info@suwar-magazine.org

عن الديمقراطية واحتمالاتها في سوريا

عن الديمقراطية واحتمالاتها في سوريا
Whatsapp
Facebook Share

 

 

طارق عزيزة

 

بعد انزلاق الثورة السورية في فوضى السلاح، واستباحتها من قوى التطرّف، ودخول المعارضات السورية، السياسية منها والمسلحة، في بازار التجاذبات الإقليمية والدولية، ثمّ تحوّل الثورة إلى ضربٍ من الحرب الأهلية بفعل تلك العناصر جميعاً، مشفوعةً بالعلّة الأولى؛ وحشيّة نظام الكارثة المستمرّة وتعنّته؛ كانت قضية الثورة السورية الأساس، ممثلةً في إسقاط الاستبداد بهدف إقامة نظامٍ ديمقراطيٍّ، تنأى أكثر فأكثر.

 

غير أنّه مهما يكن من قتامة المشهد السوريّ، وبعيداً عن الإفراط في التفاؤل، نرى وجود معطياتٍ واقعيةٍ نعتقد أنه ربما تسهم في التهيئة لتحوّلٍ ديمقراطيٍّ قد يجد سبيله إلى التحقّق في سوريا الجديدة. فكما أنّ هناك عوامل معيقةً للديمقراطية نظراً لما تنطوي عليه من تعارضٍ مقيمٍ معها، ثمّة عوامل أخرى مؤهّبةٌ تسهم، في حدّ ذاتها، في تحفيز التحوّل الديمقراطيّ ودعمه. وثالثة بينهما نسمّيها عوامل مختلطة، بمعنى أنّها بقدر ما هي حجر عثرةٍ أمامه نتيجة ما قد ينجم عنها من مشكلات، فإنّ تجاوز مشكلاتها نفسها يجعل من الخيار الديمقراطيّ ضرورةً ملحّة.

 

 

أهمّ العوامل المعيقة لبناء حكمٍ ديمقراطيٍّ هذه التركة الثقيلة من النظام الشموليّ وبنية الدولة التسلّطية، التي حكمت سوريا على امتداد أكثر من نصف قرنٍ من حكم الحزب الواحد، وسطوة الأجهزة الأمنية. يتجلّى هذا العائق، بصورةٍ أساسيّةٍ، في ما نجم عن النظام الشموليّ، وآليات عمله، مجسَّدةً ببنية الدولة التسلّطية، من إفراغ "المؤسّسات الديمقراطيّة" من مضمونها، وجعلها لا أكثر من هياكل شكليّةٍ فارغة. إذ ينبغي التمييز بين "المؤسّسات الديمقراطية" والسلوك الديمقراطيّ، لأنّ وجود "المؤسّسات الديمقراطية" الشكليّ (دستور، برلمان، انتخابات، أحزاب...) لا معنى له في غياب فاعليّتها، إذ تغدو مجرّد وسائل لممارسة السلطة والاستئثار بها. ولعلّ الأثر الأكبر والأهمّ، والذي يعدّ من أبرز مميّزات الحكم الكليانيّ (الشموليّ)، كان إلغاء المجتمع المدنيّ، وإخضاع كافة أشكال التعبير والتنظيم لسيطرة الدولة وإشراف الحزب (والأمن) الذي يدير شؤون الدولة[1]. وفي وقتٍ يُنظر فيه إلى التمييز بين المجتمع السياسيّ والمجتمع المدنيّ بوصفه من أبرز سمات الديمقراطية، فإنّ الشروع بالتحوّل الديمقراطيّ يقتضي حكماً تفكيك النظام الشموليّ، وتنشيط المجتمع المدنيّ، من خلال تأسيس هيئاته، من كلّ الأنواع، كجمعياتٍ مستقلةٍ تنظيميّاً عن الدولة. وبهذه الوسيلة فقط يمكن تقييد سلطة الدولة، والتعبير الواضح عن الرأي العامّ من القاعدة بدلاً من تسييره من القمة[2].

 

عاملٌ معيقٌ آخر للديمقراطية لا يقلّ عن سابقه أهميةً، نجده في سيطرة الإسلام السياسيّ على الثورة وسعيه الحثيث إلى وسمها بأيديولوجيته، وما تلاه من صعود "السلفية الجهادية". ذلك أنّ تيارات "الإسلام السياسيّ" عموماً تقع في تضادٍّ مع القيم والثقافة الديمقراطية. إذ يتحفّظ الإسلاميون على الديمقراطية كمشروعٍ سياسيٍّ متكاملٍ، لكن درجات هذا التحفّظ تختلف[3]. وفي أحسن الأحوال تُختزل الديمقراطية عندهم إلى صناديق الاقتراع. أي أنّه رغم ترديد بعضهم للشعارات الديمقراطيّة، ومحاولات التأسيس الفكريّ السياسيّ باستخدام عباراتٍ تنتمي إلى المشروع الديمقراطيّ، غير أنّهم يركّبون عليه تفاصيل التنظير الإسلاميّ الذي يتعارض مع مبدأ المساواة، ركن الديمقراطيّة الأساسيّ، سواء في مستوى المساواة بين الجنسين، أو على صعيد المساواة بين المسلم وغير المسلم. وفي حين أنّ الغاية الأساسية للنظام السياسيّ في الدولة الديمقراطية إيجاد الآليات التي تحقق توافق المواطنين على طريقة الحكم من حيث اتخاذ القرار والمحاسبة والتداول السلميّ على السلطة، وتضمن -بكلّ تأكيدٍ- حرّية الاعتقاد، فإنّ الهدف الأسمى للدولة في الأدبيات الإسلامية هو "إتمام العبودية لله سبحانه على مستوى الدولة بعد أن تحققت على مستوى الفرد"، والوسيلة لضمان هذا الهدف هي "تحكيم الشريعة ونشر أحكام الإسلام"، أي أن تصطبغ الدولة بالصبغة الإسلامية. أمّا التيار السلفيّ الجهاديّ فيرفض أيّ نوعٍ من المشاركة في العملية الديمقراطية، لأن المشاركة إقرارٌ بشرعية العمل الديمقراطيّ، ومن ثمّ إقرارٌ بحكم كافرٍ وتعاونٌ على الكفر والعدوان[4]. وعليه، فمن المحال تصوّر إمكانيّةٍ للتحول الديمقراطيّ لو سيطرت هذه التيارات على المشهد السياسيّ وتحكّمت بمآلاته.

 

 

في المقابل فإنّ من بين العوامل المؤهّبة لبناء سوريا ديمقراطيةٍ بعضُ الإرث الديمقراطيّ الغابر للبلاد. فقد شهدت خمسينات القرن الماضي تجربةً سوريةً رائدةً في الحياة الديمقراطية، غير أنّ الوحدة مع مصر قطعت سيرورة تطوّرها الطبيعي. ويمثّل ذلك الإرث الديمقراطيّ -على قصر أمده- قاعدةً يمكن التأسيس عليها واستعادة التجربة، نظراً لملاءمتها الواقع السوريّ بتنوعّه وثقافته. كما تبدو إمكانية تأسيس حياةٍ سياسيةٍ ديمقراطيةٍ ممكنةً مع ظهور إرهاصات وبوادر مجتمعٍ مدنيٍّ أفرزته الثورة. فقد شهدت مرحلة الحراك الشعبيّ، في طور الثورة السلميّ، ولادات محاولاتٍ ملفتةٍ لتفعيل المجتمع المدنيّ، من خلال عودة الناس إلى الشأن العام، وانتظامهم في تجمعاتٍ مدنيةٍ وسياسيّةٍ وتخصصيّةٍ، استمرّ كثير منها إلى اليوم رغم الحرب، وهذا أيضاً عاملٌ مساعدٌ في بناء الديمقراطية.

 

تتأتّى أهمية هذا الجانب من أنّ أوّل تصدّعٍ فعليٍّ في درع السيادة الكليانية في الأنظمة الشموليّة يظهر ما أن تبدأ بوادر التعبير غير الرسميّ والتنظيم المستقلّ[5]. ينطبق هذا على النظام الساقط كما على أيّ وريثٍ شموليٍّ محتملٍ له. وهناك محاولاتٌ بالفعل لبلورة تياراتٍ مدنيةٍ تقاوم ابتلاع الإسلام السياسيّ (ذي المشروع الشموليّ) للثورة. فرغم نجاح التيارات الإسلاميّة والسلفيّة في إعادة صياغة رؤى وسلوك قطاعاتٍ من المواطنين، وخاصّةً وسط الشباب في مناطق سيطرتها، ثمة أيضاً أصواتٌ ديمقراطيةٌ وعلمانيّةٌ تعمل في اتجاهٍ آخر لصوغ وعيٍ يعتمد قيم التعددية والانفتاح على أفكار العصر بدلاً من الانكفاء على موروث الماضي، قيماً ترفض أن تكون حرية العمل والمشاركة على كلّ الأصعدة مرهونةً بأيّ تمييزٍ يقوم على الدين أو الجنس.

 

 

إلى ذلك، تلعب ثورة الاتصالات دوراً في تعزيز ثقافة الحوار. فالتواصل وتبادل الآراء الذي أوجدته ثورة الاتصالات، وأفاد منه السوريون بشكلٍ أكبر بعد الثورة، يُسهم في خلق بيئة تواصلٍ وحوارٍ وتبادلٍ للآراء في العالم الافتراضيّ كما في الواقع، خاصّةً بين فئات الشباب، إضافةً إلى انتشار ظاهرة "صحافة المواطن". وإن لهكذا أمورٍ عميق الأثر في إعادة الناس إلى الاهتمام بالتعبير عن آرائهم، وبالتالي استعادة دور "الرأي العام" في التأثير في السياسات. هذا يفسح في المجال أمام تعلّم ثقافة الحوار واحترام الرأي الآخر؛ وهذه ثقافةٌ ديمقراطية.

 

أما العوامل التي نصِفُها بالمختلطة فأبرزها تركيبة المجتمع السوريّ القومية والدينية والطائفية، وما شهدته الحرب من تهتّك النسيج الوطنيّ والاقتتال على خلفية الهويات الجزئية تلك. فالانقسامات الإقليمية والطائفية والعشائرية تعمل ضدّ التصرّف العقلانيّ للمواطن، وتحرمه من ممارسة حرّيته الفردية، وتقف عقبةً في وجه نموّ القيم والمثل الديمقراطية[6]. وبما أنّ حظوظ التحوّل الديمقراطيّ تزداد داخل مجتمعٍ ما بازدياد درجة اندماجه، فإنّ تحرّر الأفراد من الروابط والعلاقات الطبيعيّة ما قبل الوطنية، كالعشائرية والعرقية والمذهبية والطائفية، واندماجهم في فضاءٍ وطنيٍّ مشترك، هو المقدّمة الأولى للدولة الوطنية (دولة الحقّ والقانون المعبّرة عن الكلية الاجتماعية والقائمة على مبدأ المواطنة)، وضمانة تحوّلها إلى دولةٍ ديمقراطية[7]. فالدولة لا تقوم على بنىً قبليةٍ وعشائريةٍ ومذهبيةٍ وإثنيةٍ متحاجزةٍ ومتنابذة. وإنها تأخذ في التشكّل مع انحلال مبدأ العصبية العرقية أو الدينية أو المذهبية، وانطلاق سيرورة الاندماج الوطنيّ[8].

 

وبقدر ما يبدو التنوّع المجتمعيّ عامل كبحٍ للمشروع الديمقراطيّ، نظراً لما قد تحمله "الجماعات" المختلفة من مصالح متباينة، فهو، في الوقت عينه، عامل دفع، لأن الصيغة الديمقراطيّة هي الصيغة المثلى لضمان حقوق الجميع، فلا يكون فضلٌ لهذه "الجماعة" أو تلك عن غيرها. وإنّ مفهوم "التعايش"، الذي يمتدحه منظّرو الطوائف، لا يختلف واقعيّاً عن مبدأ الغلبة والقهر الذي تعيّنه نسبة القوى بين المذاهب والطوائف والعشائر والعرقيات. ونسبة القوى حصيلةٌ مركّبةٌ من عناصر محليةٍ وأخرى إقليميةٍ ودولية، ينجم عنها عقد غلبةٍ وإذعانٍ و"استقرارٌ سياسيٌّ" مؤقّتٌ وملغّم، تنفجر أوهامه عند أوّل سانحة، كما برهنت على ذلك، ولا تزال تبرهن، "الصيغة اللبنانية" التي قامت على ميثاق 1943 الما بين طوائفي، و"الصيغة العراقية" التي تتشكل في لهيب حربٍ طائفية[9]. وإنّ تجاوز هذه الحال مشروطٌ بالخيار الديمقراطيّ.

 

 


[1] لاري دايموند، الثورة الديمقراطية، ترجمة سمية فلو عبود، دار الساقي، الطبعة الأولى، بيروت، 1995، ص 21.

[2] ديفيد بتيهام وكيفن بويلي، مدخل إلى الديمقراطية، ترجمة أحمد رمو، وزارة الثقافة، دمشق، 1997، ص 49.

[3] علي الكواري (تحرير)، أزمة الديمقراطية في البلدان العربية، دار الساقي، الطبعة الأولى، 2004، ص، 76.

[4] المصدر نفسه، ص 75.

[5] الثورة الديمقراطية، ص 21.

[6] مجموعة من المؤلفين، المسألة الديمقراطية في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الثانية، بيروت، 2002، ص 93.

[7] جاد الكريم الجباعي، وردة في صليب الحاضر، دار الفرات؛ دار بترا؛ رابطة العقلانيين العرب، الطبعة الأولى، 2008، ص 190.

[8] المصدر نفسه، ص 81.

[9] المصدر نفسه، ص 324.

 

 

مقالات شبيهة 

 

ــ المجتمع المدني من منظور مختلف "جاد الكريم الجباعي "

ــ اللامركزية خيارٌ ديمقراطيّ  "جاد الكريم الجباعي"

ــ التقسيم ومشروع الدولة الفاشلة​  "علي ملحم " 

ــ في تمدّد التصوّر الطائفيّ للصراع في سوريا  "راتب شعبو " 

 

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
آخر المقالات
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard