الأرض ليست لك.. الماء هو وطنك

لماذا البحر بيضحك ليه؟
لأنه:
لا يضحك سخريةً أو خفة، بل لأنه يعرف ما لا نعرفه؛ يعرف الحكايات التي عبرته، والدماء التي سالت فيه، والسفن التي نجت، والأحلام التي غرقت ولم تصل.
ذاك البحر نفسه الذي كان في يوم ما الطريق الأول للدهشة، والنافذة التي تطل منها الأمم على بعضها البعض، والأفق الذي يدفع الإنسان إلى السؤال عمّا وراء الحدود.
ليس جديداً أن يكون الماء محور الصراع والمجاز معاً، فهذه بلقيس، ملكة سبأ،( وربما قبلها)، حوّلت الماء إلى قوة قابلة للتهذيب، فبنت سدّاً عظيماً تحدّت به الطبيعة، وغيّرت به مسار التاريخ والأسطورة معاً.
منذ زمن أبعد منها ومنا، أدرك الإنسان أن الماء ليس عنصراً حيادياً، بل قوة مؤسِّسة، تبني حضارة، وتغمر مدينة، وتفتح طريقاً، وتغلق آخر.
لقد كان سدّ مأرب أكثر من منشأة هندسية، كان بياناً مبكراً بأن الدولة يمكنها أن توجد من الماء، وأن النظام الاجتماعي والسياسي والروحي يمكن أن ينتظم حول نهرٍ أو بحر أو بحيرة، ومن يومها، صار كل شعبٍ يسكن الماء يحمل صورته الخاصة للعالم.
ـ من عاش على ضفة النهر يفهم الزمن كجريان.
ـ ومن عاش على شاطئ البحر يفهم الحياة كرحلة.
ـ ومن عاش في الصحراء ينظر إلى الماء بوصفه الحلم كله.
وفي كل الحالات، كان الماء الذي ينبثق منه كل حيّ، محوراً للصراع، فعبر الأزمنة المتعاقبة، كان الصراع على الممرات البحرية، ولم يكن صراعاً على الجغرافيا فقط، بل صراعاً على الحركة، وعلى من يمرّ ومن يُمنع، ومن يبيع ومن يشتري، ومن يعبر ومن يتوقف، فالإنسان لم يبحث عن البحر ليستحمّ فيه، بل ليعبره، فالعالم لا يقاس بحجم اليابسة فيه، بل بكيفية اتصالها ببعضها البعض.
ـ لَم كل ماسبق؟
لأقول، إن هذا البحث هو محاولة لقراءة النهر أو البحر كقوة سياسية واقتصادية وروحية، وككائن حيّ يضحك لأنه رأى كل شيء، وتعب من أن يشرح ما يعرفه لمن لا يزال يظن أن الحدود تُرسَم على اليابسة.
من قناة السويس، إلى فنار الإسكندرية إلى مضيق هرمز، ومن البحر الذي ضحك، إلى المحيطات التي لا تزال تبتلع الأساطيل:
ـ يبقى الماء، هو المسرح الأكبر للصراع والدهشة والإنسان.
لم يكن البحر يوماً من عوالم خبرتي، أنا ابن البادية الذي لا يرى الأفق إلا بامتداده الرمليّ، لا بموجه، ولأنّني جهلت البحر، صار سؤال البحر أكثر إغواءً.. أجهل عمقه، أجهل صمته، أجهل رائحته حين تتناهى في المراكب، ومع ذلك ظلّ هذا المجهول يستدعيني كنداءٍ غامض من زمنٍ مُتَخيل لم أعشه، ولكنه يستنطقني.
انطلقتُ إلى هذا البحث من رغبةٍ في تفكيك الخيال الذي نسجته الأزمنة حول البحر، أساطيله، موانئه، وسُبله التي عبرتها الحضارات بأحلامها ودمائها وأشرعتها.. كان البحر بالنسبة لي أوسع المجاهيل، والمجهول هو أول أبواب الحكاية.
المجهول الذي هو:
ـ الخوف الذي يُغوي.
فكان العنوان:
ـ البحر بيضحك ليه.
"البحر بيضحك ليه"، أغنية قديمة كانت تتردد في رأسي وأنا أبدأ هذا الطريق، هي كلمات لأستاذي الشاعر والمسرحي المصري نجيب سرور، لا أتذكر لحنها بقدر ما أستعيد نبرة صاحبها، كأنها نداء بعيدٌ من أعماقٍ تجهلني وأجهلها.. تلك الأغنية كانت مدخلي الأول إلى تخيّل البحر، لا إلى فهمه.
ولأنّني أشتغل "الرواية" بالأساس، اعتدت أن أرى العالم من خلال الخيال، من احداث أنا صانعها، وبشر كذلك، لا من خلال الخرائط، غير أنّ هذا البحث أخذني إلى الجهة الأخرى من السرد:
ـ جهة الوثيقة، حيث تغدو الحكاية أكثر حساسية، والخيال مطالباً بأن يلبس عباءة المؤرخ دون أن يفقد نَفَس الحكاية.
السرد بالتوثيق، لتحلّ الحقائق مكان الخيال دون أن تنتزع من الخيال طاقته.
سؤال البحر قادني إلى استقصاء ما استطعت من الأبحاث والمراجع، وإلى تتبّع الأفلام الوثائقية التي جعلتني أرى ما لم أره بعيني، ولم يكن ممكناً تجاوز العقل الصناعي، الذي منحني أفقاً واسعاً للاطلاع والاستقصاء، وفتح لي من المصادر ما لم يكن متاحا في المكتباتٍ الورقية.
هكذا وجدت نفسي أكتب نصاً يتناوب فيه الراوي والمؤرخ، ويتقاطع فيه الواقع بالأسطورة، والمعلومة بالخيال، في محاولةٍ لتقصّي أثر البحر لا كمكانٍ جغرافي فحسب، بل كذاكرةٍ إنسانية هائلة عبرت من خلاله الأمم، والديانات، والتجارات، والأحلام، ذلك أنه، وبلسان التاريخ وشهادته، فمنذ أن تعلّم الإنسان ركوب الماء، تغيّر شكل العالم.. لم تعد الجغرافية قدراً صامتاً، بل أصبحت معبراً ومجالاً للصراع والمساومة.. كان البحر في بداياته لغزاً ومخافة، ثم تحوّل إلى طريق، ثم صار غاية في ذاته:
ـ من يملك الطريق يملك من يصل ومن لا يصل، ومن يذبل ومن يزدهر.
في التاريخ، لم تكن الممرات المائية مجرد فضاءات للتجارة والتنقل، بل كانت أوعية للسلطة، فبين ضفتي النيل قامت أول دولة مركزية منتظمة عرفها الإنسان، وعلى شواطئ المتوسط تدافعت حضارات كبرى من أجل السيطرة على المرافئ والجزر.. كان الإغريق يدركون أن التفوق البحري هو تفوق سياسي، كما فهم الرومان أن من يحتكر البحر يكتب قانون العالم.
غير أنّ السيطرة على البحر لم تكن يوماً مسألة سفن فقط، بل كانت دائماً مسألة خيال سياسي، بل رؤية العالم بوصفه شبكة طرق يمكن فتحها أو إغلاقها، خنقها أو تحريرها، ولذا، فإن تاريخ الصراع على الممرات المائية هو:
ـ تاريخ البحث عن الهيمنة.
من هيمنة مدن صغيرة مثل صور وصيدا، إلى إمبراطوريات عظمى مثل بريطانيا، وصولاً إلى القوى المتصارعة اليوم في الخليج العربي، البحر الأحمر، البحر الأسود، شرق المتوسط، المحيطين الهندي والهادئ.
مع العولمة، ظن البعض أن السيطرة على الماء فقدت معناها، لكن العولمة لم تُلغِ الصراع، بل مأسسته، فالممر المائي اليوم لم يعد مجرد معبر للسفن، بل هو شريان لسلاسل الإمداد، ومستودع للطاقة، ومعبر لقوّات الأساطيل، ومجال تنافس استخباراتي واقتصادي، ولذا فإن أي اضطراب في مضيق صغير يمكن أن يغيّر أسعار النفط، ويهزّ أسواق العالم، ويعيد رسم خرائط التحالفات.
إن هذا البحث ينطلق من فرضية أساسية مفادها أنّ:
ـ الذي يسيطر على الممرات المائية لا يسيطر على التجارة فقط، بل يضع يده على حركة التاريخ نفسها.
ولذلك، فهو لا يقدّم سرداً زمنياً فحسب، بل يحاول تتبّع منطق القوة الذي يتكرر، من معارك قرطاجة وروما في المتوسط، إلى صراع بريطانيا وفرنسا في مصر، إلى سباق النفوذ الأمريكي-الصيني اليوم على المحيط الهادئ .
سنتتبّع هذا المسار عبر الانتقال من جذور الصراع في الحضارات القديمة، إلى تحوّله مع الإمبراطوريات البحرية الحديثة، ثم وصولاً إلى معادلات الطاقة والجغرافيا العسكرية في عالم اليوم، حيث لم يعد البحر فضاءً للعبور فحسب، بل أصبح ساحة حاسمة في تحديد شكل النظام الدولي القادم.
هذا بحثٌ عن الماء، لكنه في العمق بحث عن السلطة والمعنى والمصير،
عن الطريق الذي يربط المدن، لكنه يربط أيضاً مَن يحكم بمَن يُحكَم.
هذا البحث، ليس بحثاً أكاديمياً بقدر ما هو محاولة لكتابة وثيقةٍ بلغة الراوي، وهو:
ـ محاولة لاستعادة العلاقة الأولى بين الإنسان والمجهول، بين الموجة والنظرة الأولى إليها، حين لم يكن البحر بعدُ سوى فكرةٍ مائية عن الخوف والعبور.
ـ البحر من حضاراته الأولى، إلى التنافس على ممراته وعلى شطآنه، بما حمل من احتضارات أمم ونشوة أمم أخرى.
كل ما أرجوه من القارئ، أن لايُعاملني بدلالة المؤرخ، بل بتسامح القارئ المنشغل مثلي بالسؤال.. سؤال القارئ الـ :
ـ متسائل.
المنشغل بالسؤال، مع تذكيره أن هذا البحث (إن جاز لي تسميته بحثاً، وقد اشتغلت عليه بالشراكة مع منتجات "العقل الصناعي" مُستثمِراً خزائنه المعرفية ) لابد وأنه مُهدى إلى "المتوسط"، ذاك الماء الذي لم أخرج من ملحه أبداً ودون أن أدخله.
كل ماسبق، لايُلغي أن الأفكار هي الجزء السهل، فيما تجسيدها لابد ويكون:
ـ الجزء الأصعب.
لوحة الغلاف للفنان لقمان أحمد / إخراج حسين خان
*لقراءة الكتاب كاملاً وتحميله بصيغة ملف PDF يرجى الضغط هنا