رشتياني "مارادونا كردستان" الذي لم يخشى الموت

قبل نحو عام وتحديدا في الثامن عشرة من شباط/فبراير 2025 رحل عنا الفنان السينمائي الله مراد رشتياني الذي مثّل شخصية "كاكو" أجمل اللوحات السينمائية والفنية في مسيرته، وخاصة بين يدي بهمن قبادي الذي نعاه حينها بقوله: "كان بطل طفولتي، ولاحقاً أصبح تمثيله جزءاً لا يُنسى من أعمالي. في الخلوات الخاصة بيننا، كنت أناديه بـ"مارادونا كردستان"، ربما لم يكن الممثل المعروف على مستوى عالمي من حيث الشهرة، لكنّه حتما كذلك بين أهله ومحبّيه والكُرد أينما كانوا، وبين كلّ من شاهد فيلم "نصف القمر" ذلك الفيلم الذي سيدين ما بقي في الذاكرة لـ "كاكو/الله مراد رشتياني" حيث أكسبه فكاهة وعمقا، بتلك الشخصية الفذّة من حيث الأداء والشكل والحركة، ولا أدلّ على ذلك من تلك الافتتاحية الرائعة للفيلم.
نُعيد استذكار رشتياني على إيقاع متصاعد لموجة احتجاجات عارمة تشهدها إيران منذ أكثر من شهر ومنها مسقط رأس رشتياني نفسه "سنندج" التي وصفتها رويترز إلى جانب المناطق الأخرى في محافظة كردستان بأنها من البؤر الأكثر اضطرابا، فإن كان شكل المقاومة الإيرانية على مدى عقود طويلة هي الغناء والموسيقى والسينما والفن عموما فإنّ الاحتجاج الناعم هذا يتحوّل إلى نبض الشارع لكن بشكل أكثر قساوة يتمثّل اليوم بالعنف المضاد التي تُجابه به الحكومة الإيرانية محتجّيها حيث فقد على إثرها الآلاف حياتهم.
التحدّي والحبّ
يستهل بهمن قبادي فيلم "نصف القمر" بمشهد لصراع الديكة، حيث يظهر "كاكو"، وهو يقود حلبةً لصراع الديكة، عبر مكبّر صوت، وسط أجواء احتفالية ترافقها الموسيقى، على غرار ما كانت تشهده روما في عصورها الذهبية. يراهن الناس في هذه المعركة التي تنتهي بموت أحد الديكين، ليُدخلنا الفيلم منذ البداية في فلسفة الفيلم العميقة بتلك السحنة المميزة والشعر المجعّد لـ رشتياني حيث يستهلّ الفيلم حين يفتتح حلبة الصراع بمقولتين للفيلسوف سورين كيركيجارد:
"أنا لست خائفا من الموت، لأنني عندما أكون موجوداً، هو لا يكون."
"المكسب والخسارة ليسا أكثر أهمية من الموت."
يمثل مشهد صراع الديكة الحرب التي لا تكاد تهدأ، وخاصة على الحدود الإيرانية-العراقية، حيث تتوالى المعارك بلا نهاية، ليصبح القبول بالموت أسلوب حياة في هذه المناطق التي تواجهه يومياً. يقود كاكو معركة الديكة الحامية، لكنها لا تنتهي بالموت، بل يتركها معلقة، ليبقي الحلبة مفتوحة ويمضي إلى حفلة/حلم مامو.
اقرأ أيضاً:
البياض الذي قضم ظُفر الحياة.. قراءة في فيلم (الطريق) لـ يلماز غوناي
وفي أحد المشاهد الافتتاحية في الربع الأول من "نصف القمر" نجدُ كيف أنّ زوجة كاكو تنتفضُ غضبا عليه لأنّه يتلقّى اتصالاً من إحداهنّ، وفي المشهد الذي يحاول فيه إرضائها، قبل رحلته "رحلة الفيلم/الحلم" تُظهر الكاميرا تلك المساحة السفلية للحافلة، وتنقل مشهدا لرجل وأنثى في الطرف الآخر من الحافلة، ومع أنّ المشهد ينقل حالة الخصام والتدافع، إلا أنّ المخرج أظهرها وكأنّها رقصة كتلك الرقصات الثنائية التي تعتمد على حالة التداخل ما بين الأنثوي والذكوري، ويستمر الخصام/الرقص، حتى تنتهي باستسلام الأقدام في حركة إيحاء جسدي تُشبه النشوة، وقد أدى رشتياني هذا المشهد ببراعة منقطعة النظير.
وعلى الرغم من أنّ الفيلم يضمّ مشاهد أخرى تسترعي الانتباه، إلا أنّ هذين المشهدين يمثّلان لحظات التحدّي والحبّ في الزاوية الأكثر حدّة.
ومع أنّ رشتياني قد مثّل أدواراً أخرى في أفلام أخرى وغنّى وعزف طوال حياته، إلا أنّ هذين المشهدين في الفيلم يختصران الكثير من هذه المسيرة الجميلة لـ رشياني.

البدايات
وُلد الله مراد رشتياني عام 1949 في مدينة سنه (سنندج) بإيران، حيث نشأ في بيئة موسيقية أثرت على مسيرته. بدأ العزف على الدف منذ سن مبكرة، وعمل في مقهى "حهمه سمیل"، الذي كان يعدّ مركزاً ثقافياً بارزاً في المدينة، لكن انطلاقته الفعلية كانت عندما طُلب منه تقديم عرض موسيقي في حفل زفاف.
أحد أهم المحطات في مسيرته الموسيقية كان لقاؤه مع الفنان الكردي الشهير حسن زیرك، حيث سجّل معه أغنية "زاوا له بووکی مهده"، التي أذيعت عبر إذاعتي سنندج وكرمانشاه، وخلال مسيرته، تعاون مع عدد من الأسماء البارزة في الموسيقى الكردية مثل سيد رشيد، سيد إبراهيم سقزي، فائق محمدي، ومحمد ماملی، ليصبح من أبرز العازفين والمغنين في كردستان.
على مدار العقود، شارك رشتياني في العديد من المناسبات داخل إيران وخارجها، حيث عُرف بأسلوبه الفريد في الأداء الموسيقي. في كل ظهور له، كان الجمهور يستقبله بحفاوة، ويرسل له الزهور تقديراً لفنّه، ما جعله أحد أكثر الفنانين شعبية في كردستان.
ودخل رشتياني عالم السينما عام 2002 من خلال مشاركته في فيلم "آوازهای سرزمین مادریام" والذي يُعرف بعنوانه الذي شارك به مخرجه قبادي في المهرجانات العالمية باسم "مفقودون في العراق". رغم أن الفيلم لم يحقق نجاحاً جماهيرياً كبيراً، إلا أنه شكّل تجربة مهمة لـ رشتياني، حيث عمل إلى جانب ممثلين مثل شهاب الدين إبراهيمي، فائق محمدي، وسعيد محمدي.
في عام 2006، حقق رشتياني نقلة نوعية في مسيرته السينمائية بمشاركته في فيلم "نصف القمر"، أيضاً من إخراج بهمن قبادي، وفي هذا الفيلم الذي استهللنا مقالنا به، لعب دوراً مؤثراً إلى جانب نجوم مثل هدية طهراني، كلشيفته فراهاني، وحسن بورشيرازي. كان هذا العمل محطة بارزة في حياته المهنية، حيث استطاع أن يُظهر موهبته التمثيلية ويكسب تقديراً عالياً.

نعاه المخرج الكردي الكبير بهمن قبادي على منصة إنستاغرام قائلاً:
الله مراد رشتياني، فنّانٌ عبقري اكتُشِفَت موهبته من خلال الموسيقى الغنية والمبهجة لكردستان، وأدخلَ الفرح إلى قلوب شعبه بعروضه الفريدة. كان بطلَ طفولتي، ولاحقاً أصبح تمثيله جزءاً لا يُنسى من أعمالي. في الخلوات الخاصة، كنت أناديه بـ"مارادونا كردستان".
أتقدّم بأحر التعازي إلى المجتمع الفني، وشعب كردستان، وعائلته الكريمة. لترفرف روحه في سكينة، كما كانت ألحان دفّه تبعث الفرح والطمأنينة.
مواجهة الموت
تعيشُ إيران اليوم كما في مفاصل تاريخية أخرى موجة احتجاجات عنيفة منذ أواخر كانون الأول/ديسمبر 2024، وشهدت وتشهد مختلف المدن الكبرى والصغرى على وقع الاحتجاجات وارتفاع لقرع طبول حرب وشيكة تقودها أمريكا، هذه الاحتجاجات التي شهدت طقوس دفن المتظاهرين أحيانا بالغناء والموسيقى، وتعيش مدينة سنندج مسقط رأس رشتياني على وقع احتجاجات وتظاهرات مستمرة تشمل إضرابات وتصعيد دموي وصفتها رويترز بالبؤرة الأكثر اضطرابا في موجة الاحتجاجات الأخيرة، في تجسيد للمقولة التي تطلّ علينا من فيلم "نصف القمر" بلسان رشتياني نفسه: "أنا لست خائفا من الموت، لأنني عندما أكون موجوداً، هو لا يكون."
المقاومة التي عاشها رشتياني وغيره من الإيرانيين - وخاصة في المناطق الحدودية، بهوية متمايزة مثل الكردية – بالموسيقى والغناء والفنّ تخرج من تلك الرمزية الناعمة إلى أشكال احتجاجية مرتبطة بالشارع والصدح بالشعارات والصدام مع العسكر.
ولا يخفى أنّ السينما في إيران كانت أحد أوجه الاحتجاج والتمثيل الهوياتي غير المؤسّسي ظهرت في أعمال مُخرجين مهمين مثل كيارستامي وبناهي وقبادي ومخملباف وغيرهم.