info@suwar-magazine.org

فيلم (المولود مرتين) تجسيدٌ لعذابات النّساء والأطفال في الحرب

فيلم (المولود مرتين) تجسيدٌ لعذابات النّساء والأطفال في الحرب
Whatsapp
Facebook Share

 

 

إنّه الألم وحده؛ كان ذاك المؤشر والكاشف لكلّ المخاضات العسيرة الّتي تخوضها البشريّة بتجاربها وأيامها، ولعلّ أبرز تلك المخاضات؛ هي الحروب الّتي تخلّف الكثير من المآسي والعذابات في حياة البشر الّذين عاشوا تحت وطأتها، وخاصّةً النّساء والأطفال. تاركةً الكثير من آثارها الموسومة بوشم الفاجعة على حياة شُخوصها.

 

استطاعت كاميرا المخرج الإيطاليّ سيرجيو كاستيلتو عام 2012، وخلال مدّةٍ لا تتجاوز السّاعة والنّصف من الزّمن تحويل وقائع الحرب ومأساتها لفيلمٍ سينمائيٍّ، اسمه "المولود مرتين"، مضيفاً لرصيده تحفةً فنيّةً غنيّةً بكلّ القيم الإنسانيّة الّتي تشرح الشّرخ الرّوحيّ والعاطفيّ الّذي شكّلته الحرب، ودفع نتيجتها الأجيال دماراً وتشرّداً.

 

 

يعتبر الفيلم بمثابة ثورةٍ فنيّةٍ وإنسانيّةٍ بكلّ المقاييس، نقلها لنا المخرج سيرجيو كاستيلتو، عبر طرح أحد القصص الشّديدة التّأثير والإيلام حول حياة شابٍّ مولودٍ بطريقةٍ غير شرعيّةٍ زمن الحرب في سراييفو، وعن الأخطاء والوحشيّة وطريقة الولادة، ونمط حياة الآخرين إزاء هذا المولود وأمّه وآلامهما.

 

تبدأ الحكاية عندما نرى بطلة الفيلم الأمّ الّتي تُدعى "جيما"، وهي تتكلم مع زوجها العسكريّ "جوليانو"، الّذي أدّى دوره المخرج سيرجيو كاستيلتو نفسه، عن دعوةٍ تلقتها من صديقها "جوجكو" لزيارة سراييفو مسقط رأس ابنها الشّابّ بييترو.

 

حيث أرادت "جيما" لابنها بييترو أن يتعرّف إلى مسقط رأسه، ونسبه ومن يكون في رحلتها إلى تلك المدينة فأصرّت على أن تأخذه إليها.

 

وفي الطّريق إلى سراييفو؛ يتداعى في ذهن “جيما” كمٌّ هائلٌ من الذّكريات المؤلمة عن المدينة في زمن الحرب، وعن قصة الحبّ الغريب الّذي جمعها فجأةً بالمصور الأمريكي “دييغو” وتحوّل لزواجٍ سعيدٍ في البداية.

 

إلّا أنّ “جيما” أسقطت حملها أكثر من مرّةٍ، ليتبيّن طبّيّاً في وقتٍ لاحقٍ أنّها أصبحت غير قادرةٍ على الحمل، وبعدها بدأت مراجعات الزّوجين إلى الأطباء لإيجاد حلٍّ لكن تبيّن أنّ (جيما) لا تستطيع الإنجاب.

 

ومع سيطرة الحالة المُحزنة على العلاقة بينهما، بدأت "جيما" تفكّر في ترك (دييغو)، لكي يحقّق أمله في أن يحصل على طفلٍ، وازدادت مخاوفها كأنثى من أن تسرقه منها امرأةٌ أخرى قادرةٌ على الإنجاب، لكن “دييغو” أصرّ على بقائه مع جيما رغم عدم قدرتها على إنجاب طفلٍ له.

 

وبعد التّفكير من قبل الزّوجين كثيراً في فكرة التّبني ورفض الدّولة لهذا الأسلوب، بدأت أفكار الزّوجين تحوم حول الشّابّة "آسكا" الّتي كانت تحلم بالانضمام إلى فرقةٍ مسرحيّةٍ شهيرةٍ اسمها "نيرفانا"، ونظراً لحاجتها الشّديدة للمال وافقت الشّابّة على أن تمنح الزّوجين طفلاً من علاقةٍ غير شرعيّةٍ مع الزّوج دييغو.

 

وبسبب سوء الأحوال الأمنيّة قرّرت أن تغادر "جيما" مدينة سراييفو لعدّة أشهرٍ بعد أن أمّنت الخلوة لزوجها مع "آسكا"، وحين عادت اكتشفت أنّ زوجها على علاقةٍ معها وقد حملت بالفعل، فأشرفت "جيما" بعد عودتها على ولادتها، وحصلت على طفلٍ أسمته "بييترو"، ثمّ غادرت إلى بلدها إيطاليا، تاركةً زوجها "دييغو" وراءها في سراييفو بسبب فقدانه جواز سفره، فاقدةً له إلى الأبد بصورةٍ غامضةٍ.

 

ومع انتهاء شريط الذّكريات؛ وخلال زيارة "جيما" لصديقها "جوجكو" اكتشفت أن "جوجكو" قد تزوج من "آسكا"، فانتابها خوفٌ أن تكون دعوة "جوجكو" لها محاولةً لسلبها "بييترو"، وإعادته لأمّه الّتي لم تكن قد أنجبته، نتيجة علاقتها مع زوج جيما "دييغو" كما كان متوقعاً.

 

في الحقيقة لم يكن الطّفل ابن “دييغو” بل كان حملاً مؤلماً ناتجاً عن تناوب مسلّحين دخلوا لمنزل دييغو، وتناوبوا في اغتصاب "آسكا" وإطفاء سجائرهم في جسدها. تمّ ذلك كلّه أمام ناظري "دييغو" المختبئ اّلذي لم يفعل شيئاً، غير أنّ ضميره عذّبه، وقرّر أن يساعد المرأة الّتي رفضت الطّفل أساساً، وقرّرت أن تتخلى عن ولدها نهائيّاً.

 

مع استمرار الحالة النّفسيّة السّيئة لـ دييغو ورؤية الطّفل أمامه؛ قرّر الانتحار في عرض البحر مخلّفاً وراءه آسكا والطّفل، ووشماً يدل على فعلة الحرب وآثار نيران الاغتصاب موجوداً على رقبتها، والّذي اكتشفته جيما في لقاءها مع أسكا وابنها بييترو.

 

اقرأ أيضاً:

 

فيلم حافة الجنة عقد مصالحة تحت راية التسامح

 

ما حدث يقلب حقيقة الصّورة المتخيّلة لدى جيما، بأنّ والد بيترو هو دييغو، ويكشف معها عذابات جيلٍ مولودٍ مرتين بين ألمين، الأول ألم التّخلي عن أسمى ما يملكه الإنسان في ظلّ الحرب، والألم الثّاني يرتبط بالتّزييف والخديعة الّتي تشوب الواقع الحقيقيّ لما حدث، والّتي كانت تنقل بصورٍ مشوهةٍ مجريات ما حدث، ولا تعترف حتّى بالأسماء ولا بالأنساب ولا بأفعال مجرمي الحروب ومحاسبتهم.

 

 ويأتي المشهد الأخير للأمّ غير الحقيقيّة "جيما" المرتحلة مع ولدها عائدةً إلى إيطاليا، بعد أن رأت الأمّ الحقيقيّة ابنها ذي الأصول غير الشّرعيّة.

 

الفيلم يُظهر واقع النّساء في أبشع صورٍ عاشتها أيام الحروب، جراء ما تعانيه من جرائم الاغتصاب والتّعذيب، الّتي نقلتها كاميرا المخرج بأدقّ تفاصيلها وقسوتها، واستعراضه لتلك المشاعر النّسائيّة المختلطة في حدّتها وحزنها ومرارتها، والّتي صوّرت على شكل مذكراتٍ ملحميّةٍ لامرأةٍ عاشت ظروفاً صعبة في زمن الحرب.

 

تعتبر حكاية الفيلم من الحكايات النّمطيّة الرّتيبة في مشاهدها الأولى، ولكنّها تشويقيّةٌ في مشاهدها المتتالية، بعد انقضاء مدّة نصف ساعةٍ تقريباً تنقل المشاهد من حالة العلاقة التّقليديّة اليوميّة المملّة، إلى العلاقة الرّومانسيّة بين حبيبين، حيث يستطيع المخرج بعدها  بكلّ ذكاءٍ التّحوّل في صيرورة هذه المشاعر، في طرحها بتناقضاتها بين غريزة الأمومة وبين حلمها وبين أماني أمٍّ عاقرٍ تشعر بالانكسار، وبين أبٍ غير قادرٍ أن يظهر أبوّته، وبين رجلٍ ضعيفٍ مهزومٍ يحاول الهروب من واقع الأحداث بالانتحار، وبين شابّةٍ موهوبةٍ تبيع جسدها لأجل المال، ورجلٍ يوافق على نكران مبادئ الزّواج لأجل إرضاء رغبته بالإنجاب وغيرها الكثير.

 

فأبدع بذلك المخرج بعرضه لشريط الذّكريات هذا، في نقل صوت الحزن العميق لدى الممثلين بكلّ إحساسٍ مرهفٍ، وكأنّه في قلب القصّة الحقيقة ومجريات الحرب الّتي حدثت في سرافييو.

 

وبالإضافة للنصّ وجماليّة السّرد امتاز الفيلم بالجماليّة اللّونيّة، والمونتاج الممتع بخبرةٍ تقنيّةٍ ربطت الذّكريات ببراعةٍ، فكانت الصّورة تشكّل مُتعةً بصريّةً وتشويقيّةً، كذلك امتازت كثيراً من المشاهد بحدّتها وواقعيّتها، وتأثيرها المحزن على نفس المشاهد، وخاصّةً فيما يتعلّق بجريمة الاغتصاب والانتحار ممزوجةً بموسيقى كانت بالبراعة الكافية الّتي اتّصفت بالعمق والانسجام مع تواتر المشاهد، وتناقضات المشاعر لتستطيع بكلّ إتقانٍ أن تبكي وتحزن وتجعل المتابع حالماً متأثراً حيناً باكياً حزيناً حيناً آخر في كلّ لحظةٍ، محققاً اسم ومضمون الفيلم ( المولود مرتين ).

 

 نعم المولد مرتين من عمق الآلام، آلام الحرب ونيرانها الّتي استعرت على جنبات النّساء والأطفال، تاركةً نَدَباتٍ لا تنسى على أجسادهنّ، وقلوبهنّ مخلّفةً أبناءً غير شرعيين ومفقودين للآمال والأنساب.

 

الكتاب

هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ
هناك حقيقة مثبتة منذ زمن طويل وهي أن المحتوى المقروء لصفحة ما سيلهي القارئ

تابعنا على الفيسبوك
آخر المقالات
إعلان
حقوق النشر © 2019 جميع الحقوق محفوظة للمجلة، تم التطوير من قبل شركة Boulevard