info@suwar-magazine.org

فيلم حلم الفراشة Kelebeğin Rüyası ليلماز إردوغان

فيلم حلم الفراشة Kelebeğin Rüyası ليلماز إردوغان
Whatsapp
Facebook Share

 

(عن الشعراء المغمورين المنسيّين)

 

*عمار عكاش

 

كم من الشعراء تحدّثوا عن مغامراتهم في الحياة وكانوا مدلّلين لدى شعوبهم، لكن تحت ظلال هؤلاء المدلّلين آخرين سقطوا في نواصي الحياة المعتمة، خاصّةً أولئك الذين لم يفصلوا بين قصائدهم وبين يوميّاتهم، فلم يعرفوا إن كانوا هم من يلدون قصائدهم أم أنها تلدهم. فيلم حلم الفراشة، للمخرج التركيّ يلماز إردوغان، يتحدث عن هؤلاء الشعراء الذين يتركون وراءهم أثر الفراشة، ومثل كلّ الأشياء الجميلة يرحلون قبل الأوان.

 

تجري الأحداث في أربعينات القرن الماضي، زمن الحرب العالمية الثانية، في مدينة زونغولداك غربيّ البحر الأسود؛ في بيئةٍ اجتماعيةٍ يلفّها القهر والمظالم، فيُرْغَم كلّ ذكور البلدة على العمل في مناجم الفحم، ويقع الكثيرون منهم فريسةً للسلّ.

 

يسرد الفيلم حكاية شاعرين شابّيْن فقيريْن شغوفَيْن بالشعر تجمعها صداقةٌ متينة (روشتو أونور وموزافّار تايّب)، يحلمان بأن تنشر أعمالهما في إحدى المجلات الأدبيّة الشهيرة، ويُعجَبان كلاهما بفتاةٍ غنيةٍ قادمةٍ من اسطنبول (سوزان) مع والدها الأرستقراطيّ المتعجرف. لا تلبث سوزان، التي تهوى الرياضة، أن تنجذب إلى عالمهما الشعريّ، وتتّفق معهما على المشاركة في مسرحيّةٍ من فصلٍ واحدٍ اسمها “الحب في زمن العمل الإجباريّ”، لكن والدها يمنعها. يتّفق الشابان أن يكتب كلٌّ منهما قصيدةً لسوزان كي تقرّر أيّها أجمل، غير أن إصابة روشتو بالسلّ تحبط المشروع، فيرحل إلى المصحّة الوحيدة في تركيا لعلاج السلّ في إحدى جزر اسطنبول، وتبقى القصيدة وعداً معلّقاً.

 

 

في المصحّ يقع روشتو في غرام فتاةٍ اسمها مديحة. ولا يلبث موزافّار أن يوافيه هو الآخر، بعد أن نجح في إقناع مدير المصحّ بقبوله من خلال قصيدةٍ قرأها له. يغادر روشتو المصحّ، قبل تعافيه، ليتزوّج حبيبته مديحة، غير أنها لا تلبث أن تقضي نحبها فيبدأ المرض بالاستيلاء على روشتو. ينتهي الفيلم برحيل الشاعرين.

 

الفيلم، في مجمله، قصيدةٌ فريدةٌ ذات طابعٍ غنائيٍّ تعيدنا إلى زمن كلاسيكيّات السينما الجميلة. ونجح المخرج يلماز إردوغان، الذي عرف بأعماله الاجتماعية ذات المسحة الكوميدية، مثل فيلمَي Vizonetele  وNeşeli Hayat، في منح حيويّةٍ وجوٍّ بهيجٍ للفيلم وسط البؤس. الصورة البصريّة خلابة، تغلب عليها اللقطات الواسعة والعلويّة ولقطات الماستر، من خلالها يؤسّس إردوغان للتباين بين جغرافيا المكان الجميلة وحبّ الشاعرين للحياة وبين الظلم والقهر. اللقطة الافتتاحية من أفضل ما شاهدتُ في السينما التركية، كئيبةٌ قاتمة اللون، تواكبها موسيقى راهمان؛ وجه عاملٍ مجهدٍ يتهادى مع وجه حصانٍ عيونه ترمش، ثم تدور الكاميرا وترتفع بين العسكر والعمال المقهورين مع خلفيّةٍ من البلدة؛ تأسيسٌ متميزٌ لخلفيّة الفيلم التاريخيّة والاجتماعيّة قبل أن يظهر الشاعران المقبلان على الحياة بشغف.

 

 

رغم نجاح العمل بمجمله لكن حدث شيءٌ من الخلل في تطوّر الشخصيات، مع مغالاةٍ في مَثْلنة علاقة الصداقة بين الشاعرين. كلّ الحوارات غنيّةٌ شيّقةٌ رشيقة، ومن حينٍ إلى حينٍ تومض علينا ومضةٌ شعريةٌ قصيرةٌ مع مشهدٍ جماليٍّ مختلفٍ يولد في موسيقى راهمان آلتن الذي يذكّرنا، بملامسته روح العمل والحبكة، بعبقريّةِ الموسيقي الإيطاليّ إنريكو موريكونه.

 

كانت ميزانية الفيلم أضخم ميزانيّةٍ في تاريخ السينما التركية، وبلغت ١٠ مليون دولار، لكنها حققت هدف المخرج في سرد حكاية شاعرين كانا منسيَّين وظلا منسيَّين حتى أعاد سرد حكايتهما.

 

فبعد إطلاق الفيلم جمعت ثلاث دور نشرٍ أعمال الشاعرين القليلة في كتابٍ حقق أعلى نسبة مبيعاتٍ في الأسواق التركية..

وبمفارقةٍ عجيبةٍ غمرَ أثرُ الشاعرين (أثر الفراشة) تركيا بعد ما يقارب ستين عاماً على رحيلهما..

 

 

***

 

 

مشاهد من الفيلم؛

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard