info@suwar-magazine.org

الطاعة كخيار أخلاقي.. قراءة في فيلم"Kinds of Kindness"

الطاعة كخيار أخلاقي.. قراءة في فيلم"Kinds of Kindness"
Whatsapp
Facebook Share

 

لا يُطرح سؤال الخير والشر في فيلم "Kinds of Kindness" للمخرج اليوناني يورغوس لانثيموس (Yorgos Lanthimos)، بوصفه معضلة أخلاقية تقليدية، بل تُفكك الأخلاق نفسها باعتبارها أداة تنظيم . الشخصيات لا تُجبَر على أفعالها بالقوة، ولا تُساق تحت التهديد المباشر، بل تُقنَع - بهدوء شديد - أن ما تفعله هو "الصحيح". هنا تتخذ الأخلاق شكل خطاب تبريري يسمح للفرد بأن يواصل الفعل دون أن ينهار داخلياً. الأخلاق، في هذا السياق، لا تحمي الإنسان من العنف، بل تحميه من رؤية نفسه كفاعل في العنف.

 

 

الفيلم يكشف أن أخطر لحظة ليست لحظة القمع، بل لحظة الاقتناع. حين تقول الشخصية: "أنا أختار"، بينما كل شروط الاختيار قد جرى ترتيبها مسبقاً، يصبح "الاختيار" نفسه شكلاً من أشكال الطاعة. وهنا، لا يعود السؤال: لماذا يفعلون؟ بل: لماذا يحتاجون إلى تصديق أن ما يفعلونه أخلاقي؟

 

 

لا يقدّم لانثيموس استبداداً سياسياً صريحاً، بل استبداداً بلا مركز. لا حاكم واضح، ولا أوامر مكتوبة، ومع ذلك فالنظام يعمل بكفاءة. الشخصيات تعرف حدودها دون أن تُرسَم لها، وتضبط نفسها بنفسها خوفاً من الخروج عن المقبول. هذا نوع خطير من أشكال السلطة: السلطة التي تُمارَس من الداخل.

 

 

حين يتحول القرار الجماعي إلى معيار أخلاقي، يفقد الفرد حقه في الشك. يصبح الاعتراض علامة خلل، لا موقفاً سياسياً. في هذا المناخ، لا يُقصى المختلف بالقوة، بل يُهمَّش أخلاقياً: يُصوَّر بوصفه أنانياً، غير ناضج، أو غير فاهم "للظرف". وهكذا يتحول الإجماع إلى قناع للاستبداد، لا لأن الجميع متفقون، بل لأن الجميع خائفون من أن يكونوا الاستثناء.

 

اقرأ أيضاً:

     

            "رجل يدعى أوتو"… الوقوع في غرام أكثر الرجال غضباً في أمريكا

         

                  فيلم " باران" يوتوبيا التسامح وتقبل الاختلاف

       

 

هل نختار فعلاً؟ أم نعيد تمثيل الخوف؟

السؤال الجوهري في الفيلم  ليس عن الفعل، بل عن القدرة على التوقف. الشخصيات لا تبدو عاجزة عن الاختيار، لكنها عاجزة عن الخروج من الإطار الذي يجعل اختياراً واحداً فقط ممكناً نفسياً. البديل - العزلة، فقدان المعنى، الانفصال عن الجماعة- أكثر رعباً من الألم الذي يفرضه الامتثال.

 

 

هنا يتحول الخوف إلى بنية داخلية، لا شعور عابر. يُعاد تمثيله كل مرة بوصفه عقلانية، التزاماً، أو حتى حباً. وما يبدو قراراً حراً هو في الحقيقة محاولة لتفادي الفراغ. لانثيموس يلمّح إلى حقيقة قاسية: الإنسان لا يختار دائماً ما يريد، بل يختار ما يسمح له بالبقاء دون أن ينهار.

 

 

 

من سينما لانثيموس إلى الواقع السياسي

قوة الفيلم تكمن في قابليته للإسقاط. ما يحدث على الشاشة ليس استثناءً، بل نموذجاً مكثفاً لمنطق نعيشه يومياً في سياقات سياسية واجتماعية مأزومة. حين تتفكك المعايير، وتصبح المفاهيم الكبرى—الشرعية، الوطنية، العدالة—سائلة، تبحث الجماعات عن أي شكل من أشكال الثبات. هنا تُنتَج القرارات الجماعية، والهويات، والخطابات الأخلاقية بوصفها تعويضاً رمزياً عن فقدان اليقين.

 

 

عندها، يتلاشى سؤال الجدوى لأي مشروع من المشهد العام مقابل تعريضه لثنائيات الاستقطاب، ويُعاد تعريف الأخلاق لتخدم هذا الفرز. كل من يشكك يُتَّهَم، وكل من يسأل يُجرَّد من "الانتماء". هكذا لا يصبح الاستقطاب نتيجة الخوف، بل آليته الأساسية.

 

 

 

سينما لانثيموس تفضح هذا المنطق ببرودة قاسية. الجماعة في أفلامه لا تعاقب الخارج عنها بالعنف المباشر، بل بعنف أكثر فاعلية: الإقصاء الأخلاقي. لا يُقال للمشكك إنه مخطئ سياسياً، بل إنه شخص سيئ، غير نقي، غير جدير بالانتماء. وهنا تكمن خطورة هذا النوع من السلطة: فهي لا تحتاج إلى القسر، لأن الأفراد يمارسون الرقابة على أنفسهم، خوفاً من فقدان الاعتراف الجماعي.

 

 

في السياق السوري، يمكن قراءة كثير من القرارات المصيرية ضمن هذا الإطار. لم تُفرض هذه القرارات دائماً بمرسوم واضح أو قوة عارية، بل قُدّمت بوصفها "ضرورة تاريخية"، أو "إجماعاً وطنياً"، أو "الخيار الوحيد الممكن". وحين يتحول القرار الجماعي إلى معيار أخلاقي، يُلغى حق الفرد في الشك. لا يعود السؤال: هل القرار عادل؟ هل هو قابل للنقد؟ بل: هل أنت معنا أم ضدنا؟ وهنا تنتقل السلطة من مجال السياسة -حيث الخلاف مشروع- إلى مجال الأخلاق التعبوية، حيث الخلاف يُجرَّم.

 

 

هذا التحول يعيد تعريف مفهوم الفضيلة نفسه. الفضيلة لم تعد مرتبطة بالعدل، أو بالمسؤولية، أو حتى بالنتائج، بل بالاصطفاف. "الإنسان الجيد" هو من ينسجم، لا من يسأل. من يكرّر الخطاب، لا من يفككه. من يصمت حين يجب الصمت. هكذا تُنتَج طاعة لا تُطلب صراحة، بل تُكافأ رمزياً: بالانتماء، وبالشعور بالسلامة الأخلاقية، وبالوقوف "على الجانب الصحيح".

 

 

 

في هذا المعنى، لا يدين لانثيموس الطاعة بحد ذاتها، بل يعرّي منطقها. يضعنا أمام مرآة غير مريحة: ماذا لو كان أسوأ ما في الاستبداد أنه لا يبدو استبداداً؟ ماذا لو كان يتغذى من رغبتنا العميقة في أن نكون صالحين، منسجمين، مقبولين أخلاقياً؟ ماذا لو كان الخوف لا يُفرض علينا، بل نعيد إنتاجه بأنفسنا، كلما سمّينا صمتنا حكمة، وتراجعنا مسؤولية، وطاعتنا أخلاقاً؟

 

 

الفيلم، كما هذا الواقع، لا يمنحنا إجابات جاهزة، بل يصرّ على السؤال. سؤال يبدو بسيطاً، لكنه في جوهره سؤال بقاء أخلاقي:
متى نسمّي خوفنا خياراً؟
ومتى نسمّي طاعتنا فضيلة؟

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard