير من حملة السلاح إلى التنمر على الآخرين واستغلال مواقعهم في "التشليح" والتعفيش والسرقة .

 

هذا الأمر استنزف طاقات المجتمع وحول القوة المنتجة والفعالة إلى قوة عطالة بل تدمير لكل معالم الحياة الطبيعية وقطعت الماء والهواء عن التجمعات والمنظمات التي تعمل بشكل جدي من أجل ترميم جروح الحرب والدفاع عن حقوق الإنسان والأقليات والنساء وكثرت حالات خطف واعتقال  النشطاء المدافعين عن حقوق الإنسان سواء في مناطق سيطرة النظام أو الميليشيات المسلحة، وتعرض الكثير من هؤلاء النشطاء إلى التصفية الجسدية أو اضطروا إلى الهجرة إلى أوربا هرباً من بطش هذه القوى ومشغليها.

 

الآن تعيش العائلة السورية حالة تشتت فتجد الكبار في السن هم الذين بقوا في الداخل فيما توزع القادرون على العمل في المنافي والمهاجر والصلة الوحيدة بين أفراد العائلات هي شاشات الموبايل حيث يطمئنون على بعضهم عبر وسائل التواصل ويرسل المهاجرون منهم مساعدات شحيحة إلى أهلهم الرازحين تحت نير القوى العاتية المتحكمة في كل بقعة من البلاد.

 

بل إن  كثيراً من الزيجات تحدث بواسطة وسائل التواصل حيث يتواصل الشباب والشابات مباشرة عبر هذه الوسائل أو يقوم الأهل باختيار فتاة لا يعرفها الشاب المهاجر فيتم التعارف عبر وسائل التواصل ثم الزواج مع ما يمكن أن يحمله ذلك من احتمالات فشل هذا الزواج كون الصلة عبر وسائل التواصل غالبا ما تخفي طبيعة الشخص وتكثر حالات الطلاق التي تلي الزواج مباشرة.

 

وتبقى المعضلة الأكبر والأخطر هي الأطفال مجهولي النسب، الذي ولدوا نتيجة حالات اتصال جنسي غير مشروعة أو نتيجة تعرض الفتيات للاغتصاب في المعتقلات أو من قبل الميليشيات الإسلامية، أو نتيجة إجبار الفتيات على الزواج من مقاتلين في هذه الميليشيات خصوصا القادمين من خارج البلاد من شيشان وأوزبك وخليجيين ومغاربة وغيرهم، ثم ترك الفتاة مع الأولاد دون تسجيلهم بعد أن يكون "الزوج" قد قضى في الجبهات، أو عاد إلى بلاده التي جاء منها تاركا الأطفال لمصيرهم دون اعتراف بهم من قبل أي سلطة.

 

هذه الحالات هي غيض من فيض ما جادت به سنوات الاستبداد والحرب على السوريين، والموضوع شائك ومعقد وأكبر من أن تحيط به مادة صحفية وهو بحاجة إلى جهود جادة ومدعومة من قبل قوى ومنظمات دولية تملك سلطة التنفيذ على جميع قوى الأمر الواقع الحاكمة في مناطق سورية، وذلك للبدء بترميم ما يمكن ترميمه من جراح عميقة في نفوس وأرواح السوريين، حتى يتم إنجاز الحل السلمي للأزمة السورية بتطبيق قرارات الأمم المتحدة الخاصة بذلك، وخصوصاً القرار 2254 الذي أجمعت عليه كل الأطراف، لكنه لم يدخل حيز التنفيذ بسبب تعنت النظام ورغبة قوى إقليمية ودولية بإبقاء الوضع الكارثي في سورية لوقت أطول.

 

تُنشر هذه المادة بالتعاون بين شبكة الصحفيين الكُرد السوريين (SKJN) ومجلة صور في برنامج تعاون ضمن مشروع "المرآة"، حول "حقوق الإنسان والحريات العامة".

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard