السلطة المؤقتة أمام المسؤولية القانونية والأخلاقية عن حصار السويداء

بين خطاب النفي وحقيقة الفعل
تأسيسا على ما أفرزته الوقائع الميدانية التي جرى توثيقها في محافظة السويداء، يتبيّن أن السلطة المؤقتة المستحدثة في البلاد قد انخرطت، عبر تشكيلاتها المسلحة وأجهزتها الأمنية، والمتطرفين التابعين لها في سلسلة من العمليات العسكرية ذات الطابع المنهجي والواسع النطاق، استهدفت، بصورة مباشرة وغير عشوائية، الكيان السكاني في هذه المحافظة.
إن هذه الأفعال، بقدر ما تحمله من دلالات سياسية متصلة بإعادة هندسة البنية المجتمعية وفق منطق الإخضاع القسري لمنظومة مستبدة جديدة، تنطوي من منظور القانون الجنائي الدولي على أركان مكوِّنة لجرائم الإبادة الجماعية، بالمعنى الوارد في المادة (6) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، من خلال القتل العمد لأفراد الجماعة، والتسبب في إلحاق أذى جسيم أو نفسي بها، وفرض ظروف معيشية يراد بها، عمداً، إهلاك الجماعة كلياً أو جزئياً.
ما قامت به السلطة المؤقتة في سوريا لا يمكن توصيفه إلا كجريمة سياسية–قانونية مركّبة تستهدف كيان محافظة السويداء وسكانها في وجودهم وحقوقهم الأساسية. فقد أقدمت هذه السلطة، منذ تسلّمها مقاليد السيطرة، على شن عمليات عسكرية ممنهجة وواسعة النطاق، ارتكبت من خلالها أفظع المجازر وأكثر الجرائم وحشية، في انتهاك فج للمبادئ التأسيسية للقانون الدولي، وعلى رأسها مبدأ المساواة في الكرامة الإنسانية.
إن هذه الأفعال، من حيث طبيعتها، تستوفي أركان جريمة الإبادة الجماعية وفق المادة (6) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، حيث تمثلت في القتل العمد، وإلحاق الأذى الجسيم والنفسي، وفرض ظروف معيشية مقصودة للإهلاك الكلي أو الجزئي للجماعة. كما تندرج في إطار الجرائم ضد الإنسانية وفق المادة (7) لكونها وقعت في سياق هجوم واسع النطاق أو منهجي موجّه ضد السكان المدنيين.
اقرأ أيضاً:
لم تكتفِ السلطة المؤقتة التي تلهث خلف الاستدامة بالسلطة بأعمال القتل والقمع، بل عمدت إلى فرض حصار خانق وتجويع ممنهج، عبر منع إدخال المواد الغذائية والدوائية والوقود إلا من خلال قوافل خاضعة لرقابتها وإرادتها السياسية، في خرق واضح للمادة (54) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، التي تحظر بصورة مطلقة استخدام التجويع كسلاح حرب. هذا السلوك يرقى إلى جريمة حرب بالمعنى الصريح للمادة (8/2/ب/25) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
وفي الوقت الذي تمارس فيه هذه السلطة خطاب النفي والتضليل السياسي لإنكار وجود الحصار، فإن الوقائع الميدانية الملموسة – من شلل الأسواق، ونفاد المواد الأساسية، واعتماد السكان على قوافل إنسانية محدودة – تمثل دليلاً دامغاً على توافر أركان الحصار غير المشروع وفق المعايير الدولية.
إن هذه الممارسات لا تمثل مجرد انتهاك عارض، بل هي سياسة دولة بحكم الأمر الواقع، تتعارض مع التزاماتها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (الحق في الغذاء والصحة)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (الحق في الحياة، وحظر المعاملة القاسية أو اللاإنسانية). وإعلانها الدستوري المؤقت الذي ادعت فيه زيفاً أنها ملزمة باحترام كرامة الإنسان السوري، فإذ بها تغدر بهذه الكرامة في كل شبر من أرض سورية وليس في السويداء فقط.
وعليه، فإن هذه السلطة الساقطة أخلاقيا، قد وضعت نفسها في موقع المساءلة أمام المجتمع الدولي، وعلى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، فضلاً عن المحكمة الجنائية الدولية، أن يتعاملوا مع هذه الجرائم باعتبارها تهديداً مباشراً للسلم والأمن الدوليين، وأن يتحركوا فوراً لفرض تدابير محاسبة ملزمة، تضع حداً لسياسة الإفلات من العقاب، وتعيد الاعتبار لضحايا السويداء وحقوقهم غير القابلة للتصرف.
في هذا الشأن تتبدى مفارقة المتسلطين الجدد في كونهم الفاعل المباشر في حصار السويداء وارتكاب المجازر بحق سكانها في إطار سياسة ممنهجة لتقويض بنيتهم المجتمعية وإخضاع إرادتهم السياسية، بينما تنخرط في الوقت ذاته في تنفيذ أجندات خارجية وإبرام تفاهمات واتفاقيات ذات طبيعة استراتيجية مع الخارج، على نحو يثبت الارتهان لاعتبارات إقليمية ودولية تتجاوز المصلحة الوطنية. وفي مفارقة مزدوجة، تمارس هذه السلطة خطاب التخوين والعمالة بحق أبناء السويداء، في مسعى لإعادة إنتاج السردية السلطوية عبر قلب أدوار الضحية والجلاد، وتوظيف الاتهامات كأداة سياسية لتبرير سياسات القمع والتصفية الممنهجة.